رواية

رواية "أزهار الموت" لفايز غازي.. تاريخ لحلف الفساد والدم

منظر لمدينة بيروت في الفترة بين 1910 - 1920 (Getty)

"أزهار الموت" (الفارابي، بيروت 2020) العمل الثاني الذي أقرأه للكاتب اللبناني فايز غازي بعد روايته المرهفة "مناي"، التي كنت قد ذكرت في مراجعتي عنها بأن فايز في عمله الأول رسم معالم هويته ككاتب والتي ستدلّنا على أعماله، حيث سيكون حضوره وبصمته واضحين ولا مجال للبس فيهما، وفعلًا لم يخب ظني فقد أرسى فايز لاسمه وهويته ككاتب دعائم راسخة، ستكون منارة لأعماله المستقبلية.. وهذا ما لمسته في عمله الروائي الثاني "أزهار الموت".

في رواية "أزهار الموت"، يتربع الفساد على سدة الحكم والشعب راضخ للذل والهيمنة

لغة الرواية لغة متماسكة وأنيقة، وهذا ما كانت عليه اللغة أيضًا في عمله السابق "مناي"، لكن بفارق أن اللغة جاءت في هنا، في "أزهار الموت" أكثر أناقة وأكثر تماسكًا. خلال قراءتي للعمل، كنت مأخوذة بعذوبة اللغة وشاعريتها، قوة الألفاظ والوصف، والانسياب الجميل للسرد. كانت الحبكة متماسكة جدًا وقد أعطى الكاتب لكل جزئية وخيط حقه في العمل دون تجاوز أو انتقاص.

اقرأ/ي أيضًا: عتيق رحيمي في رواية "حبّ في المنفى".. حالة اغتراب جمعي

كما تميز العمل بالتنوع والتنقل الأنيق في زمن السرد. كنت أقرأ العمل مستلذةً بإيقاع السرد، حيث كانت له موسيقى جميلة زرعت بداخلي الرغبة لأن يطول العمل ليطول استمتاعي به لشدة سلاستها، تُقرأ هذه الرواية في جلسة واحدة لكني لم أرد لهذا العمل أن ينتهي.

فيما يتعلق بثيمة العمل وفكرته، جاء قلم فايز في هذا العمل حادًا كنصل السيف، كما أن الرمزية في العمل حضرت أيضًا من خلال:

  1. تعرض الكاتب في عمله هذا للحديث عن الفساد الذي يسود المجتمعات "وفِي هذا العمل كان مقاطعة في عربستان" كما أسماها، حيث الفساد يتربع على سدة الحكم بأوجهه المختلفة في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع شعب راضخ للذل والهيمنة، وتفوح منه رائحة الخوف؛ تلك التي تكبله وتقعده عن الدأب والسعي نحو التغيير، فيرتضي ذله ويستشري الفساد.
  2. كما تعرض للعلاقة التي تربط الفاسدين من السياسيين برجال الدين، حيث يستمد السياسي شرعية أفعاله من علاقاته برجال الدين الذين يحللون هذه الأفعال، مقابل السلطة التي يمنحها السياسي لرجل الدين الفاسد والذي يجعل من الدين غطاء لممارساته ونزواته.. وهذه الظاهرة ليست بالحديثة، لطالما كانت تلك العلاقة حاضرة عبر التاريخ والتي تفسر كثيراً من الظواهر قديماً وفِي الوقت الحالي.
  3. وكما في "مناي" تناولت "أزهار الموت" الحقبة العثمانية، حينما اعتبرها من أشرس الحقب التي عرفها الوطن العربي، وكيف أثّر ذلك على بنية المجتمع من كافة النواحي. في "أزهار الموت"، يستخدم الكاتب الألقاب: الباشوات والآغوات كرموز للفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما كانت عليه هذه الشخصيات من فساد في فترة الحكم العثماني للوطن العربي. وفي الرواية يقتص الكاتب من هذه الرموز بالنهايات القاسية التي وضعها لها. كانت نهايات حادة وقاسية بذكاء.

فيما يتعلق بعنصر المفاجأة، فقد كان حاضرًا وأضاف للعمل عنصر التشويق، لا سيما في ما يتعلق بفارس بطل العمل. ولا أقصد هنا نهايته التي وضعها له الكاتب، إنما علاقته بفؤاد باشا والحقيقة التي تكشفت له (والتي لا أود ذكرها هنا حتى لا أفسدها على من لم يقرأ العمل بعد). عليّ القول إنني لم أتوقعها، وكانت فعلًا مفاجئة وصادمة. إضافة إلى شخصية جواد آغا والتي اكتملت خيوط الحبكة عند دورها في العمل. وهذه نقطة وجانب يُحسب للكاتب عندما يكون العمل بهذه القوة في الحبكة والمراوغة ربما في صياغة الأحداث بحيث يفاجئ القارئ ولا تكون النهايات أو تفاصيل العمل متوقعة أو أنها قابلة للتنبؤ من قبل القارئ.

تعرض رواية "أزهار الموت" للعلاقة التي تربط الفاسدين من السياسيين برجال الدين الذين يحللون هذه الأفعال

أما فيما يتعلق بالغلاف للكتاب، فقد جاء متناسقًا مع طبيعة العمل وتفاصيله، فالتدرج بين الأسود والرمادي للأزهار بدا منسجمًا مع محتوى العمل. تلك الأزهار التي يُسرق رحيقها عندما تنمو على قبور من يسرقهم الموت منا، لتكون رماديتها رمزًا للحزن الذي يسكن قلوبنا.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "كافكا عربيًّا".. حين رأى طه حسين كافكا حفيدًا أدبيًّا للمعرّي

كنتُ متشوقةً للعمل التالي لفايز بعد "مناي"، وكنت على ثقة بأنه سيكون أنيقًا وجميلًا، ولم يخب ظني!

 

اقرأ/ي أيضًا:

خالد خليفة وروايته "لم يصلّ عليهم أحد".. تداعيات قارئة

في محبّة "أزهار الشرّ"