الرقص الاعتقادي في مصر.. دروب الخلاص

الرقص الاعتقادي في مصر.. دروب الخلاص

احتفال بالمولد النبوي (أحمد زكريا/Getty)

"في البدء كانت الحركة..

وكانت الحركة رقصًا..

وكان الرقص عقائديًا.."

إنها سلسلة تراثية من أمتع ما أصدر المركز القومي للمسرح والفنون الشعبية عن "أطلس الرقصات الشعبية في مصر"، للباحث سمير جابر الذي جاب مصر من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها ليرصد في تلك السلسلة التي تحوي ثلاث مجلدات عن ما أسماه "الرقص الاعتقادي في مصر".

سبقت الحركة الكلمات فكانت الحركة هي السبيل للتعبير عن عبادة الإله أو استرضائه أو ما صار يعرف بـ"الرقص الاعتقادي"

الحقيقة أن الدراسات الجادة عن التراث في مصر شحيحة جدًا لأن البحث في التراث أصلاً أمر شاق يحتاج إلى معاينات ميدانية يلتحم فيها الباحث بمادة بحثه ويتفاعل معها ليصير جزءًا منها أو عينًا أمينًا لنقلها.

سبقت الحركة الكلمات فكانت الحركة هي السبيل للتعبير عن عبادة الإله أو استرضائه أو ما صار يعرف بـ"الرقص الاعتقادي".

اقرأ/ي أيضًا: ليالي "القصة والفن"... البهجة الجوّالة بين القرى

المواكب

في مصر، وبالنسبة للاعتقاد في الكرامات والمعجزات والأولياء، فإن هناك تشابهًا كبيرًا بين المسيحيين والمسلمين، أما أبرز تلك المظاهر، فهي المواكب التي تسير في طرقات بلدة درنُكه بأسيوط، يخرج الموكب من دير العذراء المقام بالجبل، ويصطف المحتفلون على جانبي الطريق وسط زغاريد النساء وتصفيق المصطفين وإنشاد المنشدين ويسير هذا الموكب في دورة حتى يعود للمكان الذي انطلق منه.

أما بالنسبة للمسلمين ففي كل عام يكون هناك موكب للولي وأبرز تجليات هذا الحدث دورة موكب سيدي أبو يوسف الحجاج بالأقصر، حيث يطوف موكب أبو الحجاج في قارب تزينه الألوان، مغطى بقماش مأخوذ من المقام، بجانب موكب الجمال رجال من أسرة الحجاجية يتجمعون عند المسلة الموجودة أمام معبد الأقصر.

ولعل أبرز التجليات الفنية للاحتفال بمولد "الولي" في مصر أوبريت الليلة الكبيرة الشهير، الذي كتبه صلاح جاهين ولحنه سيد مكاوي وتم عرضه للمرة الأولى عام 1961، والتي يقول مطلعها: "قبة سيدنا الولي دول نوروها. ما أحلى البيارق والناس بيزوروها. قبة سيدنا الولي في الجو عالية. ما أحلى البيارق لما نوروها". يحفظها الأطفال عن ظهر قلب وقد تم تمثيلها بالكامل على مسرح العرائس.

اقرأ/ي أيضًا: المولد النبويّ في الأردن: موسم الخلافات والتكفير

الاحتفالات بالمولد النبوي "طقوس الذكر"

تتم مراسم الموكب بعد صلاة العصر، فيقوم الشباب المتواجد في ساحة الانتظار بعمل حلقات التحطيب بمصاحبة المزمار والطبل. ويتخلل أحيانًا هذه الحلقات فرسان يمتطون خيولًا عليها أقمشة مزركشة وظيفتهم تبليغ الجموع بقرب ميعاد الموكب.

يبدأ الموكب بفريق موسيقي وطبول، يليه بعدة أمتار مجموعة من ضاربي السياط ويُعرفون باسم "السييطة"، يمسك كل واحد منهم بسوط طويل مصنوع من ليف النخيل الأحمر ومغلف بقماش ملون، أما وظيفة ضارب السياط أو السييط فهي فقط لفت الانتباه وإفساح الطريق للموكب القادم. عند انتهاء دورة الموكب يعود كل هودج إلى مقام الشيخ الذي انطلق منه، حيث يقوم خادم المقام بإدخال متعلقات المقام إلى مكانها، ثم يستعد الجميع لأداء صلاة المغرب.

في المساء يبدأ الجزء الثاني من الاحتفالية، حيث يتجمع الناس في مكان فسيح أو سوق البلدة ويتجمع أصحاب الطرق الصوفية مع منشديهم ويصاحب الذكر الإنشاد الديني وهناك طرق يصاحب إنشادها بعض الآلات الموسيقية التقليدية مثل المزاهر (آلة تشبه الدف) أو (النقارة أو الطورة) وتردد الآلات ألحانًا تتميز بإيقاعات هادئة تساعد المؤدي على الحركة التمايلية و"الشطح".

يتمايل الحاضرون يمينًا ويسارًا في حركة نصف دائرية تاركين أذرعتهم تابعة وليست قائدة، علميًا تكرار هذه الحركات يُدخل الإنسان المُمارس في نوع من المغناطيسية الترددية تُعرف علميًا بمغناطيسية التكرار. ومع ازدياد سرعة الإيقاع تتحول كلمة "الله" إلى نوع من الحشرجة حتى يكاد يغيب اللفظ ذاته ويسقط البعض مغشيًا عليهم.

يقول الباحث سمير جابر عن هذه المشاهد: "في هذا الوادي يلاقي السائل والسالك أضدادًا نقائض تلوح له كلما اختلفت على نفسه الأحوال والإدراكات، وهو بين هذا وذاك يفقد نفسه".

الرقص الاعتقادي حالة من حالات التعبير الجسدي، تتعدد أغراضه والهدف عادة "الخلاص"

المولوية

المولوية طقس يعود الأصل في اسمه إلى كلمة مولانا وهو اللقب الذي كان لجلال الدين الرومي منذ أن كان صغيرًا وبهذا الاسم كان يناديه أيضًا أتباعه وتلاميذه ومنه اشتق اسم "المولوية".

اتخذت المولوية من آلة الناي شعارًا لها وديوان المثنوي المعنوي الذي كتبه جلال الدين، ويشتمل على أكثر من ثلاثين ألف بيت شعر بقافية واحدة وكان يردد: "ليس هواءً ما فار من الناي ولكنها نار العشق".

وللدخول في المولوية شروط يخضع فيها المريد إلى تدريبات روحية لثلاث سنوات هدفها الوصول إلى عدة قناعات منها: أن ينظر إلى الناس على أنهم خير منه وواجب على المريد خدمتهم. وأن يتخلى عن كل غرض ذاتي فيحب الله لذات الله، وأن يخلي أفكاره من كل شاغل وأن يخشى الغفلة.

يبدأ طقس المولوية بما يسمى "السماع خانة" وتستمر حتى التهيئة الروحية الغامرة ثم ينتظم المولوية في دائرة كبيرة حتى يصبحون جميعًا في حالة من الدوران يبسطون الكف الأيمن إلى السماء والأيسر إلى الأرض وينتقل الشيخ إلى مركز الدائرة فيصبح هو محور الدوران والمريدون يدورون حوله.

الممارسات الشعبية العلاجية (الرقص في الزار)

الزار الشعبي المصري مستمر وباق رغم تجريم الجهات الرسمية له واتهام القائمين عليه بالدجل. والزار كلمة أمهرية (حبشية) تعني الطمأنينة أو الراحة، رغم إرجاع البعض أصلها إلى معنى "زيارة الجن للضحية".

الوظيفة للإيقاع في الزار هي التفريغ النفسي وهي نوع من التطهير من خلال الحركة كما يرى القائمون عليها. وتشير دراسات عدة إلى أن أصل طقس "الزار" أفريقي وانتقل إلى مصر من الحبشة كما انتقل إلى الجزيرة العربية من زنجبار وعند دخوله إلى مصر جرى "تمصيره" شأن كل شيء في مصر وتم إضفاء المسحة الدينية عليه، وهو طقس رقص علاجي يعتمد على الحركة والإيقاع وآلة الطنبورة وهي آلة وترية تشبه السمسمية وتصنع من أحشاء الحيوان والمنجور، وهي آلة إيقاعية مصنوعة من حوافر الأغنام يضعونها على حزام من القماش يلبسها المؤدي على خصره، وعند الاصطدام ببعضها البعض (الحوافر) تصدر صوتًا مدهشًا.

يشتمل الزار بين المسلمين على الحركة والذكر والتوسل، أما بين المسيحيين فتسمى الزيران بالياروبية وتستخدم كلمات مختلفة أيضًا لها علاقة بالمدح في الإله والعذراء. والكودية هي رئيسة الطقس من أوله إلى آخره، تشتمل مسؤوليتها على التكاليف المادية وعلى إقامة الطقس وتتابعه حتى نهايته.

كثير من الساعين للزار يكونون في حالة نفسية مشحونة من الحزن، يذكر صاحب الدراسة أن الكودية "رئيسة" الطقس قالت له: "نحن نعالج الوهم بالوهم أي أن حالة الحزن مبتدأ الإنسان وهو أصل نشأتها ونحن نحاول أن نوصل لقلبه من خلال الزار والحركة أنه قادر على تخطيها".

يحكي سمير جابر أنه ذات مرة رأى سيدة معها شاب نحيل شاحب أتى معها إلى "طقس" الزار وحين سأل عن حالهما، قالت له السيدة التي تبين أنها أم الشاب: "كان عريسًا منذ عدة أشهر وفرحنا به وحملت زوجته، ثم توفيت فجأة ومات الوليد في بطنها، فأعرض عن الطعام والشراب وصار شاحبًا ذاهلًا، فرأيت أن آتي به إلى هنا حتى يأذن الله له بالشفاء".

الرقص إذًا حالة من حالات التعبير الجسدي، أغراضها تتعدد تبعًا للسالك وهدفها غالبًا حالة "الخلاص" التي يبغيها الساعي في الطريق، اختلفت أو اتفقت مع ممارسته لكنك تجد فيها "غالبًا" نية طيبة لحياة أفضل، وهي كما بدأ ذلك الإنسان الأول حالة من السعي لا تنتهي.

اقرأ/ي أيضًا:

المولد النبوي في تونس.. احتفالات وطقوس

العرس الجزائري.. طقوس تقاوم النسيان