ذكريات ميغيل دي أونامونو.. حوار مع الذات

ذكريات ميغيل دي أونامونو.. حوار مع الذات

الروائيّ الإسبانيّ ميغيل دي أونامونو

كيف كتب الروائيّ الإسبانيّ ميغيل دي أونامونو كتابه "من ذاكرة الطفولة والشباب" (ترجمة بسّام البزاز، دار المدى 2018) على عجلة؟ هذا أوّل ما يأتي في بال القارئ الباحث عن تفسير لاكتفاء أونامونو بهذا الجزء من حياته فقط. وفي إجابة أخرى يُمكن القول إن الأمر حدث بطريقةٍ ما تصرفُ ما احتشد في ذاكرته من أحداث كبيرة لصالح أخرى قد لا تبدو بالنسبة إلى البعض مهمّة. بل، وعلى العكس تمامًا، وبمقارنةً بما تبثّه عادةً مفردة "سيرة" أو "مذكّرات" في نفس القارئ، على اعتبار أنهما مفردتان تنطويان على حكاياتٍ مثيرة وأحداث مشوّقة وأسرار يتشاركها الكاتب مع قرّائه الذين يبحثون فيها عن فضائح تروي الفضول الذي يكون حاضرًا أثناء القراءة؛ جاءت ذكرياته عادية وعادية جدًا.

في بداية الحرب الأهلية الإسبانية، أعلن أونامونو تأييده للانقلابيين قبل أن يعود عن موقفه هذا ويقف في صف المعارضين للجنرال فرانكو

يبدأ ميغيل دي أونامونو من سنوات الطفولة ويصل حتّى فترة شبابه، حيث سيقف ليُقصي مرحلة زمنية شديدة الأهمّية في حياته تتمثّل في معايشته للحرب الأهلية الإسبانية، وتأييده للانقلابيين قبل أن يعود عن موقفه هذا ويقف في صف المعارضين للجنرال فرانكو. هكذا، بدا كما لو أنّ المذكّرات وسيلة فعليّة لإقصاء تلك المرحلة، واستبدالها بأخرى استعادت ذاكرته ما استطاعت أن تستعيده منها، وبشكلٍ أوحى بأنّ ما يحدث أو ما يُستعاد قد يدخل ضمن عملية تمرين للذاكرة التي لا تدفع بمشهدٍ ما من الماضي إلى المقدّمة إلّا لتتأكّد من قدرتها على إنارة زوايا شديدة الظلمة في أروقتها فقط.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "استسلام".. جورج أورويل إسبانيًّا

كانت الذكريات الحقيقة لمؤلّف "ضباب" قد بدأت في المدرسة. هناك، سيكون الطلّاب قسمان ينبذان بعضهما البعض لأسباب طبقية بحتة، فالمحسوبين على القسم الأوّل يُعرفون في المدرسة بـ "أبناء المدينة" الذين ينادون والديهم بـ بابا وماما، أمّا أعضاء الثاني، فيُعرفون بـ "صبيان الشوارع" الذين ينادونهما بـ أبي وأمّي. كان ميغيل دي أونامونو محسوبًا على القسم الأوّل، وضمن هذه الأجواء الطبقية، بدأ حياته مدفوعًا بالفضول.

ولأنّه يمرّ على ماضيه بعجلة، تبدو الذكريات المُستعادة، على عاديتها عند القارئ، تعني الكاتب الإسبانيّ بشدّة، ومن بينها هناك حادثة الولد الذي لا يحسن إلى والدته، بل "لقدر رماها بالصحن!" يقول متعجّبًا ويضيف بأنّه تلقّى عقابًه من أحد المعلمين في المدرسة، إذ وضعه في حجره وطلب من الطلّاب أن يجلبوا له نعلًا من الخيش والقنّب، وحينما جاؤوا بالنعل: "أمرنا بأن نضرب نونًا بالنعل على مؤخّرته، الواحد بعد الآخر. تتابع الجلادون لتنفيذ الأمر. كان ضرب بعضنا خفيفًا هينًا، بردًا وسلامًا! فيه ضحك وهزل ولكن ثمّة من أبدى من القسوة ما يبديه مجندون أمروا بإعدام زميل لهم رميًا بالرصاص".

كانت الذكريات الحقيقة لمؤلّف "ضباب" قد بدأت في المدرسة. هناك، سيكون الطلّاب قسمان ينبذان بعضهما البعض لأسباب طبقية بحتة

صفحةً بعد صفحة، يُشعر صاحب "الخالة تولا" قارئه بأنّه من خلال سرده لذكرياته يُعيد تأمّل طفولته من على علو سنوات الكهولة والعجز التي وصل إليها، مما يجعل من "من ذاكرة الطفولة والشباب" خلاصة تجوال قصير في ماضي بعيد الهدف منه مُحاولة فهمها، أي تلك السنوات، وذلك الرجل الذي صار عليه أيضًا. وهو بذلك يأخذ مسافة بعيدة من تجاربه الناضحة لأنّه لا يزال في متنها ووسطها، على العكس من الماضي البعيد الذي يُغري دائمًا بالعودة إليه، وإن كان تافهًا، فما يتّضح للقارئ أنّ ميغيل دي أونامونو يتوجّه بهذه الذكريات إلى نفسه قبل أن يتوّجه بها إلى القارئ.

اقرأ/ي أيضًا: رحيل كارلوس زافون... مقبرة الكتب المنسية ليس الوجهة هذه المرة

هكذا، سيتحدّث مثلًا عن أخلاقه وقواعد تربيته، أو عن النفور الذي شعر به حينما ألحّ عليه بواب البيت أن يسحب نفسًا واحدًا فقط من السيجارة التي كان يدخّنها. أو عن الأثر الذي أحدثه فيه المجرى المألوف للحياة والمجتمع، الممل جدًا، الذي نشأ فيه، وعن أثر ما هو استثنائي ضمن المألوف الذي كان يعنون حياة كتلك التي عاشها أونامونو، والتي كانت مملة للكبار والصغار في آن معًا، كونها كانت تبعث النعاس والخدر لشدّة ما كانت ملتزمة بالتقاليد التي تجعل من طريقة التعامل مع أي حدث غير مألوف مليئة بالتراجيديا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خوان خوسيه ميّاس: لا أصطنع خطًّا حدوديًّا يفصل عملي الروائيّ عن عملي الصحفي

أكثر 10 روايات مبيعًا في إسبانيا في 2018