رحلة في عالم طنطا.. مدينة الأسياد والأولياء الصالحين

رحلة في عالم طنطا.. مدينة الأسياد والأولياء الصالحين

طنطا خلال الاحتفالات بمولد السيد النبوي (الأناضول)

طالما يقحم المصريون ألفاظًا مثل "يا جماعة" أو ياخوانّا" أو "يا جدعان" أثناء حديثهم مع الأصدقاء إمّا للفت الانتباه أو التأكيد على أهمية نقطة معينة في الحديث، كذلك أهالي طنطا لهم ألفاظهم المميزة في الكلام، فتلاحظ استبدال تلك الألفاظ بكلمة "يا أسيادنا"، فلفظ الأسياد هو اللفظ المميز لتلك المدينة الهادئة، مدينة السيد البدوي.

تشتهر طنطا في مصر بالعديد من مشايخ الطرق الصوفية وبمساجدها التاريخية ومن أبرزها السيد النبوي

تقع مدينة طنطا في المنتصف بين محافظتي الإسكندرية شمالًا والقاهرة جنوبًا، وهي عاصمة محافظة الغربية، وعلى الرغم من كونها مدينة غير ساحلية وليس بها الكثير من المزارات السياحية أو الأماكن الجذًابة إلا أن بها العديد من المميزات الأخرى التي سنستعرضها خلال هذا التقرير محاولين تقريب الصورة إلى القارئ، عن مدينة لا يكتب عنها الكثير.

اقرأ/ي أيضًا: الإسكندرية "مدينة الرب".. في سوق نخاسة رأس المال

مدينة الأولياء والشيوخ الصالحين

تتميز طنطا بكونها مدينة خرجت من ثناياها العديد من الأسماء الدينية البارزة والرجال الصالحين بمفهوم المجتمع المصري، فنجد القارئ الشيخ محمود خليل الحصري والنقشبندي والتنويري نصر حامد أبو زيد، والعديد من الأسماء الأخرى في مجالات عدة ولكن يأتي المجال الديني على رأس القائمة، حتى أن شيخ مشايخ الطرق الصوفية ينتمي إلى مدينة طنطا، بالإضافة للعديد من المساجد التاريخية القديمة.

تشتهر المدينة أيضًا بصناعة "المشبّك" إحدى الحلويات المصرية الشهيرة والتي يبتاعها المصريون خاصة في المناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف ورأس السنة الهجرية، أثناء ذهابك إلى مسجد السيد النبوي الشهير تمر بشارع ضيق يمتلئ بالمحال التجارية والسيارات الشعبية والمواصلات العامة والمواطنين البسطاء والزائرين لمقام "سيدنا" ممن يرجون الرضا والتوبة والقبول عند الرحمن.

مسجد السيد النبوي من مقهى الأحمدية (الترا صوت)

قهوة الأحمدية: تاريخها 100 عام وتطل على مقام السيد البدوي

في شارع السيد البدوي تجد الكثير من محال الحلوى والعصائر والملابس وعربات لعب الأطفال الترفيهية البسيطة، بعد أن تمر من بوابة المسجد تستمر محال الحلويات على الجانب الأيمن حتى تصل إلى مقهى شعبي يُدعى "الأحمدية" على بُعد خطوات من المسجد الكبير. يقول رواده إن تاريخه يتجاوز المائة عام، وأن تاريخ المسجد يتجاوز الـ 250 عامًا، وأثناء جلوسك يمكنك رؤية الداخلين والخارجين من أبواب المسجد وأفواج البسطاء القادمين لزيارة السيد البدوي عطفًا على حالهم ورجاءً في القبول، ويعرف المقهى إقبال عشرات الفقراء والمتسولين وبائعي "الترمس" "والفول السوداني".

للمقهى أيضًا روح خاصة وخدمات مميزة لن تجدها في مكان آخر، فأول ما جلسنا وجدنا عجوزًا يأتي إلينا ببضع أطباق من "المزّات" كالترمس والفول السوداني ونبات الحلبة المطبوخ بطريقة من الصعب تبينها، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها نبات الحلبة يؤكل ولا يشرب، فوجدت أغلب من حولي أمامهم تلك الأطباق ويأكلونها بنهم دون استغراب، كذلك هناك نوع خاص من "النارجيلة" يقصده المدخنون، نوع يُسمّى "التمباك" غير موجود بكل الأماكن التي زرتها في داخل مصر غير تلك القهوة الصغيرة، جربته بدافع الفضول فوجدته ذي نكهة مميزة وثقيلاً على الصدر غير مناسب لمدخني السجائر الخفيفة.

مقهى الأحمدية (الترا صوت)

طِباع أهل المدينة الصغيرة

تتسم طنطا بهدوء أهلها وعدم مضايقتهم الأغراب أو المختلفين عنهم مما جعلها قبلة للمستثمرين وأكبر العلامات التجارية

الأجواء العامة لمدينة طنطا هادئة للغاية ليس بها سرعة وزحمة وصداع القاهرة، جزء كبير من قاطنيها من الأغنياء ومالكي الأراضي والمستثمرين وأصحاب الأنساب العالية، وتعتبر المدينة جاذبة للاستثمارات بكافة أشكالها، فتقريبًا لا توجد علامة تجارية شهيرة إلا ولها فرع بمدينة طنطا، حتى أن أحد الأصدقاء داعبني ساخرًا "الاقتصاد ينهار في مصر كلها ويزدهر في طنطا".

كذلك طبيعة السكان وخصالهم مختلفة عن أهالي العاصمة، فرغم كون المدينة تعتبر منطقة ريفية وزراعية إلا أن سكانها لا يضايقون الأغراب والمختلفين عنهم في الشكل لا بالفعل أو بالقول، كما يوجد بالمدينة عدد لا بأس به من الفتيات غير المحجبات والمتحررات في الطباع دون أن يتعرضن لمضايقات، فلم ألحظ حالة تحرش لفظي أو جسدي واحدة أثناء فترة تواجدي بالمدينة، وهو ما أكده لي الأهالي وهو أن حالات التحرش نادرة جدًا بسبب الأجواء العائلية التي تتسم بها المدينة وأغلب من فيها على علاقة ببعض.

اقرأ/ي أيضًا: الموالد.. بين الدولة والسلفيين والمثقفين

جولة صغيرة في مدينة طنطا

ليس بالمدينة الكثير من أماكن التنزه، كما ذكرنا، ولكنها لا تخلو من علامة تجارية شهيرة سواء المطاعم العالمية أو محال الملابس، كذلك بها العديد من الأماكن المتميزة بأصالة الماضي كالمبانِ ذات الطابع الإنجليزي كمبانِ وسط القاهرة، أو المحالِ التي لا تزال تعلوها اللوحات القديمة والديكورات الأصيلة.

ميدان الساعة، أشهر ميادين طنطا، يُذكر أهالي المدينة بتجريدهم ملابس رئيس المباحث فيه أيام الثورة انتقامًا من تجاوزاته السابقة

أسعار المنتجات والفاكهة والأكلات أرخص من الأسعار بالعاصمة بمقدار النصف على الأقل، فالفاكهة التي يبلغ سعر الكيلو الواحد منها 30 جنيهًا، لا يتجاوز سعرها العشرة جنيهات أو خمسة عشر جنيهات على الأكثر بطنطا، وكذلك المطاعم البرجوازية الكبيرة بخدماتها المميزة وأكلاتها الشهية تعتبر أسعارها رخيصة للغاية إذا ما قورنت بالعاصمة، ما يجعلها فرصة جيدة لتجربة أكلات جديدة وأماكن جيدة للتنزه دون دفع الكثير من الأموال.

ميدان الساعة (الترا صوت)

شارع "البحر" من أكبر شوارع المدينة الصغيرة والذي شهد المظاهرات الحاشدة إبّان ثورة 25 يناير 2011، وميدان "الساعة" من أشهر ميادين المدينة ويذكر أهالي المدينة بفخر إحدى الحوادث الشهيرة المتعلقة بذلك الميدان، حيث حرقوا قسم الشرطة القريب من ميدان الساعة وأخرجوا رئيس المباحث حينها وجردوه من ملابسه في الميدان ردًا على جرائمه و تجاوزاته السابقة، أو هكذا يقولون.

وأثناء التجول بشوارع المدينة "الداخلية" ترقب أهلها الطيبون والمبانِ القديمة مجاورة للحديثة، الأصالة مجاورة للحداثة، والتدين الفطري مجاور للانفتاح التجاري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرفاعيّة.. من تذليل الكوبرا إلى تسخير الناس!

الرقص الاعتقادي في مصر.. دروب الخلاص