10-فبراير-2020

جلبير الأشقر (فيسبوك)

يعد المفكر الماركسي اللبناني جلبير الأشقر أحد أكثر المثقفين حضورًا خلال الثورات التي هزت العالم العربي ذات سنة 2011، بمتنين رئيسيين كتبهما على التوالي: الشعب يريد (2013) وانتكاسة الانتفاضة العربية (2016). ناهيك عن عدد من المقالات التي استفاض من خلالها في تفكيك الوضع العربي، والأسباب التي تحمل مسؤولية انفجاره ذاك.

يدافع  جلبير الأشقر عن فكرته القائلة بأن "الربيع العربي" سيرورة ثورية طويلة الأمد، مستندًا في تحليله ذاك على تأصيله الوضع العربي في جذوره الاقتصادية والاجتماعية

يدافع  جلبير الأشقر عن فكرته القائلة بأن "الربيع العربي" سيرورة ثورية طويلة الأمد، مستندًا في تحليله ذاك على تأصيله الوضع العربي في جذوره الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فإن الثورات حسبه لا تنتقل بالعدوى لولا أن كان لها واقع مادي مهيأ لاندلاعها.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| جيمس سكوت: هناك دائمًا ما هو تحت رادار السلطة

فيما اليوم ونحن نرى ما اكتنفه العالم طوال السنة الماضية من احتجاجات، اجتاحت جهاته الأربع وقاراته الخمس، نسائل فكر جلبير الأشقر، ونحاور آراءه على لسانه في ما يقع الآن بسياقيه العالمي والعربي، وما المشترك بين السياقين وما وقع قبلهما سنة 2011.

جلبير الأشقر هو مفكر يساري لبناني، أستاذ بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية لجامعة لندن، من أبرز أعماله: كتاب "السلطان الخطير: السياسات الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط" (2008) بالاشتراك مع المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، وكتاب "الماركسية والدين والاستشراق" (2013).


  • نبدأ بما يشهده العالم اليوم من حركات احتجاجية: في أوروبا الغربية كما الشرقية، من أمريكا الجنوبية إلى شرق آسيا، مرورًا بالعالم العربي. في نظركم ما هي الشروط الاجتماعية والاقتصادية المشتركة بين هذه الأقطار والمسؤولة عن هذه الاحتجاجات؟ وهل يمكننا الحديث عن موجة ثورية تجتاح العالم اليوم؟

لا أعتقد أنه يمكن وصف ذلك بالموجة الثورية العالمية. مثل هذا الزعم مبالغ فيه في نظري، لكن يمكننا الحديث عن احتجاجات اجتاحت بلدانًا عديدة من العالم، خصوصًا أمريكا اللاتينية وشرق آسيا حيث تم ذلك بأوضح شكل، فضلًا عن فرنسا وغيرها. وفي نظري، هذا كله يشير إلى الأزمة التي يعرفها النظام الاقتصادي العالمي، في ظل النيوليبرالية التي سادته منذ الثمانينات. هذا النظام الاقتصادي النيوليبرالي دخل في أزمة كبرى انفجرت منذ 12 سنة، أي منذ عام 2008، مسببة بتفاقمها السخط الشعبي والاحتجاجات التي أشرتَ إليها، وذلك بسبب ما تؤدي إليه الأزمة من انحطاط في ظروف المعيشة عند أغلبية الناس واتساع للهوة الطبقية بين سواد الشعب وأقلية ضئيلة تستأثر بالغنى الفاحش لوحدها.

كل هذا يؤدي إلى تأجيج السخط الشعبي متخذًا أشكالًا عديدة ومتناقضة، منها صعود أقصى اليمين على الصعيد العالمي، الذي كان ظاهرة ملفتة للنظر خلال السنوات الأخيرة، بالغًا الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها مع رئاسة ترامب. إن صعود أقصى اليمين العالمي أحد التعبيرات عن الأزمة القائمة في مقابل الاحتجاجات الاجتماعية التي تترافق مع صعود تيارات يسارية راديكالية، حتى في الولايات المتحدة مع ظاهرة بيرني ساندرز، وهي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد.

  • هل هذا ينطبق على عالمنا العربي كذلك؟

هي أزمة عامة للنيوليبرالية العالمية، لكن هناك خاصية في المنطقة العربية هي التي تفسر الانفجار الثوري الذي بدأ منذ كانون الأول/ديسمبر 2010 في تونس، وامتدّ بشكل أو آخر إلى معظم البلدان الناطقة بالعربية خلال ما سمي بـ"الربيع العربي" في عام 2011، وقد وصفته في حينه بأنه "سيرورة ثورية طويلة الأمد". وهذا ما نراه اليوم بكل وضوح، مع الكلام عن "ربيع عربي ثانٍ".

فالأزمة في منطقتنا أعمق من أزمة نموذج اقتصادي بعينه، بل هي مرتبطة بتركيبة الدول العربية، أي بطبيعتها الاجتماعية والسياسية التي تشكّل عائقًا أساسيًا أمام النمو الاقتصادي الرأسمالي بوجه عام. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال لا الحصر، الأرقام القياسية في بطالة الشباب، حيث تحوز المنطقة العربية على أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم وذلك منذ سنين، بل عقود. وما يحصل الآن في منطقتنا يدخل في إطار أزمة النظام النيوليبرالي، لكنه يرتبط أيضًا بأزمة حادة وخاصة في النظام الاجتماعي-السياسي وهي بالتالي أزمة ثورية حقيقية. ونرى الآن كيف أن الموجة الثورية التي شملت خلال عام 2011 ستة من بلدان المنطقة، هي تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، امتدت الآن إلى أربع دول أخرى هي السودان والجزائر والعراق ولبنان. وهذه أبعد وأقوى من مجرد احتجاجات على غلاء المعيشة، فعندما يكون الشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، نحن أمام حالة ثورية بكل وضوح.

  • قبل اندلاع حركة السترات الصفراء – على ما كان يبدو أو ما كان يروج لنا – كانت فرنسا مضرب المثل بنظامها الاجتماعي ونظام الشغل المتوفر لديها، والطبقات الشعبية استطاعت تحقيق مكتسبات بنضالاتها الطويلة. ما هي قراءتكم لأسباب اندلاع هذه الاحتجاجات في فرنسا اليوم؟

هناك بُعدان للمسألة: البُعد الأول أن فرنسا لم تفلت من قبضة النيوليبرالية، لاسيما منذ معاهدة ماستريخت التي رسّختها في السياسة الأوروبية. فتعاني فرنسا مثل سائر البلدان الأوروبية من نتائج النيوليبرالية، بما فيها تعمق اللامساواة الاجتماعية، الذي أصبح موضع اهتمام عالمي عبّر عنه الانتشار الذي لاقاه كتاب الاقتصاديّ الفرنسي توماس بيكيتي.

أما البُعد الثاني، فهو أنه لا يوجد تناقض بين القول إن في فرنسا مكاسب اجتماعية وبين الاحتجاجات الكبيرة التي تشهدها البلاد، ذلك أنها نضالات شعبية في مقاومة السياسة النيوليبرالية التي تسعى وراء تصفية المكتسبات. والحال أن حركة الإضراب الكبيرة التي نشاهدها في فرنسا إنما هي حراك للدفاع عن مكتسبات اجتماعية قديمة ضد حكومة الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون، التي تريد تصفية جملة من المكاسب التي جرى تحقيقها منذ غداة الحرب العالمية الثانية. ويشير ما نراه الآن إلى خاصية تاريخية، هي أن فرنسا بلد كان دائمًا يتخذ فيه الصراع الطبقي أشكالًا حادة وتتوفر فيه مقاومة اجتماعية وطبقية قوية.

فإذا ما قارنا فرنسا ببريطانيا التي أقطن فيها حاليا، نلاحظ الفرق الكبير بين البلدين، حيث نرى أن الفرنسيين بنضالهم منعوا الطبقة الرأسمالية والحكومة من تنفيذ العديد من الإجراءات التي جرى تنفيذها في بريطانيا منذ عهد مارغريت تاتشر إلى يومنا هذا. ويمكنني هنا إعطاء مثال يفهمه أي شاب لا يزال في حقل الدراسة، إذ لا يزال التعليم الجامعي بفرنسا مجانيًا بالأساس ولو وجدت رسومات فهي رمزية، عكس بريطانيا التي أصبح فيها التعليم الجامعي – أتكلم عن الجامعات العامة وليس عن جامعات خاصة – مكلفًا جدًا، ليس بعيدًا عن 1000 يورو شهريًا للبريطانيين وأكثر من ذلك بكثير لغير الأوروبيين. هنا نرى الفرق الكبير بين ما فرضته الحكومة البريطانية على هذا البلد وبين ما حالت الطبقات الشعبية في فرنسا دون تحقيقه. فالحكومة الفرنسية تتمنى أن تطبق ما فعلته الحكومة البريطانية، لكنها عاجزة عن مواجهة المقاومة في بلد يتميّز بتقاليد نضالية عالية جدًا.

  • في كتابك "الشعب يريد" قلتم ما مفاده أنه لا يمكن للثورة أن تنتقل بالعدوى إلى بلد ما لولا وجود الظروف المواتية لاندلاعها في ذلك البلد. ونحن شهدنا انتقال السترات الصفراء من فرنسا إلى ألمانيا، بلجيكا وهولاندا، ما هي الظروف التي ساهمت في هذا الانتشار؟

ـكما سبق وذكرنا، النضال ضد السياسات النيوليبرالية أصبح نضالًا عالميًا، والناس تقلد بعض التجارب البارزة وهذا ليس بالجديد. نحن نتذكر مثلًا مشهد ميدان التحرير بالقاهرة في "ثورة 25 يناير" كما سماها المصريون، وقد أثار هذا المشهد تقليدًا له على النطاق العالمي، بما فيه حركة Occupy Wall Street وحراك Indignados في إسبانيا. هناك إذًا عدوى بالأشكال النضالية لكن حجم النضالات يختلف، فأن يكون بعض الناس قد لبسوا سترات صفراء في بلجيكا أو ألمانيا، هذا لا يجعل منه حراكًا شبيهًا بالحراك الفرنسي الذي كان على المستوى أكبر بكثير.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| فيصل دراج: المثقف قائم في النقد

أما فكرة كتابي التي أشرتَ إليها، فكانت تقصد أن ما حصل في المنطقة العربية ليس تقليدًا بين البلدان لما جرى، بل موجة ثورية شاملة انتشرت في البلدان الناطقة بالعربية، من المغرب إلى حدود تركيا وإيران. فإن انتشار هذه العدوى يشير إلى أزمة وخصائص بنيوية مشتركة بين بلدان المنطقة، نتجت عنها سمات اجتماعية واقتصادية متشابهة بين تلك البلدان. إن بطالة الشباب بوجه خاص سمة هامة جدًا، لاسيما أن الانتفاضات، ككل الانتفاضات الثورية في التاريخ، هي انتفاضات شبابية.

  • يعني أن الشرط المادي كان حاضرًا أساسًا؟

أجل، كان هناك برميل بارود يحتاج إلى شرارة لتفجيره، وقد جاءت الشرارة من تونس وتعمّم الانفجار في عام 2011. فإذا ما استثنينا دولًا اصطناعية تمامًا كقطر والإمارات المتحدة، حيث 90% من السكان "أجانب" – وهذا وضع اصطناعي جدًا – لم تخلُ أي دولة من دول المنطقة من حراك اجتماعي كبير الحجم. من "حركة 20 فبراير" في المغرب إلى "ربيع عُمان"، نرى أن المنطقة بأسرها شهدت صعودًا كبيرًا للحراك الاجتماعي، بلغ في ستة بلدان حجم الانتفاضة.

جلبير الأشقر: النضال ضد السياسات النيوليبرالية أصبح نضالًا عالميًا، والناس تقلد بعض التجارب البارزة وهذا ليس بالجديد

ثمّ كما في أي سيرورة ثورية طويلة الأمد عرفها التاريخ، هناك مراحل مدّ ومراحل جزر، دخلنا منذ عام 2013 في مرحلة جزر بعد المدّ الثوري الأول، مرحلة ردّة مضادة للثورة عمت المنطقة وشاهدنا عودة لرجال النظام القديم في مصر وتونس وانحطاطَا للأوضاع إلى حرب أهلية في سوريا وليبيا واليمن. لكنّ الغليان الاجتماعي استمرّ، وقد شهدنا حراكات أخرى كحراك الرّيف في المغرب مثلًا، وفي تونس والسودان أكثر من انفجار للغضب الاجتماعي وكذلك في العراق والأردن.

ومنذ كانون الأول/ديسمبر 2018، شاهدنا في السودان انتفاضة جديدة، أي احتجاج اجتماعي بلغ بسرعة مستوى الانتفاضة، ثم تلتها انتفاضة الجزائر ثم العراق ثم لبنان. انضافت إذًا أربع دول إلى الدول الستّ التي شهدت انتفاضة في عام 2011، أي أن المنطقة الناطقة بالعربية قد شهدت حتى الآن انتفاضات في عشر دول، أي ما يقارب نصف بلدان المنطقة. وهذه ظاهرة تاريخية بالغة الأهمية وتؤكد ما ذكرناه.

  • عودة إلى حركة السترات الصفراء، وكما أوردتم في كتابكم "انتكاسة الانتفاضة العربية" أنه "وللأسف أثبت اليسار في المنطقة العربية حتى الآن عجزه عن أن يفتح بشكل حاسم طريقًا ثالثًا إقليميًا (..) متساويًا في معارضته لقطبي الثورة المضادة الإقليميين المتنافسين: النظام القديم والأصوليين الإسلاميين". هل هذا ينطبق على اليسار الأوروبي في صراعه ضد اليمين الشعبوي، أي هل عجز اليسار الأوروبي عن فتح طريق ثالث معادٍ لكافة القوى الرجعية: أقصى اليمين واليمين الليبرالي؟

أعتقد أن هناك اختلاف كبير بين المنطقة العربية وما أشرتَ إليه. طبعًا، كلّما شهد التاريخ أزمات اجتماعية حادة في إطار المجتمعات الرأسمالية، رأينا تجذرًا في اليمين واليسار. فقد سبق وأشرنا في بداية هذا الحوار إلى ما يعرفه العالم اليوم من صعود في أقصى اليمين، كما أشرنا أيضًا إلى الاحتجاجات والانفجارات الشعبية التي يغلب عليها المنحى التقدّمي. وتبقى هذه الازدواجية ظاهرة طبيعية، لكن هذا اليمين وهذا اليسار كانا دائمًا في صراع مميت. وقد رأينا الظاهرة ذاتها بعد الحرب العالمية الأولى مع صعود الفاشية والنازية، يقابله صعود الحركة العمالية الاشتراكية والشيوعية، وكانت العلاقة بين الطرفين علاقة صراع وصدام. واليوم، على سبيل المثال، يعتبر اليسار الفرنسي مارين لوبان عدوة رئيسية له.

المشكلة في المنطقة العربية هي وجود ما أسميته قطبي الثورة المضادة، فلا تقتصر القوى المضادة للثورة على أرباب النظام القائم أو النظام القديم بعد سقوطه، بل تشمل القوى الأصولية الإسلامية التي تحمل برامج مضادة تمامًا لآمال الشباب الذين قاموا بالانتفاضات. والمشكلة لدينا أن معظم اليسار سار مع هذا الطرف أو ذاك، أي أنه دخل في تحالفات مع أحد الطرفين ضد الآخر وهذا قد أثّر على مصداقية هذا اليسار. فلا يمكن بناء حركة تقدمية قادرة على استقطاب الجماهير سوى بناءً على موقف واضح جدًا ضد القطبين وبوضع البرنامج الاجتماعي في الصدارة، بما يجمع القاعدة الشعبية على مصالحها الموضوعية ضد الذين يحاولون تغيير النظام لصالحهم بدل استبداله بنظام تقدمي. والحال أن الأصوليين الإسلاميين لا يبغون سوى تجيير النظام القائم لصالحهم وليس القضاء على الاستغلال واللامساواة.

  • في الجزائر، الحراك يقارب السنة منذ اندلاعه ضد العهدة الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة. وقد أعاد النظام "العسكري" الجزائري إنتاج نفسه في الحكومة الجديدة، مستغلًا فراغ الساحة من قوة سياسية جذرية معارضة له. فيما يرفض المحتجون حتى الآن التكتل في تنظيم (أو تنظيمات) سياسية، وتجسيد هذا الخط الجذري. إلى ما تعزون هذا الرفض، وما مدى سلامته في إدارة المعركة النضالية؟

حقيقة، أتفهم الحساسية الجماهيرية، خصوصًا لدى الشباب، إزاء التنظيم السياسي لكون مشهد القوى السياسية في منطقتنا ليس بالجذّاب، بل بالعكس هو منفّر للجيل الجديد الذي يختلف عن أجيال القرن العشرين وإقبالها على التجارب الحزبية. فيما أصبحت اليوم هذه التجارب بالية في نظر الجيل الجديد، لا سيما وهو يعتمد طرقًا تكنولوجية في التواصل خلقت حالة مختلفة جذريًا عمّا كان عليه الأمر في القرن السابق.

تونس مثلًا، حيث بدأ الانفجار، طالما كانت حاضنة لحركة عمالية قوية وكان لهذه الميزة دور أساسي في جعل تونس بلد الانتصار الأول في قلب رأس دولة. ومن المعروف أن داخل الحركة النقابية التونسية وجود قوي للمناضلين اليساريين، لكنّ سلوك تنظيمات اليسار التونسي السياسية لا ينسجم مع العصر إطلاقًا، فهذا اليسار لم يتجدد وليس جذابًا للشباب. لا تشعر سوى جماعات صغيرة من الشبيبة التونسية بجاذبية لائتلاف "الجبهة الشعبية".

بالإضافة إلى موضوع النهج السياسي الذي تحدّثنا عنه، هناك مسألة استنباط أشكال تنظيمية جديدة. ومن هذه الناحية، نشهد تجربة رائدة متقدمة في السودان. نرى الفرق الكبير بين الجزائر والسودان، وهما بلدان يتميزان بسلطة المؤسسة العسكرية، فقد أنجز الحراك السوداني أكثر بكثير مما أنجزه الحراك الجزائري، وهذا راجع  لسببين:

أولا، وجود قيادة شعبية حقيقية ليست حزبية بالدرجة الأولى. هذه القيادة هي "تجمع المهنيين السودانيين"، الذي بدأ كتجمع سرّي لبعض جماعات المهنيين من أطباء وصحافيين وأساتذة جامعيين وغيرهم، وتحوّل مع بداية الانتفاضة إلى ائتلاف واسع للفئات الطبقية العاملة، من المهنيين إلى شتى أجزاء الطبقة العاملة، بقيادة أفقية ديمقراطية وليست عمودية بيروقراطية. لعبت هذه القيادة دورا أساسيا فيما يجري الآن، وأثبتت أنها قادرة على إنجاز أكثر من التظاهر، فالتظاهر وحده لا يكفي كما رأينا في الجزائر حيث خرج الناس بأعداد غفيرة للتظاهر كل جمعة، فترك الحكم الناس يتظاهرون طوال سنة بحيث يتحول الأمر إلى تقليد شبه فولكلوري. بالمقابل استخدم السودانيون أسلحة أخرى إلى جانب التظاهر، هي التجمهر واحتلال الميادين ليس مرة بالأسبوع بل باستمرار، وصولًا إلى الاضراب العام والعصيان المدني.

اقرأ/ي أيضًا: الثورات العربية وثقافة اللاعنف.. حدود الرفض

هذا وللحراك السوداني خاصية ثانية بالمقارنة مع "الربيع العربي" الأول في 2011، هي أنه واجه حكمًا جمع بين وجهي القوى المضادة للثورة، حيث كان حكم عمر البشير حكمًا عسكريًا يستند إلى الجماعات الإخوانية والأصولية الإسلامية الأخرى. فقد جعل ذلك من الحراك السوداني حراكًا مضادًا بطبيعة الحال للقطبين الرجعيين اللذين يميزان المنطقة.

  • بالمقابل، هذه القيادة السودانية قبلت باقتسام السلطة مع المؤسسة العسكرية في إطار تسوية سياسية لإدارة المرحلة، فالسؤال هنا ما مدى قدرة المؤسسات العسكرية العربية للاستجابة لتطلعات الشعوب، وأن تكون طرفًا في معادلة التغيير؟

في الواقع، أنا ميزت في تحليلي للدول العربية بين الدول الميراثية والدول النيوميراثية. حالة البلدان الثلاثة التي فيها أنظمة عسكرية، أي مصر والجزائر والسودان، هي حالة نيوميراثية. بمعنى أنه ليس هناك عائلة حاكمة مالكة للدولة كما نرى في دول أخرى، سواء أكانت ملكيات أم جمهوريات، أو ما نسميه "جملكيات"، كسوريا مثلًا حيث جرى انتقال ميراثي للسلطة في إطار دولة تملكها عائلة كما في الملكيات.

في الدول العسكرية، الحكم هو بيد المؤسسة العسكرية وليس بيد عائلة بعينها. وقد رأينا كيف أن الجيش المصري، وبطريقة مماثلة تماما الجيش الجزائري والجيش السوداني، تخلّصوا من الحاكم لإنقاذ النظام، هذا لأن النظام ليس على علاقة لا تنفصم مع الحاكم. في هذه البلدان، يمكن عزل الحاكم وإبقاء النظام، وهذا ما تم. غير أن السودانيين والجزائريين استوعبوا درس التجربة المصرية ولم يقعوا في الأوهام التي وقع فيها الحراك المصري، حيث بثّ "الإخوان المسلمون" وغيرهم، بمن فيهم بعض القوى التقدّمية واليسارية، أوهامًا حول الجيش. هذه الأوهام لم تتكرر لا في الجزائر ولا في السودان، وهذا يؤكد أن السيرورة الثورية طويلة الأمد ليست تكرارًا للأحداث، بل تشهد تراكما للخبرات واستفادة من دروس التجارب السابقة.

في السودان حيث توجد قيادة شعبية معترف بها خلافًا للجزائر، وبالرغم من أن الوضع في السودان كان قمعيًا أكثر بكثير من الوضع في الجزائر، استطاع الحراك بقيادة "تجمع المهنيين" و"قوى إعلان الحرية والتغيير" منع المؤسسة العسكرية من استخدام القوة على نطاق شامل. وقد جرت محاولة قمعية في حزيران/يونيو من العام الماضي، تصدّت لها الحركة الشعبية بالعصيان المدني والإضراب العام. شكّل هذا رادعًا للمؤسسة العسكرية. ينضاف إلى ذلك أن الحراك الشعبي السوداني بما له من قيادة وبالتالي قوة سياسية أكبر بكثير مما في الجزائر، استطاع أيضًا أن يخاطب قواعد المؤسسة العسكرية، وقد رأينا حالات من تعاطف الجنود مع الحراك وهذا مهم جدًا.

لكل هذه الأسباب انتهى الأمر بالقيادة العسكرية السودانية إلى أن تقبل بالمساومة مع الحركة الشعبية، وقد ولّدت هذه المساومة ما نراه حاليًا من مؤسسات قائمة على ما وصفته بازدواجية السلطة: السلطة الشعبية والسلطة العسكرية. والسؤال الكبير هو إلى متى سيستمر هذا الوضع ومتى سوف يُحسم، لأنه لا بدّ أن تتغلّب سلطة على أخرى في نهاية المطاف.

  • أسهبتم سواء في كتابكم "الشعب يريد" (2013) أو في "انتكاسة الانتفاضات العربية" (2016) في شرح المسار المأساوي الذي نحتته الثورة السورية ومسببات هذا المسار. هل لا تزال إعادة السيناريو السوري في بلدان الثورة اليوم احتمالًا قائمًا؟

هذه ملاحظة مهمة، إذ إن كافة الأنظمة في منطقتنا تفتقد اليوم إلى مشروعية في نظر قسم كبير من الجماهير، ليس كل الناس بطبيعة الحال حيث إن لكل نظام قاعدة شعبية يختلف حجمها بين بلد وآخر. ونرى الأنظمة تسعى وراء تعزيز مشروعيتها بالقول "إما نحن أو المأساة كتلك التي حلّت بسوريا". مثلًا، يروّج خطاب عبد الفتاح السيسي للشعب المصري فكرة أن بدونه، أي بدون الديكتاتورية التي يرأسها، سوف تعمّ الفوضى ومعها الخراب. هنا تكمن أهمية وجود قيادة على طريقة القيادة السودانية التي وفّرت ضمانة مهمة جدًا، حتى ولو لم تكن كافية، ضد سيناريو الحرب الأهلية من خلال تحكّمها بكافة وسائل النضال الشعبي السلمي. هذا من جهة.

 تعاني إيران من مشاكل شبيهة بالمشاكل الإقليمية في البلدان الناطقة بالعربية فيما يخص تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية

ومن جهة أخرى، تتعلق المسألة بالتدخل الخارجي، حيث إن أي ثورة في أي مكان تتدخل فيها قوى خارجية مضادة للثورة تتحول إلى حرب أهلية. فلو فكّرنا في النماذج الثورية الأكثر شهرة في العالم، تأتي في بالنا أولًا الثورة الفرنسية كما الثورة الروسية، والحال أنهما شهدتا حربًا أهلية طاحنة وشهدتا تدخل قوى أجنبية إلى جانب القوى المحلية المضادة للثورة.

في الساحة السورية، لولا تدخلت إيران لسقط النظام السوري في عام 2013، حيث كان على حافة الهاوية. تدخلت إيران بقوى تابعة لها آتية من لبنان والعراق وقوى مؤلفة من لاجئين أفغان آتين من إيران، وجميعها قوى طائفية جرى إرسالها إلى سوريا للدفاع عن نظام آل الأسد. ومع ذلك وبعد سنتين وجد النظام نفسه مرة أخرى في وضع حرج، فاستنجد واستنجدت معه إيران نفسها بروسيا التي تدخلت بصورة أعنف بكثير من التدخل الغربي المحدود نسبيًا في ليبيا في عام 2011.

هذا وقد جرى تدخل الحلف الأطلسي في ليبيا من الخارج بدون نشر للقوات على الأرض. ساهم ذلك التدخل في تبديل موازين القوى بمنع القذافي من استخدام الطائرات والمجنزرات التي كان يمتلكها ولا يمتلكها طرف الانتفاضة المقابل، وانتصرت الانتفاضة الليبية بفضل هذا الدعم الخارجي الذي عدّل موازين القوى. في سوريا، كان التدخلان الإيراني ثم الروسي على مستوى أكبر بكثير مما شهدناه في ليبيا، أرضًا بالميليشيات الطائفية وجوًا، وهو تدخّل عزّز من تفوق النظام السوري بالطيران والآليات، بينما لم تُبدِ الولايات المتحدة أي رغبة في دعم الانتفاضة السورية على نطاق كبير، تاركة الأمر لدول الخليج. والحال أن الدول الخليجية تخشى الثورة بقدر ما يخشاها النظام السوري، وقد عملت على خنق الثورة بطريقة أخرى من خلال إغراقها بالقوى الأصولية الإسلامية.

  • في لبنان والعراق هناك ثورة على الطائفية، من وجهة نظركم هل يكفي إسقاط أنظمة المحاصصة السياسية الطائفية لإنهاء الطائفية تمامًا؟ أم على تلك الشعوب خوض نضال أعمق وأكثر جذرية؟

العراق ولبنان هما البلدان الوحيدان في المنطقة اللذان نجد فيهما شكل من أشكال الديموقراطية البرلمانية المشوّهة على أساس طائفي. هذا النظام قائم في لبنان منذ استقلال الدولة اللبنانية وقد صاغه الاستعمار الفرنسي بالأصل. أما في العراق، فإن الاحتلال الأمريكي هو الذي استوحى من النموذج اللبناني وطبّق مرادفًا له. في عام 2011، كانت هناك محاولة في لبنان لجر الناس إلى الالتحاق بالموجة الثورية الإقليمية، لكن كان الخطأ – وهو في نظري الخطأ نفسه الذي تم ارتكابه في "حركة 20 فبراير" في المغرب – هو التركيز على قضايا سياسية ودستورية بينما كان الانفجار الإقليمي الأساسي اجتماعيًا واقتصاديًا. فإن ما يحرك الناس فعلًا ليس تغيير الدستور، إذ ليس هناك سوى أقلية من المجتمع تهتم بمثل هذه الشؤون، بل ما يحرك الناس هو خبزها اليومي، هو معيشتها وحياتها اليومية. فعندما طغت هذه الأمور في لبنان، رأينا كيف ولدت عنها انتفاضة جماهرية.

في العراق ولبنان اليوم، حصل الانفجار نتيجة تراكم قضايا اقتصادية واجتماعية، وقد أدرك الناس أن الانقسامات الطائفية وسيلة يستخدمها أرباب الحكم والفساد للسيطرة على المجتمع من خلال سياسة "فرّق تسد". فلا يمكن التصدي لهذه السياسة سوى بتوحيد الناس على ما هو مشترك بينها، وهو بصورة أساسية مصلحتها الاجتماعية والاقتصادية.

  • القوة المتزايدة التي أصبحت عليها الأصولية الدينية الشيعية في لبنان والعراق وارتباطاتها المتينة بالحكومة الإسلامية في إيران، هل يمكن لها أن تمكن بشكل جدلي من تقوية نقيضها الشعبي وتجمعه في جبهة نضالية موحدة وصلبة، خاصة وإيران بدورها تعرف صعودًا للاحتجاجات الشعبية؟

إيران تعاني من مشاكل شبيهة بالمشاكل الإقليمية في البلدان الناطقة بالعربية فيما يخص تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، تفاقمها العقوبات الأمريكية في الحالة الإيرانية. لكن النظام الإيراني يختلف تمامًا عن أنظمة الدول العربية، من حيث إنه نظام ثيوقراطي، وإيران الدولة الثييوقراطية الوحيدة في العالم يحكمها رجل دين وقائمة على رجال الدين. هذا النظام بنى مؤسسة عسكرية واقتصادية موازية لمؤسسات الدولة وللجيش النظامي، هي مؤسسة "حراس الثورة الإسلامية" التي أصبحت شبيهة بأخطبوط ضخم يمد أطرافه في كل مفاصل البلد، وقد بات قسم كبير من الاقتصاد الإيراني بيدها كما لديها قوة عسكرية أكبر من قوة الجيش النظامي بدرجات.

وهذا النموذج هو ما سعت إيران وراء تصديره للعراق ولبنان، من خلال حزب الله في لبنان ومليشيات "الحشد الشعبي" الطائفية في العراق و"الحوثيين" في اليمن. وفي الحالة الإيرانية دولة ريعية تحوز على ثورة نفطية وتستخدم الريع النفطي لتمويل مؤسساتها. من هذه الناحية، فإن آفاق انتصار الحركة الشعبية في إيران حاليًا تبدو محدودة من جهة ومحفوفة بالمخاطر من الجهة الأخرى، بمعنى أن هذا النظام قادر على القمع بصورة رهيبة بدليل ما وقع في الانتفاضة الشعبية في أواخر العام الماضي، حيث تتراوح تقديرات عدد القتلى بين 500 و1500 شخص مع اعتقال 7000. هذا قمع شرس جدًا، وما يجعله شرسًا جدًا هو استناده إلى مؤسسة منغرسة في المجتمع.

لكن شعبي العراق ولبنان تأثرا بمشهد انتفاضة الايرانيين أنفسهم على النظام في بلدهم، وقد عزز هذا المشهد صمودهم وإصرارهم على تحقيق المطالب. هذا ويجري الحراك العراقي بالأساس في المناطق الشيعية، ومع ذلك رأينا الجماهير تهاجم قنصليات إيران. وبعد الصدامات بين الامريكيين والإيرانيين على أرض العراق، رفع الحراك العراقي شعار "لا أمريكا ولا إيران"، إذ إن الشباب يريدون سيادة شعبهم موحدًا ويصبون إلى تخطي المنطق الطائفي لأجل ذلك.

ومثلما يقف "حراس الثورة الإسلامية" في إيران عقبة كبيرة أمام التغيير هناك، نجد ما يشبهه على نطاق أضيق في العراق ولبنان، حيث رأينا كيف حاول "حزب الله" وحليفته "حركة أمل" الطائفية أن يرهبا الحراك اللبناني، وهذا التهديد لا زال قائمًا إلى جانب محاولات مستمرة لإعادة تسعير الطائفية. لكنه أصبح لدى الناس وعي متقدم، ونأمل أن يتعمق هذا الوعي ويتصاعد الحراك الشعبي.

جلبير الأشقر: في العراق ولبنان اليوم، حصل الانفجار نتيجة تراكم قضايا اقتصادية واجتماعية، وقد أدرك الناس أن الانقسامات الطائفية وسيلة يستخدمها أرباب الحكم والفساد للسيطرة على المجتمع 

وفي الختام، أودّ أن ننهي حديثنا بشيء من الأمل. فمن خلال كل ما ذكرنا، نرى أن السيرورة الثورية مستمرة وأشكال الوعي في تصاعد. فقد أصبح الناس يدركون حقيقة الأنظمة العسكرية وحقيقة الطائفية وحقيقة الصراعات الاجتماعية. وهذا الوعي مهم جدًا، لأن العملية الثورية تراكمية، وقد تدوم عقودًا طويلة لكنّ أنظمة المنطقة لن تشهد من جديد نوع الاستقرار الذي نعمت به حتى عام 2011.