الموالد.. بين الدولة والسلفيين والمثقفين

الموالد.. بين الدولة والسلفيين والمثقفين

(Getty)

المولد هو طقس صوفي لتمجيد أولياء الله الصالحين وإحياء ذكراهم في يوم مولدهم بذكر الله حسب التقليد الصوفي.

يمكن ملاحظة أن المولد ظاهرة اجتماعية أكتر منها حالة تصوف ديني بوضوح، إذ يظهر ذلك جليًا من خلال مركزية "السوق" في الموالد

تكمن أهمية الموالد في كونها ظاهرة شديدة التكثيف والدلالة على التدين الشعبي وارتباطه بالتدين الرسمي وطبيعة تواجده وحيزه الاجتماعي، وأنها ظاهرة ليست حكرًا على أبناء الطرق الصوفية بل أغلب روادها من عامة الناس.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تتوقفين عن التسوق غير المحسوب؟

الصوفيون والدولة

ترتبط هذه الحالة الشعبية بأخرى رسمية، إذ يمكن اعتبار الموالد ظاهرة ترعاها الدولة بوضوح منذ إنشاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية عام 1859 بغرض تنظيم عمل هذه الطرق، مرورًا باللحظة التي أصدر فيها نظام جمال عبد الناصر قرارًا بتعيين الشيخ محمد علوان شيخًا للطرق الصوفية، لتكون هي المرة الأولى التي تتم حيازة هذا المنصب بالتعيين، وصولاً إلى التنسيق الدائم بين الطرق الصوفية والدولة لتغيير بعض مواعيد الموالد بالسنة الميلادية لأن التواريخ الهجرية تتعارض مع مواسم أخرى كموسم جمع القطن والحصاد مثلًا.

الأمر الآخر كان قيام وزارة الثقافة المصرية بتدشين قاعدة بيانات للموالد، ممثلة فيما سمي "أطلس الفولكلور المصري"، حيث يقوم باحثو الأطلس بعملية توثيق مرئية للموالد باعتبارها فلكلورًا شعبيًّا.

لا تقف العلاقة بين الطرق الصوفية والدولة عند حد التنسيق والتعاون الأمني فقط، ولا هو أمر جديد وحادث، بل يمكن تتبعه ورصده من خلال الاستخدام السياسي للموالد منذ عهد نابليون الذي دفع نفقات إقامتها للشيخ البكري نقيب الأشراف في مصر وتكفل بعملية التمويل كاملة، في محاولة مزودجة لكسب الرضا الشعبي بين المصريين ومحاولة لإلهائهم عن بوراجه وجنوده في أزقة بلادهم، وصولًا لمؤتمرات التأييد الانتخابي لعبد الفتاح السيسي في الأوان المعاصر.

اقرأ/ي أيضًا: مرض الاكتئاب..حاضر نتقن إنكاره 

الموالد في مواجهة المنطق السلفي!

كانت إحدى المحاججات السلفية في بطلان الموالد كظاهرة تُنسب للدين، هو أن موعد ميلاد النبي غير معلوم بدقة في حين أن الأمر نفسه عند الصوفية غير مهم كثيرًا في الحقيقة ولا يعدو عن كونه أمرًا رمزيًا ولا يمكن التعامل معه كأعياد الميلاد الشخصية، يتضح ذلك من مولد السيدة زينب المولودة في شعبان، إلا أن الاحتفال الخاص بها يقام في الثلاثاء الأخير من رجب، على اعتبار أنه الشهر الذي دخلت فيه مصر وانتقلت فيه للرفيق الأعلى أيضًا. 

إذًا، الموالد ظاهرة لا شخصانية لا تتمركز حول الشخوص أنفسهم، وإنما حول "سيرهم" باعتبارها سيرًا ملحمية حافلة بالقيم والأخلاق والروحانيات المشكلة لجملة التدين الشعبي والمترجمة في طقوسيته في رمزياتها وجوهرها.

التصوف والمثقف.. نظرية الأضداد

يمكن اعتبار الموالد في مصر ظاهرة ترعاها الدولة بوضوح منذ إنشاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية عام 1859 

على عكس موقف الدولة والسلفيين يوجد تباين كبير في مواقف المثقفين من الموالد. فمثلًأ نرى خالد يوسف مثلا يقدم مشهدًا ساخرًا في فيلم "دكان شحاته" لمجموعة من رواد الموالد يقومون بطقوس الذكر "التمايل يمين ويسار مع عبارات الذكر" وعندما تصعد هيفاء وهبي "المرجيحة" يتغير الإيقاع من الانشغال بالله على أنغام الذكر، إلى الانشغال بجسد الأنثى الفاتنة وتمايلها.

في أثناء انتشار مرض انفلونزا الطيور، 2009، قررت الدولة إلغاء الموالد باعتبارها من أماكن الزحام الشديد، خوفًا من أن تصبح مناخًا خصبًا لانتشار المرض، إلا أن مجموعة من المثقفين، منهم عماد أبوغازي، وزير الثقافة الأسبق، هاجم إلغاء الموالد بشدة قائلا: "لماذا تلغى الموالد ولا تلغى عمرة رمضان؟ باعتبارها أيضًا شديدة الزحام وبها احتمالية للإصابة بالمرض".

يعود الاختلاف في الرؤيتين لمنطلقات كل من الفريقين في التعامل مع الظاهرة، فمثال مشهد خالد يوسف ومن ينظر من هذه الزاوية إلى رمة الأمر يرى الموالد ظاهرة تعبر عن الخرافة والجهل المتفشي في الأوساط الشعبية المصرية، بما يعني أنها عقبة في وجه التقدم، ومهاجمتها تعتبر، لديهم، واجب تنويري، في حين اختلفت منطلقات عماد أبوغازي، الذي اعتبر أن إلغاء الموالد يعني انتصارًا للإخوان والسلفيين ونمط ومنطق التدين الذي يمثلونه، باعتبار أن دعم الطرق الصوفية أسلوب سهل لمنافسة الإسلاميين داخل المجال الديني الذي يحتكرونه، ما يشي بغياب لأي موقف ثقافي حقيقي/عضوي تجاه ظاهرة شعبية بهذا الحجم والتجذر، أقله يراعي ثقلها الأنثروبولوجي علميًا، إن لم يكن ما لها من مكانة في قلوب قطاع عمودي شاسع من الجماهير.

يمكن ملاحظة أن المولد ظاهرة اجتماعية أكثر منها حالة تصوف ديني بوضوح، إذ يظهر ذلك جليًا من خلال مركزية "السوق"، ليس فقط باعتباره دلالة اقتصادية حيث يرتبط موعد الليلة الكبيرة بمواسم الحصاد وما يتبعه من رواج اقتصادي، إنما أيضًا دلالة اجتماعية بما لها من أبعاد تضامنية وترفيهية واحتفالية تجمع أغلب فئات المجتمع الطبقية والعمرية، ما يعني أن القراءات القديمة للموالد أصبحت ضعيفة في قيمتها التفسيرية وتقدم لنا في الأغلب تفسيرات أحادية غير كافية لقراءة ظاهرة بهذه الأهمية وبهذا التركيب والتجذر في المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا:

نصف المغاربة مضطربون نفسيًا ودعوات لقوانين تحميهم

كيف تستيقظ جيدًا دون كافيين؟