رواية

رواية "الندبة" للأمريكي بروس لاوري.. مأساة أن تكون مختلفًا

ماجدالينا أباكانوفيتش/ بولندا

يخوض الكاتب الأمريكي بروس لاوري مغامرة مع شخصية الطفل المختلف، تبرز وعيًا بأسارير الذات الإنسانية، في روايته "الندبة" (منشورات المتوسط 2018، ترجمة وئام غداس).

تدور أحداث رواية "الندبة" حول طفل مختلف عمن حوله، ولد على غير إرادة منه، بشفة لها شكل مغاير

تدور أحداث الرواية حول طفل مختلف عمن حوله، ولد على غير إرادة منه، بشفة لها شكل مغاير، غير متصلة من الأعلى، وتتكامل الفتحة فيها مع فتحة الأنف، ما يسمى في الطب "شفة أرنبية". هذه الوضعية غير الطبيعية دفعت الطفل جيف إلى عزلة اجتماعية، وكأنه يقترف ذنب ثقل هذه الشفة، التي لم يكن له أي إرادة في وجودها.

اقرأ/ي أيضًا: هانس فالادا.. في سعار المورفين

يمر الطفل بمواقف مختلفة من التمييز والاضطهاد اللفظي من الأطفال حوله، ما يزيد من كم الظلمة التي يرى بها وصفًا للعالم. وتتصاعد وتيرة الإساءة تجاه الطفل، حينما يسرق طوابع البريد من بيت صاحبه ويلي في لحظة ضعف. ولسوء حظه فقد كان ويلي خيط وصوله لكافة الطلاب من حوله، وطريقًا لفك وحدته، وبخسارة جيف لصديقه ويلي، بذلك يكون قد دخل لمرحلة أشد ضراوة من الألم. وما يكون من الطلاب إلا قذفه بأفظع الألقاب، وهو ما زاد من عمق الفجوة بينه وبين المجتمع المحيط به. وتكون إعادته للطوابع لصديقه ويل دون أن يعرّفه بحقيقة السارق، بمثابة خلاصه من عار تلك التهمة، لكن لم يكن خلاصًا من ضميره، لأنه تسبب في نقل التهمة لصديقهما الثالث رونالد. وتكون المفاجأة في آخر العمل هو موت بوبي الأخ الأصغر لجيف، ومن بعد تلك الحادثة وصل جيف إلى مرحلة معينة من الوعي بالحياة من حوله، طابعها التكيف.

شخصية الفوديل

لم يجرّب جيف مطلقًا حالة الإنسان الطبيعي. فقد كان ندبته تعطيه شكلًا ظاهريًا قبيحًا، كان من الصعب عليه تخطيه بقدرته البسيطة. وحملت شخصية جيف صفات شخصيات "الفوديل"، إنها مثيرة للضحك والبكاء، في نفس الوقت. لقد كانت القدرة الهجومية من الأطفال حوله، أشد قسوة مما فعلته تلك الندبة الدخيلة على شكله.

غرابة ردة فعل الموت

ندبة من نوع آخر تمثلت في شخصية جيف وهي متوارية داخله للأبد، فلقد كان موت بوبي الصغير، الأخ الحنون اللطيف، الوحيد الذي لم يلتفت لندبة جيف الأرنبية، ولم ينتقصه بسببها. لقد أصبح موت بوبي ندبة أخرى في حياة جيف، لتضيف تشويهًا جديدًا لم يكن له ذنب فيه، وكان عليه حمله للآخر. وهو ما قد يجيب على السببية التي لاصقت موته في نهاية السياق الدرامي، كان الكاتب يريد أن يذيق جيف ندبة من نوع آخر.

جرّبها ويلي من قبله بموت أبيه، ومن ثم أخيه في الحرب. وما أثقل على جيف اعتقاده بأن شجاره مع أخيه كان سبب غضب بوبي وسقوطه ومن ثم موته. لقد حمل عقدة الذنب لندبتين لما يعرف بعد، بجسده وعقله الصغيرين، وسيلة للخلاص.

ساق مكسورة

معاناة جيف المستمرة من الزاوية التي تم حشره بها ممن حوله، شعوره الدائم بالإقصاء، ولد حوله جدرانًا سميكة، أبعدته عن الحياة، وكسرت ساق الحياة داخله. جيف وأهله لم يجدوا طريقة لدمجه اجتماعيًا وهو ما قد يكون دفع جيف، لأن يسلك طرقًا التفافية للوصول. ويتناول لاوري جزءًا عميفًا ومهمًا من شخصية جيف بعبارته: "لم أعد أجرؤ على المسير فوق الأرصفة، أنا الذي فضلت دائمًا من أجل حميميتها، المسارات الملتوية، والحدائق الخاصة. الآن أنا أندم على كل الوقت، الذي مضى، ولم أستغل فيه حرية الطرقات". هو الاختباء كسبيل أقل شراسة من المواجهة للمجتمع الذي يحمل دائمًا السكاكين للطفل المختلف.

جيف والمعجزة

تطور شخصية جيف وصولًا إلى مرحلة النضج، رغم الحسرة، فقد كان يطلب من ربه أن يحقق له معجزتين. الأولى أن يصحو فيجد ندبته الشفيّة قد تلاشت وحدها. والثانية أن يعود لغرفته ليجد أن خطأه قد تم تصحيحه من الخالق، بأن يعيد عنه الطوابع المسروقة، إلى ويلي، دون أن يكون عليه تحمل مسؤولية السرقة. جيف فطن أخيرًا بأن ذلك لا يحدث، وبأن كل ما يستطيع الإنسان فعله، هو التعايش مع مأساته، البحث عن وسيلة، قد تكون غير موجودة، لتطهير الذات من حزنها. ويعبر لاوري هنا: "اكتشفت أننا لا نستطيع محو فعلة مشينة، كما لا نستطيع الطيران، ولا قلب شفة أرنبية، إلى شفة طبيعية". وبذلك كانت عتبة وعيه هذه، بمثابة إجابة منطقية منهزمة، أمام الأسئلة الوجودية التي لم تتوقف عن ملازمته والنيل منه، حول علاقة ربه بندبته، وكذلك الحوادث والأقدار. ويقول الكاتب الأمريكي هنا: "سوف تعرف أن هنالك أشياء كثيرة في الحياة، غالبًا ما يكون الإنسان قاصرًا على فهمها".

خيط نجاة

شخصيتا الأبوين كانتا تبثان الإيجابية في شخصية جيف، فظهرت عائلة جيف في كل المواقف التي مر بها، حاضنة له، مقدمة له تبريرًا على الرغم من عدم منطقيته، في بعض الأحيان، إلا أنه كان يمثل خيط نجاة لجيف.  يسرد لاوري عن ذلك: "إننا نسمعك، نحن هنا من أجل هذا دائمًا. هكذا شعرت أنه مهما يكن ما أتعرض له، عندي دائمًا هذا البيت، هذا الملجأ". لقد تشابهت شخصيتي الأبوين إلى الحد الذي يمكن طرحهما بشخصية واحدة.

الاختباء سبيل أقل شراسة من المواجهة للمجتمع الذي يحمل دائمًا السكاكين للطفل المختلف

اقرأ/ي أيضًا: سفيتلانا أليكسيفيتش.. حارسة الذاكرة

يقدم لاوري شخصية ساندت العجوز. الألماني الذي يحمل ندبة من نوع آخر، إنها ذكريات عائلته مع الحرب، الفقد الذي يتذوقه الإنسان رغمًا عن أنفه. لقد آثر ساندت الهروب من أحزانه لمكان قصي عن العالم ليجمع طوابع البريد، ويكون صديقًا لجيف. فحين سرق جيف، هاجمه الجميع، مع اختلاف حدة اللسع. حتى أبويه وضعاه دون قصد في دائرة الشك. عدا ساندت، كان الوحيد الذي دعم جيف في محنته، على الرغم من معرفته بأن جيف من فعلها، إلا أنه لم يسلخه، وقدم له حلولًا لتجاوز أزمته. كانت نصيحته بوضع الطوابع في محل المفقودات تمثل كاتالوجًا لطريقة الحل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"قسمت" لحوراء النداوي.. أقدار الترحيل والطرد

حوار| عهود المخينّي: الترجمة أَحدُ أبواب اللغة