13-ديسمبر-2018

لورنسو فرتشيني

يفتتح "ألترا صوت" من خلال هذه المقابلة مع الباحث الأسترالي، لورنسو فرتشيني، سلسلة من الحوارات مع أكاديميين وسياسيين فلسطينيين وغير فلسطينيين، تُعنى بالسؤال الشاغل والواسع، عن "كيف نفهم إسرائيل؟"، أي حول الطريقة الأجدى والأنجع لدراسة إسرائيل، وتأطير التجربة الاستعمارية الإسرائيلية نظريًا.

انبنى النقاش الرائج عن دراسات الاستعمار الاستيطاني، على الاعتقاد أن تحليل "ما بعد الاستعمار" قد لا يكون كافيًا لفهم تجارب استعمارية عديدة

وفي حين أن هناك مجموعة واسعة من الأطر التفسيرية والنظرية، التي يتم طرحها والدفاع عنها باعتبار أنها قادرة على فهم الواقع على الأرض وتوصيفه، مثل "الأبرتهايد" والاستعمار الاستيطاني والاحتلال وغيرها، فإن هذه السلسلة تحاول تتبع هذا النقاش من داخله، والحوار مع مساهمين أساسيين في هذه الأطر.

غالبًا ما يتم ربط صعود دراسات الاستعمار الاستيطاني خلال السنوات الأخيرة، بباحثين أستراليين مهمين، هما باتريك وولف، الذي رحل قبل أكثر من عامين مخلفًا إرثًا نظريًا ثريًا، ولورنسو فرتشيني، الأستاذ في دائرة التاريخ في جامعة سوينبرن، ورئيس تحرير دورية Settler Colonial Studies الرائجة، وضيف الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

انبنى النقاش الرائج عن دراسات الاستعمار الاستيطاني، على الاعتقاد أن تحليل "ما بعد الاستعمار" قد لا يكون كافيًا لفهم تجارب استعمارية عديدة، وانطلق بشكل أساسي من التفريق الحاسم بين الاستعمار التقليدي الذي يقوم على الاستغلال الاقتصادي، ويتم بطريقة مباشرة من خلال إمبراطوريات، من دون دور واضح للمستوطنين سوى خدمة الدولة الأم، وبين نماذج استعمارية استيطانية يلعب فيها المستوطنون الدور الأساسي، ويصارعون على الأرض ونمط البقاء عليها، كما حدث في أمريكا وأستراليا وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: مجاعة أوريسا.. حين تركت بريطانيا مليون هندي للجوع

اهتم منظرو هذا الإطار التفسيري بالصراع العربي الإسرائيلي، واعتبروا أن إسرائيل هي حالة استعمار استيطاني مباشرة. كما اهتمت مجلة "دراسات الاستعمار الاستيطاني" بالقضية الفلسطينية، وكتب لورنسو فرتشيني نفسه حول إسرائيل. وفي حين يتبنى عدد متزايد من الباحثين والأكاديميين الفلسطينيين هذا النموذج، فإن نجاعته في تفسير ما يحدث على الأرض، أصبحت قضية شاغلة.

تسائل هذه المقابلة فاعلية هذا الإطار النظري التفسيري، وعلاقته بالأطر الأخرى، ونجاحه في فهم الحالة الإسرائيلية، ودور الباحثيين الفلسطينيين فيه.


  • تعتبر واحدًا من منظري دراسات الاستعمار الاستيطاني الأكثر تأثيرًا. يكتسب هذا النموذج النظري شهرة واسعة، باعتباره قادرًا على تأطير وفهم تجارب استعمارية عديدة. وقد أصبح في السنوات الأخيرة واحدًا من النماذج الأكثر رواجًا واستخدامًا في الأوساط الأكاديمية الفلسطينية، حتى أن هناك مساقًا في جامعة بيرزيت تحت اسم هذا النموذج النظري. لماذا حظيت "دراسات الاستعمار الاستيطاني" بهذه الشهرة من وجهة نظرك؟

لقد لبّت دراسات الاستعمار الاستيطاني، كإطار تفسيري، الحاجة إلى فهم أنماط السيطرة التاريخية والحية التي لا تزال قائمة. حيث كانت دراسات ما بعد الاستعمار والطرق التقليدية لتفسير التشكيلات الإمبريالية تفشل في فهم ما يحدث عندما يكون المستوطنون هم المسؤولون. وكانت النظريات المتاحة حول الاستغلال الاستعماري تخفق في تفسير ما يحدث عندما يهدُف المستوطنون إلى القضاء على جماعات السكان الأصليين.

 الصهيونية هي في الأساس حركة استعمارية استيطانية. إن جزءًا من صعودها الأيديولوجي قام/يقوم على قدرتها على إخفاء هذه الخاصية التأسيسية. وبالتالي فإن النموذج الفكري لدراسات الاستعمار الاستيطاني يتيح نقد الصهيونية على هذا الأساس.

  • لقد كتبت عن فلسطين بشكل خاص، وكذلك فإن مجلة دراسات الاستعمار الاستيطاني، التي ساهمتَ في تأسيسها، نشرت أكثر من عدد حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. في رأيك، ما الذي يترتب سياسيًا على اعتبار إسرائيل حالة استعمار استيطاني؟

هناك الكثير لاكتسابه. لا بد أن تكون المقاومة ضد الاستعمار الاستيطاني أكثر فاعلية إذا استندت إلى أدوات تحليلية مناسبة وكذلك إلى أفضل إدراك/ فكر متاح. يجب أن نعرف ما يريده المستوطنون وكيف يهدفون إلى تحقيق مآربهم. يجب أن نعرف عن خيالهم، وسيكولوجيتهم، وبناهم المرجعية، وسياساتهم، وبلاغتهم، وما إلى ذلك. يجب أيضًا أن نتوصل إلى استخلاصات من أمثلة ونضالات مشابهة.

لورنسو فرتشيني: لقد لبّت دراسات الاستعمار الاستيطاني، كإطار تفسيري، الحاجة إلى فهم أنماط السيطرة التاريخية والحية التي لا تزال قائمة

  • يخضع الفلسطينيون إلى أنماط مختلفة من السيطرة والإدارة الاستعمارية، بشكل مباشر أو غير مباشر (في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو في إسرائيل). هل يكفي نموذج دراسات الاستعمار الاستيطاني لوحده من أجل فهم هذه الفروق؟ أم أنك تعتقد أن هذا يتطلب استخدام نماذج نظرية أخرى، مثل الأبرتهايد أو الاحتلال؟

لا ليس كافيًا. في ظل وجود هذا التنوع في النماذج المختلفة من السيطرة، نحتاج إلى العديد من الأدوات التفسيرية التي يمكننا تطويرها، كما أننا بحاجة إلى التمكن منها جميعها. قد نحتاج إلى الانتقال من أداة إلى أخرى، أو استخدام مجموعة متنوعة من الأطر التفسيرية في نفس الوقت. على عكس الاستعمار الاستيطاني، فإن دراسات الاستعمار الاستيطاني لا تقوم بالإلغاء أو الاستبدال. وإنما كان المقصود دائمًا منها المساهمة في النقاشات الجارية حول واقع الاستعمار؛ صوت واحد ضمن أصوات.

  • يتخوف بعض الفلسطينيين عندما تتم مقارنتهم بالسكان الأصليين في أستراليا وأمريكا؛ بما أنهم يطمحون إلى مصير/مستقبل أفضل. ورغم الإدراك أن قضية السكان الأصليين لم تنته ولن تنتهي عند هذا الحد، غير أن هناك واقعًا تم فرضه عليهم. هل تعتقد أن إسرائيل استطاعت فرض واقع شبيه على الفلسطينيين؟

كان ياسر عرفات معروفًا بكونه واحدًا من هؤلاء. على أية حال، فإن المعرفة حول نمط محدد من السيطرة، تهدُف إلى المساهمة في منعها من الاستمرار في مسارها، أو التخفيف من آثارها. إن عدم الحديث عن هذه السيطرة، بسبب كون المرء قلقًا مما حدث لسكان أصليين آخرين في مكان آخر، لن يجعلها تختفي.

لورنسو فرتشيني: على عكس الاستعمار الاستيطاني، فإن دراسته لا تقوم بالإلغاء أو الاستبدال. وإنما كان المقصود دائمًا منها المساهمة في النقاشات الجارية حول واقع الاستعمار؛ صوت واحد ضمن أصوات

 

  • "المستوطن جاء ليبقى" (الاقتباس المعروف لباتريك وولف)، غالبًا ما أسيء فهمه. كتبت باحثة فلسطينية مرة أن هذا الاقتباس يدعو إلى الاستسلام لفكرة أن المستوطن سيبقى هنا إلى الأبد. ما هو رأيك في ذلك؟

ما يريده المستوطن شيء، وما يفعله المستوطن شيء آخر. كان باتريك مهتمًا بشكل خاص بالتفريق بين المستعمر الاستيطاني (settler colonialists) والمستعمر الرحّال/غير المقيم (colonial sojourners)، أي  الأفراد الذين يخدمون المستعمرة (الهند البريطانية على سبيل المثال)، ثم يتركونها عائدين إلى التقاعد في "الوطن" في الدولة الأم. طالما كان الصهاينة يجابهون الاتهامات الموجهة لهم باعتبارهم استعمارًا، لأنهم يستطيعون التأكيد على الفروق بينهم وبين مستعمرين "رحّل" آخرين. لكنهم إذا لم يكونوا رحلًا، فإنهم مستوطنون.

قرأ/ي أيضًا: نعوم تشومسكي: إسرائيل رأس حربةِ قتل الديمقراطية

  • يعتبر نموذج دراسات الاستعمار الاستيطاني، نموذجًا مقارنًا، وهو ما يجعله يفترض أن هناك صفات وعوامل بنيوية داخل أي تجربة استعمار استيطاني. ألا تعتقد أن هذا النوع من التحليل البنيوي، إذا أمكننا وصفه كذلك، يحد من قدرته على فهم التعامل مع التغيرات داخل المجتمع الإسرائيلي، والمرونة التي تتحرك المجتمعات من خلالها؟

كما ذكرت، كان الهدف من تحليلات دراسات الاستعمار الاستيطاني، دمج الأطر التفسيرية الحالية. نحن بحاجة إلى نهج مرن يتم فيه فهم التحول الديناميكي بشكل صحيح. لكن التمكن من فهم مجموعة متنوعة من أنظمة الاستعمار الاستيطاني بشكل مقارن، يتيح بالتعريف فهمًا مرنًا: فهناك العديد من حالات الاستعمار الاستيطاني، التي تعمل في ظروف ومواضع عدة.

  • ما هو رأيك فيما يتعلق بقانون القومية الذي سنه الكنيست الإسرائيلي قبل أشهر قليلة، والذي يدافع عن كون إسرائيل دولة يهودية؟ كيف ترى ذلك من وجهة نظر الاستعمار الاستيطاني؟

قد يكون مؤشرًا إلى أن مشروع الاستعمار الاستيطاني يواجه أزمة مهمة. الصهيونية كانت دائمًا مشروعًا لمستوطنيها. إن كان عدم كونك مستوطنًا، يعطي نفس الحقوق، فأن تكون مستوطنًا ليس أمرًا ذا صلة، كما اعتاد أن يكون.

لورنسو فرتشيني: تعلمت من فايز صايغ وعلينا أن تعترف بالتأكيد بدور الباحثين الفلسطينيين في تشكيل ما نعرفه

  • منذ الستينات، كان هناك العديد من المفكرين الفلسطينيين على غرار فايز صايغ، الذين ناقشوا الاستعمار الاستيطاني، مع ذلك، فإنهم يحظون بشهرة أقل، حتى في سياق فهم التجربة الإسرائيلية. هذا هو السبب الذي يجعل بعض الأكاديميين الفلسطينيين يطالبون بدراسات السكان الأصليين (indigenous studies)، بدلًا من دراسات الاستعمار الاستيطاني، على اعتبار أن هذا سيسمح للفلسطينيين بالتحدث عن أنفسهم بدلًا من أن يكونوا مواضيع يدرسها الآخرون (باحثون غربيون أصحاب امتياز). ألا تعتقد أن هذه المخاوف مبررة؟

جاءت دراسات السكان الأصلانيين، قبل دراسات الاستعمار الاستيطاني. ولا يمكن للمحاولات الفكرية اللاحقة أن توجد من دون المحاولات السابقة. لقد عرف صايغ عن الاستعمار الاستيطاني، وتعلمتُ شخصيًا الكثير من خلال قراءة أعماله. كل هذا في البال. لكني أرى أن دراسات السكان الأصليين ودراسات الاستعمار الاستيطاني يتكاملان، وبالتأكيد لا يتضادان. أحدها يدرس جماعة محددة؛ والآخر يدرس علاقة السيطرة.

كيف يمكنك أن تفعل أحدهما دون الآخر؟ هل يمكنك التحدث عن فلسطين أو الأصلانية دون الإشارة إلى الهيمنة؟ هل يمكنك التحدث عن الاستعمار الاستيطاني دون الإشارة إلى الأصلانية؟ يجب أن نقوم بكلا الأمرين، ونحن نقوم بكلا الأمرين.

  • الفلسطينيون هم الأقل استشهادًا بأعمالهم حتى عندما يكون السجال حول فلسطين نفسها. وهناك ادعاء أن هذا يحدث مع الموجة الجديدة من دراسات الاستعمار الاستيطاني أيضًا. كيف ترى الأمر؟ أليس هذا صادمًا؟

إنه مثير للقلق ومحبط، مع أنني أظن أنه يتغير. ثمة سبب لعدم التوازن هذا، متعلق بكون معظم النقاش يحدث باللغة الإنجليزية. لكننا نتحدث عن ظاهرتين فريدتين: المعرفة حول نمط من السيطرة، وممارسات الاستشهاد. علينا أن نعرف قدر ما نستطيع، وأن نشارك ما نعرفه قدر ما نستطيع، وعلينا أن نعترف بالتأكيد بدور الباحثين الفلسطينيين في تشكيل ما نعرفه.