29-أكتوبر-2021

لينة كريدية وروايتها "غانيات بيروت"

تبدو رواية "غانيات بيروت" (دار النهضة العربية 2021) للروائية لينة كريدية سجل احتضار طويل ومؤلم لبيروت. بيروت التي جئنا إليها متأخرين عن زمن موتها واحتضارها السابق له وكنا نظن أنها حية. بيروت التي تشبه في الرواية والواقع، تواطؤا أهليا على الخطيئة، والتي يكون عقابها غالبًا الموت في نهاية المطاف، ما أن تصبح الخطيئة مستحيلة. بيروت الحياة اليومية هي مدينة ممتنعة على التوبة، عكس الأهل الذين يخوضون في مجازرهم الحربية، لكنهم دائما يستطيعون ادعاء التوبة.

تبدو "غانيات بيروت" سجل احتضار طويل ومؤلم لبيروت. بيروت التي جئنا إليها متأخرين عن زمن موتها واحتضارها السابق له وكنا نظن أنها حية.

تنتهي الرواية بمشهد حداد زوجة ابن الأخ على وفاة العم داوود. والأسماء التي ترد في الرواية وفي هذه المقالة، لن تقول للقارئ شيئًا كثيرًا. هذه الرواية تستخدم الشخصيات الكثيرة والمتعددة فيها لتقص حكاية احتضار بيروت المديدة. إنما لا بأس من التجربة. العم داوود، لم يكن دومًا عمًا، كان ابنًا وأخًا لابتسام الجميلة، التي تزوجت من أكبر تجار بيروت. وهو الشاب الجميل أيضًا، كان زميل دراسة لواحد من أهم شخصيات البلد السياسية في حقبتي الانتداب والاستقلال، والذي شغل مناصب وزارية ورئاسية عدة. هل تحيل الرواية إلى شخص بعينه في تاريخ البلاد؟ طبعًا. هذه الرواية في حد ذاتها هي عمل حفارين ينبش التراب بحثًا عما يمكن جمعه من تاريخ الناس في بيروت وحكاياتهم. تتغير الأسماء، لكن الوقائع قائمة ومثبتة في أرشيف المدينة. لكن تواريخ الناس وحكاياتهم، للأسف الشديد، لا تتحول إلى تاريخ للمدينة. لهذه المدينة شأن آخر مع ساكنيها وعشاقها وأهلها. كما لو أنها البرزخ الذي يلي الولادة بين الأهل ويسبق لحظة القيامة والحساب.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة لينة كريدية

كل شخصيات الرواية، وكل أهل بيروت من دون شك، عاشوا وخبروا لحظات احتضارها الطويل التي سبقت الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. لكن هؤلاء المختبرين ليسوا شهودًا، إنهم وقود هذا الاحتضار الطويل. من هاجر منهم هربًا من أتون مطهرها، كالصحافي عصام، أعاده موت أحد الأقارب الأقربين إلى البلاد ليتم خطفه وقتله بعد تعذيبه. ومن تخلى عن عشائريته وقرر العيش في محيط مديني، يلحق به الثأر إلى شاطئ البحر، كما هي حال صديق عصام الصحافي أيضًا. وما تقدم غيض من فيض قصص حقيقية يعرف اللبنانيون خبرها، وسبق لأهل بيروت وسكانها أن امتحنوها.

هؤلاء رجال ناجحون إلى هذا الحد أو ذاك، ويمكن لهم في مجتمع مستقر أن يشكلوا نخبته الحاكمة أو على الأقل التي تمتلك سلطة تخولها العيش في أمان واستقرار. لكن نخبة بيروت لا تجد الأمان فيها. ذلك أن هذه المدينة، التي هي في الأصل مساحة أهل وعائلات، صنعت حكاياتها اللامعة والشائقة من تواطؤ أهلي عام. الفتاة التي تتمتع بقسط وافر من الجمال أو الذكاء، تسوقها أقدارها من قريتها أو حاضرتها في أرياف لبنان إلى المدينة، وفيها تحاول الخروج على قيود المجتمع الأهلي والاندراج في مجتمع مديني بالغ الهشاشة. والشاب الذي يعتقد بأنه يملك ما يؤهله ليكون نجمًا "مدنيًا" في هذه المدينة، يترك أهله وظهرانيه وأترابه، وينطلق إلى المدينة مجربا حظه. لكن الأهل سرعان ما يستنفدون أبناءهم الذين هجروا إلى المدينة. ويدفعونهم إلى الموت انفجارًا. أو في أحسن الأحوال، وإذا واتاهم الحظ، يموتون بين أهلهم، بعد سنوات من التشرد والفاقة والعوز في زواريب المدينة. كما هي حال العم داوود.

مدينة هذه حالها مع نجومها. تنبئك أنها موقوفة للطفرات. روابط المجتمع الأهلي تسمح لأبنائها وبناتها أن تجرب حظها لحظة الطفرة. إنما وما أن تخمد أضواء الطفرة لأي سبب، يستعاد هؤلاء قتلى أو مشردين أو منتحرين إلى كنف الأهل، كما لو أنهم لم يكونوا ذات يوم.

لاحظ عباس بيضون أن عنوان الرواية "غانيات بيروت" لا يحيل إلى وصم كل شخصياتها من النساء بالاقتراب من أعمال الدعارة، أو الغوص فيها، ورد وصف "الغانيات"، إلى جمال هاته النساء، وفتنتهن. والحق إن أعمال الدعارة في بيروت تلك، كانت منتشرة. لكنها أيضًا كانت لزوم الطفرة التي تواطأ الأهل في الأرياف والحواضر البعيدة عن بيروت على التغاضي عنها، لأن المدينة، كانت تجر البلاد كلها، ولطالما كان هذا قدرها، نحو ازدهار ووفرة. وبدا واضحًا أن دخول زمن المدينة في الركود، وعجزها عن تصريف فائضها ووافرها في الأرياف والحواضر، سيؤدي لا محالة إلى اجتياحها مرة أخرى من الأهل وفرض منطقهم عليها، بالحرب حينًا، وبعزل المتمردين الحالمين وتهجيرهم أو نبذهم وتشريدهم على نحو يفقدهم كل صفاتهم.

بيروت. لو كان لها لسان لأعلنت: كلكم قتلة، ولا أحد منكم يحاسب على جرائمه. وحدهم الحالمون من يوصمون بالجريمة ويدفعون ثمن جرائم الآخرين

هل كانت بيروت مدينة مضاءة؟ وهل كان لبنان حقًا يستمد ضوءه من أنوارها؟ الأرجح، وكما تشير الرواية، أن بيروت تمتعت بزمن قصير من انعدام الوزن الأهلي. في تلك اللحظة وبسبب أنوارها الفاتنة، وفد إليها أفراد منتخبون من الحواضر والأرياف ومن دول الجوار. وولربما ظنوا أن قوة المعاصرة التي توحي بها بيروت، قاردة ليس فقط على حمايتهم، بل على نشر بهائها وأضوائها في عموم البلد. لكن المدينة المضاءة سرعان ما جذبت الجماعات الأهلية إليها. ومنذ تلك اللحظة بدا أنها دخلت في زمن احتضارها الطويل. وهو الزمن الذي شهد موت نجومها ومحاصرتهم واحد بعد الآخر وواحدة بعد الأخرى. كما لو أنهم لم يكونوا سوى شموع ضئيلة في ليل المدينة المضاء.

اقرأ/ي أيضًا: الناس لحمٌ ودم في 3 روايات عن الحرب الأهلية اللبنانية

في الرواية، كما في الواقع، تطفئ بيروت أنوارها، وتدخل في زمن الحداد. زمن مظلم وليس ثمة فيه ما يمكن أن نتذكره. حتى العم داوود الذي أوقد شمعته في كل مكان من ليالي بيروت، يموت في حضن أهلي دافئ، لكنه حضن من لا يأمل في عودة الأضواء إلى بيروت. إنه حضن من يأسى على هذا الرجل الفاتن في كل شيء، لأنه أهدر فتنته تحت الأضواء، ولم يحفظها في كنف الأهل والأبناء.

بيروت. لو كان لها لسان لأعلنت: كلكم قتلة، ولا أحد منكم يحاسب على جرائمه. وحدهم الحالمون من يوصمون بالجريمة ويدفعون ثمن جرائم الآخرين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إملي نصر الله.. جردة حساب مع "الزمن الجميل"