نساء بلا أسماء.. العُرف في أقبح صوره!

نساء بلا أسماء.. العُرف في أقبح صوره!

تنادى المرأة في عدة دول عربية بألقاب تقلل من قيمتها (باتريك باز/أ.ف.ب)

إن كان الاسم حقًا يميز به الأشخاص فيما بينهم في المجتمعات، سواء تعلق الأمر بامرأة أو رجل، فإن العادات في بعض البلدان العربية تسلب المرأة هذا الحق، وتحل محله أسماء أخرى اختارها المجتمع والعرف السائد.

العادات في بعض البلدان العربية تسلب المرأة حقها في اسمها، وتحل محله ألقاب أخرى اختارها المجتمع والعرف السائد

ثمة تقاليد وعادات عربية تأبى الاندثار، ومنها المتعلق بالنساء، فمن بين هذه العادات عدم ذكر الرجل اسم زوجته أو والدته أمام أصدقائه أو معارفه، خوفًا من حكم الآخرين بكونه "لا يغار على عرضه" حسب المتعارف في هذه البلدان، والنتيجة امرأة دون اسم.

اقرأ/ي أيضًا: الأغنيات السودانية.. المرأة في خانة المفعول

فقط تذكر المرأة حينها عبر ألقاب تختلف من بيئة عربية لأخرى، ففي بعض دول المغرب العربي مثلاً، تلقب الزوجة بـ"مولات الدار" أي صاحبة المنزل. ويفضل بعض الرجال مناداتها بـ"المرا" بمعنى "المرأة"، وفي بعض المناطق "مخلوقة ربي" بمعنى "المولودة" خصوصًا بالجزائر والمغرب. 

أما  في موريتانيا، فالرجل عادة يكتفي بمناداة زوجته بضمير "هي" فقط، أو باسم ابنها الأكبر. أما في الخليج العربي، ينادي الرجل الخليجي زوجته باسم طفلها البكر أيضًا، أو يكتفي بلقب "الحرمة" أو "الجماعة". دون أن ننسى أن بعض الرجال يلقب زوجته، بـ"الداخلية" أو "التحريات" أو "النائب العام"، في سياق تهكمي بمعنى أنها تراقبه وتتبع خطواته. وكلها ألقاب تحقيرية، تعتبرها النسوة استفزازية في غالب الأحيان.

ويفسر هذا الأمر أحمد شراك، الباحث في علم الاجتماع، خلال حديثه لـ"ألترا صوت"، بأن سبب سلب المرأة اسمها في المجتمعات العربية وتعويضه بألقاب متعددة، راجع إلى "طبيعة المجتمع العربي نفسه، فهو مجتمع ذكوري ذو أيديولوجية ذكورية سائدة، والتي لها جذور قديمة حتى قبل مجيء الإسلام".

 

ويضيف الأستاذ شراك: "في المجتمع العربي لا تزال المرأة تعاني من هضم حقوقها، وسلب اسمها على مستوى التواصل الاجتماعي اليومي، باعتبارها عورة أو متاعًا أو ملكية خاصة".

لكن لا يقصد الرجل العربي الإساءة دائمًا، حسب تأويلاته، فالرجل  يبرر عدم مناداة زوجته باسمها واكتفاء بلقب ما بتشريف لها، فهو عندما يلقبها بـ"مولات الدار" في بعض دول المغرب العربي مثلًا يقصد "عماد المنزل"، أو عندما يخاطبها بـ"أم العيال"، هو يعني أم أولاده الذين يحبهم طبعًا وهذه ليست إهانة للمرأة بل تعظيمًا لها، وفقا لتعبير البعض خاصة من الرجال.

لكن أحمد شراك، الباحث الاجتماعي،  له رأي آخر في هذا الموضوع، يقول لـ"الترا صوت": "لا يمكن أن نحاكم نيات الأشخاص، لكننا نحاكم هذه الخطابات التي تضمر اسم المرأة، الذي هو بمثابة العلامة السيميائية المميزة للشخص، سواء المرأة أو الرجل، فعندما ينطق اسم المرأة هي تحس بنوع من الاعتزاز والاعتراف وتحقيق الذات منطقيًا. لكن عندما تنعت بلقب ما، رغم ما نعطيه من مضامين إيجابية أحيانًا، يبقى الاسم ملغى وتبقى الشخصية النسائية متوارية مقارنة بالرجل".

كما أنه ليس الرجل وحده من يخفي اسم المرأة، بل المرأة نفسها تعيد إنتاج الايديولوجية الذكورية أحيانًا، فكما يقول شراك إن هذه "الأيديولوجية الذكورية لبستها المرأة نفسها، فهي الأخرى تنادي زوجها بـ"راجلي" في المغرب العربي أو "صاحب المنزل"، فهي تعيد إنتاج ذات الفكرة والأخطر أنها تعتقد بصوابها أحيانًا".

عندما ينطق اسم المرأة، تحس الأخيرة بنوع من الاعتزاز والاعتراف لكن أي ألقاب مهما كانت إيجابية فهي تبقي الشخصية النسائية متوارية

اقرأ/ي أيضًا: أفكار مسبقة وتعابير مفخخة.. وجه آخر لإهانة المرأة

العرف يطغى على الدين

في عديد الدول العربية يكون العرف طاغيًا على الدين نفسه؛ فبعض المجتمعات العربية تستنكر ذكر الرجل اسم زوجته، بل إن بعضهم قد يعد ذلك من قلة غيرة الرجل على زوجته، مع أن في ذلك تعارضًا مع المعروف من التراث الإسلامي عمومًا فيما يخص بالإفصاح عن اسم المرأة واستخدامه صراحة أمام الآخرين. 

لكن عمومًا وكما يقول مصطفى البقالي، المتخصص في الشأن الإسلامي لـ"ألترا صوت"، "المجتمعات العربية يغلب عليها طابع العرف، والذي يختلف أحيانًا مع الدين الإسلامي نفسه". وأوضح المتحدث ذاته: "الإسلام استطاع أن يحد من سيطرة العرف في بعض المظاهر عند العرب، مثل وأد الأنثى على سبيل المثال، لكن لم يستطيع إلغاء العرف بشكل كلي".

ويوافقه الباحث الاجتماعي أحمد الشراك، الذي أكد أن "المجتمعات العربية تحكمها الأعراف بحكم أنها مجتمعات قبائلية، وأن الإسلام استطاع أن يحد من جبروت التقاليد والعادات التي تسيء للمرأة، لكنه لم يستطيع أن يلغيها نهائيًا، ويدخل في هذا الباب سلب المرأة اسمها أمام الناس".

 

اقرأ/ي أيضًا:

لو تحدثت النساء مثل الرجال.. يفضح العقد الذكورية

هل صار المجال العام في مصر معاديًا للمحجبات؟!