رواية

رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا" لإسماعيل غزالي.. نزع حجاب المدينة

الكاتب اسماعيل غزالي

لو قُدّر للمتنبي أن يطّلع على رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا" (منشورات المتوسط)، فإنّه سيدرك بعد قراءتها أنّ إسماعيل غزالي سينافسه في النّوم ملء جفنيه عن شواردها في حين يسهر القوم ومنهم المتنبي جرّاها ويختصموا.

تقوم رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا" على بناء فنّي رفيع دقيق النّسج وعلى دلالات وإيحاءات، بل على دوائر تتشكّل عبرها المعاني والدّلالات

ذلك أنّ هذه الرّواية تتوفّر على بناء فنّي رفيع دقيق النّسج وعلى دلالات وإيحاءات بل على دوائر تتشكّل عبرها المعاني والدّلالات، وعلى دواوير رملية عاصفة خانقة تجثم على صدور الشّخصيات فينحدرون سراعًا إلى حتفهم في ثلاثة أيّام، في حين تأخذ القارئ في سفر عاصف بين هذه الدّواوير وهو يحبس الأنفاس ويشهق إعجابًا أو خوفًا من حين إلى آخر دون أن يجد وقتًا للتأمّل والتّفكير والتثبّت والتّدقيق. إذ يجد نفسه واقعًا بين أنياب الرّقم ثلاثة الذي يتشظّى لينسكب على كلّ ما في الرّواية تقريبًا، كما يجد نفسه أمام مضامير سرديّة مختلفة تمارس فيها الشّخصيات سِبَاقَ تَنَاوُبِ سَرْدِيٍّ لا يُصدّق القارئ أنّه قد بلغ فيه العدّاؤون خطّ النّهاية، لأنّ الرّواية تنتهي على نحو فيه تفاؤل رغم الأهوال التي نراها ونحن نعبر مضمارها السّردي كأنّنا نعبر الصّراط، حيث تُختم بـ"شعرت بنفسها كما لو كانت مستلقية تحت زهرة نوار الشّمس. هكذا بدت لها الشّمسُ زهرة نوّار. أخذت تدنو منها ببطء إلى أن لامست وجهها، فأغمضت عينيها، ورسمت طيف ابتسامة".

الهندسة الثلاثية: ولعبة سباق التّناوب السّردي

في حيلة سرديّة مُتقنة الأداء استطاع إسماعيل غزالي أن يُفوّض أمر صياغة روايته إلى ثلاثة كتّاب مُفترضين داخلها وهم الوجه والقفا؛ موحى الطّنجاوي وماثيو إكس وايت ثمّ المخرج سومر. موحى الطّنجاوي الكاتب المغمور كما ورد في الرّواية صفحة 11 يُصيّره بول بولز "ماثيو إكس وايت" لا باعتبار تشابه اسمه موحى مع "متّى" الحواري التاسع للمسيح (ع) بل باعتباره الكاتب التاسع من الكتّاب المغاربة المغمورين الاثنيْ عشر الذين اكتشفهم بولز وكتب عنهم أمّا إكس وايت فنسبة إلى بشرة الطنجاوي البيضاء. والغريب، بل المراد بدقّة أنّ الرقم تسعة من ضوارب الرّقم ثلاثة وقواسمه. فكيف انفطر هذا الرّقم ليكون العمود الفقري للرّواية؟

اقرأ/ي أيضًا: ذكريات ميغيل دي أونامونو.. حوار مع الذات

في الرّواية ثلاثة مضامير روائية؛ الأوّل وهو المضمار الأصلي ويتمثّل في رواية "ثلاثة أيّام في كازا بلانكا" التي تنطلق بحكاية "موحى الطّنجاوي" مع "زليخة" الذي يحتال على "عدنان الأشعث" في مشرب "باب الصّحراء " في المطار بحلم مُدّعَى ليسافر مكانه للّحاق بطليقته "زليخة في صحراء نيجيريا. وحين عودة الأشعث عدنان إلى "كازبلانكا" بعد إلغاء حجزه على الرّحلة 170 تتشظّى الرّواية عبر مضماريْن آخريْن وهما رواية "سفينة نوح الأفريقي" التي تهجّى الأشعث عنوانها بصعوبة حين تفطّن إلى وجودها بيد "موحى الطنجاوي" في المشرب، ولكنّها ستكون ضمنيّا في الرّواية حاوية لآلام الأفارقة السود الذين سنشهد موت أربعة منهم في الرّواية لينتهي أمرهم بذرّ رماد عازفة القيتار "ساساندرا" في البحر بعد ركوب سفينة في مشهد يحاكي الطوفان زمن نوح.

ثمّ رواية "مثلّث تانيت" التي كانت ملازمة للمسعف "ميّاس" والتي استعصى عليه أمر إتمام قراءتها خلال ردهات الرّواية وهو يهرول لإنقاذ الوافدين إلى العناية المركزة. وحين أراد أن ينهيها تسارعت الأحداث وكُشفت الأسرار والخيانات المزدوجة للشّخصيات الرئيسية في الرّواية إن جاز لنا أن نعتبرها رئيسيّة في مثل هذه المضامير التي تتداخل كما تتداخل مدارات الدّواوير الرّملية حتّى ما عدنا نفرّق بين الأصلي منها والفرعي. فإذا الرّواية بكلّ ما فيها سرد صميم مؤلم تقوم فيه الشّخصيّات بسباق تناوب سردي تسلّم فيه كلّ شّخصيّة إلى الأخرى فالأخريات شاهد التنّاوب لتتولّى السّعي في المضمار إلى نقطة محدّدة فيه. لكنّ شاهد السّباق الذي يتناوبه العدّاؤون في الرّواية ليس سوى حبل السّرد المتين والبديع. فكيف صرّفه صاحب الرّواية؟

الهندسة الثلاثيّة للشّخصيات

لا تستطيع أن تمنع نفسك حين تفرغ من قراءة الرّواية من محاولة استعادة هذه الهندسة الثلاثية للشّخصيّات، تلك الهندسة التي لا تشكّ أنّها مقصودة كما قُصِد الرّقمُ ثلاثة في العنوان.

في رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا"، يكتشف القارئ ما لا يكتشفه السائح أو المُقيم في دهر من فظائع ولعنات تلاحقه كظلّه في كلّ مكان دون أن يدري

ففي الرّواية ثلاث شخصيات سِمتها وهاجسها الرّحيل هي "موحى الطّنجاوي" و"زليخة" و"نوح مازغان" وست شخصيات سمراء سمتها الفرار والسّعي إلى الخلاص ثلاث منها ذكورية انتهى بها الأمر إلى الموت هي الزنجي "بيكيلا" الذي قضى نحبه بسقوط حاشية من "فندق لنكولن" القديم الذي استقبل طاقم فيلم "صحراء كازبلانكا" والزنجي "إسيان" الذي مات فاتّخذت "زليخة" مسار رحلته عكسا تاركة وراءها طليقها الطّنجاوي والأسمر "أبراي" الذي كان يسيطر على الزنجيات الثلاث، "كيسيا" و"كاماريا" و"ساساندرا" وهي تكشف حجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء ولا ينتبه إليهم أحد. وهذه الهندسة الثلاثيّة الزّوجية التي تعطينا ستّ شخصيات بينها وشائج وخيانات مزدوجة تظهر من خلال السيّد عدنان صاحب مؤسّسة "غاليرهات أطلنتيك" الذي تخونه زوجته الشّابة فيروز عارضة الأزياء مع الأندلسي صاحب "حانة السّفينة" و"كمال الصيّاد" صاحب "وكالة المتوسّط للأخبار" الذي يكتشف أنّ زوجته "إيناس" تخونه مع السيّد "عدنان" ومراد صاحب شركة "ميدوزا للإنتاج" الذي يكتشف أنّ زوجته "ميّادة" مذيعة النّشرة الجويّة تخونه مع "كمال الصيّاد" وينتهي الأمر بالجميع إلى الموت في "حانة السّفينة" في حين "تتشظّى" جثّة "ميّادة" بعد سقوطها عارية من علوّ شاهق والعبارة واردة في الرّواية. وكأّن كلّ من في الرّواية يسعون إلى حتف لا محيد عنه مادامت "كازابلانكا" بوجه أبيض مغرٍ وبقفا أسود كالحٍ وكلاهما مؤلم.

اقرأ/ي أيضًا: محمد المرابط.. الكاتب الأمي؟

الهندسة الثلاثية للمعنى والدّلالة

تقوم الرّواية على احتفاء بأزواج ثلاثة حاضرة بقوّة ومؤثّرة على نحو بالغ. لكنّها أزواج غير ثابتة بل متحوّلة، إذ لا وفاء عندها للقرين كما بين الشّخصيات وهي زوج الحلم والرّسم وزوج الواقع والسينما وزوج الرّحلة والموسيقى. وما إصرار ذكر فيلم "صحراء كازبلانكا" و"جحيم عدن" والتركيز على "نغمات الهواتف" وذكرها بدقّة وتكرار إلاّ قصد وغاية. فلكلّ شخصية بل لكلّ حالة نغمتها. ولكلّ مكان اسمه ورسمه الذي تطارده "فدوى" طالبة الهندسة لتكشف أسراره فتكتشف ما في الأمكنة من لعنات منها تتغذّى "كازابلانكا" كلعنة وسراب وصحراء تجعل الرّواية مليئة بالألغاز والرّموز والإحالات وتستحقّ أن تُقرأ ليكتشف القارئ في أحداث ثلاثة أيّام ما لا يكتشفه السائح أو المُقيم في دهر من فظائع ولعنات تلاحقه كظلّه في كلّ مكان دون أن يدري. وتلك حالُ الفرد يذوي في المدينة ولا يراه أحد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 كتّاب يتحدثون عمن أثّر فيهم

معلّمو غابرييل غارسيا ماركيز