حوار| فيصل دراج: المثقف قائم في النقد

حوار| فيصل دراج: المثقف قائم في النقد

فيصل دراج (ألترا صوت)

من قريته الأم قضاء صفد في شمال فلسطين المُحتلة، الجاعونة، إلى القنيطرة فدمشق، تلتها بيروت وباريس والقاهرة وعمان وغيرها الكثير من المنافي المتعددة، توزعت تجربة الناقد والكاتب فيصل دراج على حقول المعرفة والأدب ورصد التجربة الفلسطينية والتعقيب على المألات العربية.

لطالما انشغل فيصل دراج بالرواية والقصة والفنون بمجملها، إلى جانب أسئلته التي لم تمت عن النهضة والحداثة والتحديث والدولة والاجتماع والثقافة في حياة المجتمعات العربية. ويمكن العثور له على عشرات المؤلفات المنشورة موزعة عبر هذه الحقول.

هنا حصيلة ساعات من حوار تقصى حدود الإمتاع والإفادة في ضيافة فيصل دراج وعائلته الكريمة، خص به صفحات "ألتراصوت" حصريًا.


1. ما التعريف أو التوصيف الذي يحوزه فيصل دراج هوياتيًا وسياسيًا وفكريًا واجتماعيًا، يُمكّنه من تقديم نفسه لمن يعرفه، أو لا يعرفه؟

فلسطيني يتحزب فكريًا ولا يتحزب سياسيًا ، بسبب الوضع العربي العام منذ 1967 لليوم، الذي لا يسمح بالتحزب، ليس بسبب انطفاء السياسة وغياب الوضوح الفكري فقط، بل لغياب الاتساق الأخلاقي أيضًا.

لا يوجد طرف واضح سياسيًا، ولا يوجد طرف متسق سياسيًا، يبدأ بمشروع ويستمر فيه ويطوره ويدافع عنه في الماضي والحاضر. نجد كمًا من التقلبات المؤسفة التي تعبر بشكل عام عن هشاشة فكرية وسياسية وأخلاقية، ولذلك فقد نأيت بنفسي عن جميع المراجع السياسية الموجودة حاليًا.

فيصل دراج:  نحتاج حاليًا إلى شكل آخر من التنوير. ولن يأتي، إن أتى، إلا من كفاح المجتمع في سبيل حقوقه، وصراعه ضد القوة المختلفة التي تصادر هذه الحقوق

2. في العالم الثالث، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، هل يُمكن تناول التنوير بمعزل عن التثوير؟ وهل تثوير ظروف الواقع ممكنة بأدوات غير حزبية؟

الملاحظة الأولى أن كلمة العالم الثالث لها علاقة بالخمسينات من القرن الماضي، حيث كان هناك ما يدعى بالمعسكر الرأسمالي الذي انتصر في النهاية، والمعسكر الاشتراكي، وكان بينهما دول مستقلة حديثًا. هذه الدول التي استقلت حديثًا وأرادت أن تنهض، لم تستقل فعليًا ولم تؤسس لأي نوع من النهوض، وبالتالي فإن تعبير العالم الثالث من الماضي، فالآن يوجد عالم رابع وخامس وسادس وسابع، والعالم العربي يقف في النهاية للأسف.

وبالنسبة للتنوير، فله علاقة أيضًا بما قُلت. نتكلم حاليًا عن التنوير انطلاقًا من مرجعين: الأول هو الفكر التنويري العقلاني العربي المقاتل، الذي تأسس مطلع القرن الـ20، واستمر لنهاية الأربعينات تقريبًا، فنجد عبدالرحمن الكواكبي وكتابه الشهير "طبائع الاستبداد"، ونجد الشيخ محمد عبده الذي حاول أن يقدم صورة عقلانية حديثة للإسلامونجد أيضًا المؤرخ المصري العظيم أحمد أمين الذي كتب ظهر الإسلام" ضحى الإسلام""و " وكان من المفترض أن يكتب منطقيًا "غياب الإسلام"، غير أن الصيغة متعبة 

وهناك طبعًا المثقف العربي الأول في القرن العشرين، الذي أعطى حالة خاصة، وهو الدكتور طه حسين، الذي اقترب منه لاحقًا مفكر مغربي هو عبدالله العروي.

عندما نقول تنوير، ننظر إلى هؤلاء؛ إلى إرث الماضي، وهو إرث قد تغير وتغيرت ظروفه، وتغيرت رموزه. والمرجع الثاني الذي ننظر إليه أيضًا هو الراهن، فنحن لم نتكلم عن التنوير إلا بعد أن أخفقت دولة الاستقلال الوطني في العالم العربي. وظهرت نزوعات متطرفة دينيًا ومتأسلمة، تنشر الظلام واللاعقلانية. وانطلاقًا من هذين الأمرين، نتحدث حاليًا عن التنوير.

ولأن التنوير كان له سياق أول، وتغير هذا السياق، فالمفترض حاليًا أن نفكر بسياق جديد للتنوير. ما كان يقوله طه حسين عن وحدة المدرسة والمجتمع والديمقراطية والتعليم، لا يزال صحيحًا، لكن العالم العربي الآن أصبح متخلفًا عنه.

أضف إلى ذلك أنه في أيام طه حسين لم يكن هناك التكفير ولم يكن هناك تسويق الإسلام، ولا ثقافة الأدعية ولا الوجدان الديني الفقير. وإنما سياق آخر.

لذلك نحن حاليًا بحاجة إلى شكل آخر من التنوير. لكن هذا الشكل لن يقوم على أفراد متميزين مثل ما مضى، ولكن يجب أن تقوم به الدولة، التي هي الحاضنة الأساسية لأي تنوير حقيقي، في مؤسساتها المدرسية والإعلامية والثقافية. والمفارقة الكبرى أن الذي هزم التنوير في العالم العربي لا يتمثّل بالقوى المعادية له، بل يتمثّل أولًا بالسلطات الاستبدادية، التي تقمع العقل وتلغي شروط الفكر الحرّ. لقد وجدت هذه السلطات الناقصة الشرعية في "الدين الزائف" متكأ لها. وتحالفت، تاليًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع القوى المتأسلمة، ذلك أن الطرفين يحاربان الوعي السياسي، ويطمئنان إلى عموميات إيديولوجية وطنية ودينية ، لا تخدم  الدين ولا الوطن.

فيصل دراج (ألترا صوت)
فيصل دراج (ألترا صوت)

أما جهود الأفراد، فغالبًا ما تكمل نظريًا، جهود الدولة، وهي حاليًا معادية للتنوير، لذا يتحوّل التنوير اليوم إلى أصوات مفردة، وإلى نوع من الحنين العاجز إلى الماضي لن يؤدي تاليًا إلى أي تغيير حقيقي.

والمحقق أنه لا تنوير بلا مشروع تنويري، تصوغه المدرسة الوطنية والفعل السياسي المجتمعي، والأمران غائبان. أما المثقف المليء بالأحلام، فله نبله وأحلامه وأساطيره أيضًا. التنوير اليوم لن يأتي، إن أتى، إلا من كفاح المجتمع في سبيل حقوقه، وصراعه ضد القوة المختلفة التي تصادر هذه الحقوق.

إن هدف التنوير، في معناه الشامل، هو تغيير السلطة المسيطرة على كل شيء، والمطالبة بدولة تحترم العقل والوطن والعدل والحقوق الاجتماعية. لن يتكوّن التنوير اليوم إلا من خلال الفعل السياسي لتغيير السلطات السياسية المسيطرة.

3. كيف ترى إمكانية رصف الديمقراطية والحداثة كسؤال مركب يستدعي بعضه بعضًا؟ 

الديمقراطية بالمعنى العقلاني جزء من الحداثة. لا يوجد حداثة بلا ديمقراطية. لكن عندما تقول حداثة وديمقراطية، فإنك تتحدث عن مجتمع مُسيّس. أي أنك تمر على السياسة بالضرورة.

إذن، فلا إمكانية لوجود ديمقراطية بدون حياة مجتمعية سياسية، ولا إمكانية لوجود حداثة بدون دولة تعبر عن مصالح قوى اجماعية فاعلة، تنظر إلى المستقبل ولا ترى في الماضي مثالًا.

أما كلمة الحداثة التي ظهرت وسُوّق لها منذ السبعينات، فقط جاءت كبديل عن كلمة الثورة والاشتراكية. ففي الأربعينات كان يقال الثورة والاشتراكية والتقدم والنهوض. لكن بعد أن فشل كل هذا، جاءت كلمة الحداثة، التي اختصرت الحداثة في الأدب والإبداع وقلة مفترضة تنجزهما بمعزل عن حياة الناس.

إن كلمة الحداثة واسعة جدًا وقد تكون فارغة ولا معنى لها، لأنه لا يمكن الحديث عن الحداثة بدون التأكيد على مفهوم التحديث، أي التحوّلات الاجتماعية المتعددة، التي تعيد تعريف الزمن والإنتاج والمعرفة والسياسة.

الحداثة بالمعنى القائم الآن عربيًا، تحيل لشيء بسيط، مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة والسينما. أما بالمعنى الحقيقي التاريخي فلا يوجد حداثة بدون تحديث. والتحديث تقوم به الدولة: تحديث وسائل الإنتاج، المدارس، العقد الاجتماعي، تحديث الزراعة. بدون تحديث لا إمكانية لوجود الحداثة، إلا إذا اختصرت في أشكال بلاغية فارغة.

فيصل دراج: لا إمكانية لوجود ديمقراطية بدون حياة مجتمعية سياسية، ولا إمكانية لوجود حداثة بدون دولة تعبر عن مصالح قوى اجماعية فاعلة، تنظر إلى المستقبل ولا ترى في الماضي مثالًا

4. ما صورة الاشتباك الطائفي القبلي عربيًا في ذهن فيصل دراج؟ وما الذي يمكن أن يُشكّل مخرجًا من عقدة المسألة الطائفية عربيًا؟ 

السؤال بسيط: لماذا لم يكن لدينا هذه المشكلة في الأربعينات والخمسينات؟! ولماذا لم تكن قائمة في زمن الحقبة الاستعمارية في العالم العربي؟!

يعود ذلك كله إلى إخفاق الدولة الوطنية. لو أن كان هناك دولة وطنية تساوي بين المواطنين، وتمنحهم حق الكلام والحوار والتساؤل والاعتراف المتبادل، لما كانت هناك طائفية، ولا نزعات قُطرية ولما عاد "الناس" إلى مراجع القبيلة والعشيرة والطائفة، وتخلوّا عن الانتماء إلى الدولة، التي غدا دورها، غالبًا، الاستبداد والإفقار.

إن الطائفية هي تعبير عن مجتمع مأزوم، أخفقت الدولة في حل أزمته، أو أخفقت الدولة في تسييره والأخذ بيده إلى أرض السلام والأمن الاجتماعي. لا وجود لدين طائفي، والطائفية لا  تشرح بأسباب دينية، فهذا سخف، إنما تشرح بدولة مستبدة تنتج ممارساتها الطائفية والأمراض الاجتماعية الأخرى.

والمخرج من هذه العقدة، هو وجود الحياة الديمقراطية، والحوار المجتمعي المسؤول، فوجود مجتمع المواطنين هو الذي يؤدي إلى تراجع الطائفية والقبلية، بعيدًا عن أجهزة سلطوية تفكك ولا توّحد.

وهذا كله مرتبط بدور الدولة في توليد التنوير، وممارسة العدالة الاجتماعية، وممارسة المساواة، إذ ما معنى الطائفية في النهاية؟ هي اعتراف مضمر بأن طائفة ما أكثر علوًا وارتقاءً من طائفة أخرى. أو أن جهة جغرافية تتفوّق على جهة أخرى. وهذا عمليًا تعبير عن اللامساواة، فعندما تقول حزب طائفي يعني ذلك حزب يرفض المساواة، وعندما تقول فكر طائفي، يعني فكرٌ مستبد مناهض للمساواة. إن أي حزب طائفي يعتاش على كراهية فئات أخرى ومصادرة ونهب حقوقها، ما يحدّد الطائفية ممارسة جائرة كارهة للحقيقة، ولا علاقة لها بالدين. وما تسييس الطوائف إلا مدخل لتحارب المجتمع وقهره وارتهانه، تاليًا، إلى الطائفة الأقوى. حين تتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية، فإن جميع النزعات الاجتماعية المريضة من طائفية وقبلية، تتراجع كثيرًا.

5. هل تحتاج المنظومة الحاكمة عربيًا لإسرائيل، أم أن إسرائيل هي التي تحتاج لها؟

إسرائيل لا تحتاج إلا إلى قوتها. أما هذا الحديث السخيف الذي يُروّج له، أن "إسرائيل تحتاج إلينا"، فهو غير صحيح.

الطرف الضعيف يحتاج الطرف القوي، أما الطرف القوي، فلا يحتاج إلا قوته. إسرائيل لا تحتاج إلينا، فهي متقدمة علميًا وتقنيًا وعسكريًا، وهي توطد مواقعها في فلسطين يومًا بعد يوم، وتكاد أن تلغي الحقوق الفلسطينية كاملة. وعليه فهي لا تحتاج إلينالو كانت إسرائيل تحتاج إلى العرب أو تهجس ولو قليلًا بحاجتها إلى العرب، لما عاملت الفلسطينيين بهذا الشكل. إن القول بأن إسرائيل تحتاج إلى العرب دعوة مبطّنة، أو صريحة، إلى اعتراف غير مشروط بدولة إسرائيل والتخلي عن الشعب الفلسطيني وحقوقه.

فيصل دراج:  لا وجود لدين طائفي، والطائفية لا  تشرح بأسباب دينية، فهذا سخف، إنما تشرح بدولة مستبدة تنتج ممارساتها الطائفية والأمراض الاجتماعية الأخرى

6. ولكنها تستخدم الأنظمة والعملاء والوكلاء في المنطقة؟!

أنا لا أستعمل كلمة العملاء. ببساطة الفلسطينيون عرب، ومن حقهم على الأنظمة العربية أن تدافع عنهم، ومن حقهم أيضًا على المفكرين والمثقفين أن يعتبروا القضية الفلسطينية محورًا وقضية عربية شاملة. وقد كانت القضية الفلسطينية كذلك في الأربعينات والخمسينات والستينات، وكان العرب جميعًا يهتمون بها.

لكن بعد الهزيمة الشاملة في 1967، والمرور من إخفاق لآخر، وصولًا إلى الاستنقاع العربي الراهن؛ أصبحت فلسطين مسألة فلسطينية فقط للأسف. والفلسطينيون هم الطرف الأضعف في المعادلة، ولأنهم كذلك فلن ينتبه إليهم أحد. إن علاقة العالم العربي اليوم، أو بعضه، بإسرائيل تمثّل علاقة المغلوب الذي استسلم إلى هزيمته.

زد على ذلك هناك الإخفاق الفلسطيني السياسي والإداري. وفي المحصلة، كان من الممكن أن تحتاج إسرائيل إلى العرب لو أن العرب رؤوا في الدفاع عن فلسطين قضية وطنية أخلاقية تاريخية. ومعظم الدول العربية لا ترى ذلك، وحتى لو رأته فهي أعجز عن نصرته، ولذلك تخترع بدائل لتتلهى بها، وتبعد الناس عن المسألة الفلسطينية كقضية عربية. وعادة ما توظف القضية الفلسطينية لمصالح ذاتية وإعلامية، تحتقر العقل وتثير التقزّز.

والواضح أن أي نظام عربي لا يثق بشعبه، ويعتقد أن شرعيته تأتي من الغرب أو إسرائيل، هو نظام مناهض للمصالح العربية. وعمليًا كانت فلسطين قضية العرب في فترة الصعود القومي، ثم أصبحت في زمن هزيمة العرب عبئًا على بعض "الحكّام" الذين يدفعون الفلسطينيين لما سُمّي بـ"مَر الغزلان". أي القول بما ترضى عنه إسرائيل.

في الثمانينات كان مطلوبًا من الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل، ودُفعوا في بيروت وغيرها دفعًا إلى ذلك، إلى أن مرّوا، أو كان عليهم أن يمروا، من ممر ضيق، هو مَر الغزلان، ووصلوا إلى خارج لبنان، ليجبَروا على الاعتراف بإسرائيل. وحاليًا يُدفعون للتخلي كليًا عن حقوقهم باسم السلام ومعاداة الإرهاب وغيره

بعض الأنظمة العربية لا تدافع عن الحق الفلسطيني، إنما تدفع بالفلسطينيين للتخلي عن حقوقهم الوطنية. لا غرابة أن يتكاثر اليوم، بلا قيود، الحديث عن الإرهاب، الذي يعني قوى متعددة دون أن يحيل على الإطلاق إلى دولة إسرائيل.

فيصل دراج: الواضح أن أي نظام عربي لا يثق بشعبه، ويعتقد أن شرعيته تأتي من الغرب أو إسرائيل، هو نظام مناهض للمصالح العربية

7. هل تأتي فلسطين أولًا، أم الوحدة العربية وسؤال القومية الشائك في المنطقة العربية؟ 

كان في الخمسينات والأربعينات، حديث عن الوحدة العربية، بسبب وجود قوى اجتماعية وسياسية فاعلة تنادي بالوحدة العربية. إن الشعارات لا تصنع البشر، بل البشر هم الذين يصنعون أهدافهم.

إن انحطاط وتداعي وهزيمة وتفكك الحياة السياسية والنبض الشعبي الحقيقي في العالم العربي، كما هزيمة الأحزاب والأنظمة التي حملت راية "الإيديولوجيا القومية"، كل هذا جعل كلمة "الوحدة العربية" من الماضي.

نعم، لا مستقبل للعرب إلا بالوحدة العربية، ولا معنى للعرب أخلاقيًا وسياسيًا وثقافيًا إن لم يعملوا من أجل الوحدة العربية. ولكن الوحدة العربية تحتاج لمقومات، وقوى فاعلة. وهذه القوى الفاعلة ومقوماتها غير موجودة على الإطلاق الآن.

أرى حاليًا بوار العالم العربي. كيف نطالب من مجتمع عربي يستنقع، ومن واقع عربي مفكك ومهزوم، بوحدة عربية؟! الفكرة القومية هي دليل النهوض.

حاليًا في أوروبا لا يقال المجتمعات العربية، وإنما المجتمعات الإسلامية، بينما كان يقال في الأربعينات والخمسينات المجتمعات العربية، لأنه كانت آنذاك أنظمة عربية تدافع عن العروبة، وكان هناك إنسان عربي يقرأ لساطع الحصري، ولا يقرأ للكتب الصفراء. وكانت هناك أحزاب قومية فعلية، وروائيون قوميون، وشعراء قوميون. أما الآن فلا.

من المفترض أن دولة الاستقلال العربي، قد ذهبت في اتجاه الحداثة الاجتماعية، بما يعني التوعية السياسية والنمو والتحولات الاجتماعية الثقافية الحديثة، والسير إلى الأمام. لكن ممارسات الأنظمة العربية تحديدًا منذ هزيمة 1967، دفعت بالمجتمع العربي إلى رفض الحداثة، ليس لأنه يكرهها، ولكنه اعتقد أن الدول والأنظمة التي تقمعه وتجوّعه وتستبدّ به دول وأنظمة حديثة، وعليه أصبح هو ضد الحداثة.

8. هل ماتت السياسة عربيًا؟ ومن أين البداية لإعادة إنتاج ممارسة سياسية في ظل مجال عام مغلق؟

يجب التذكير في الحالات جميعًا بما يلي: إن كان العامل الاقتصادي هو المسيطر في حياة المجتمعات الرأسمالية، فإن المسيطر في بلدان "الرأسمالية التابعة" هو العامل السلطوي، لا السياسي، ذلك أن ما هو سياسي يستدعي مجموعًا بشريًا يتبادل الاعتراف، على خلاف الأنظمة المستبدة الأحادية المرجع، الذي يرى في المجتمع جسمًا مهدّدًا يجب قمعه وإلغاء صوته.

لا يوجد مجتمع سياسي في العالم العربي.

منذ اليونان ويقال: يتأنسن الإنسان، حين يتعلم السياسة. ويقال أيضًا: المجتمع الذي لا سياسة فيه، هو مجتمع ميت.

السياسة تعني التناقض الاجتماعي، أي الحركة والحوار والاعتراف المتبادل والتدافع والنظر إلى المستقبل. والسياسة تعريفًا هي: النظر إلى المستقبل. وفي العالم العربي سلطة تؤبد الحاضر، أو بدائل دينية  تقدس ماضيًا مخترعًا، وهذه البدائل الدينية التي جاءت بعد 1967، بدعم بعض الأنظمة العربية، حلمها استرجاع الماضي.  ليس احترامًا للماضي، وإنما بغرض محاربة كل ما هو حداثي وعقلاني ومستقبلي في العالم العربي، باسم ماض مخترع يلتبس بالدين. فلو كانت الدعوة إلى الماضي صادقة لما وقف الفلسطينيون لوحدهم  ولتم الربط بين الدين والعدالة الاجتماعية.

أما بخصوص "من أين البداية لإعادة إنتاج ممارسة سياسية؟"، فهناك خياران: إما أن تكون هناك دولة وطنية تمارس المساواة وتحترم القانون. أو أن تكون هناك قوى شعبية تقاتل من أجل مجتمع أفضل لا تولد السياسة إلاّ في حقل الصراع الاجتماعي.

وحتى نتخلص من الارتباك الذي تثيره كلمة الحداثة، ينبغي الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في حكم عادل، وحقه في الكرامة، والتعليم والصحة وحتى الجمال. وجميع هذه الحقوق تأتي بها السياسة وتصدر عن الصراع مع السلطات الظالمة.

فيصل دراج:  لا تولد السياسة إلاّ في حقل الصراع الاجتماعي. السياسة تعني التناقض الاجتماعي، أي الحركة والحوار والاعتراف المتبادل والتدافع والنظر إلى المستقبل.

إن جميع الحقوق إما أن تحققها الدولة - وهو شيء مستبعد في العالم العربي كما يُظهر- أو أن تحاول الجماهير المكافحة تحقيقها. وقد حاولت الجماهير أن تقوم به فيما يسمى بـالربيع العربي""، الذي أخفق لألف سبب وسبب. لم يبدأ مخفقًا ولكن دفع دفعًا نحو الإخفاق.

وبالتالي، فالأمر هو إما المجتمع أو الدولة، وحين يخفق المجتمع، لا تكون الدولة راغبة في التعبير عن المصالح الوطنية، فحينها نستمر في هذا البوار. وأنا لا أرى حقيقةً إلا بوار يتراكم.

وعلى ذكر الربيع العربي، فإنه من البله والسخف الاعتقاد بأن هذه الحركات كانت سوف تنجح، ليس لأنها حركات تطالب بشيء لا يتحقق، أو أنها حركات عميلة أو خلافه مما يُروج له، وإنما لأن هذه الحركات كانت تحتاج لبنية تحتية سياسية وفكرية تفتقدها، إذ كيف تخلق مجتمعًا ثائرًا عارفًا لأهدافه من مجتمع مستبد به منذ 1967.

أعتقد أن لا وجود لربيع عربي كانت هبّات عفوية صحيحة وغريزية. وبسبب عدم الخبرة وغياب الحياة السياسية والحزب السياسي والقائد السياسي، لم تحقق نجاحًا. فلو كان هناك حس سياسي، لكانت هناك مطالبة متدرجة بالإصلاحات، أما فكرة "إما الكل أو لا" أو ما تمثّل في شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهذا تعبير عن عماء سياسي.

كانت هذه الحركات الاحتجاجية، حسنة النية، وفقيرة سياسيًا، والنوايا لوحدها تقود إلى جهنم! 

أضف إلى ذلك أن الإنسان حين يقاوم طرفًا أقوى منه، عليه أن يقدم بديلًا عاقلًا مشتقًا من ضعفه، لا أن يحاكي الطرف الذي يقاتله. وهذه الهبات وحركاتها الاحتجاجية، أرادت أن تقاتل السلطة بسلاح السلطة، وهي عمليًا رؤية حزينة ومهزومة.

فالإنسان لا يقاوم الطرف الآخر بقيم مستمدة منه، وإنما يقاوم بقيم مستمدة من تجربته، وبالتالي يكون نسبي المطالب؛ كل إنسان ضعيف لا يطرح الأمور دفعة واحدة، فطرح الأمور دفعة واحدة سيبوء بالفشل، مثل الفلسطينيين الذين قالوا في 1965: "نريد تحرير كل فلسطين". كنا ولا نزال بحاجة إلى شعار "نريد أن نقاتل لاستعادة الحقوق الفلسطينية".، قاصدين بذلك عملية كفاحية مفتوحة.

كل شعار يحتاج إلى ميزان قوى. والحركات الاحتجاجية التي ارتبطت بالربيع العربي، لم يكن لديها فكرة عن معنى ميزان القوى سياسيًا وعسكريًا وتربويًا، ولذلك فقد انهارت. إضافة إلى تدخل قوى ظلامية معادية للتحرر، أي معادية لجوهر ما تطلّع إليه الربيع العربي.

 فيصل دراج: حققت الانتفاضات العربية أفعالًا تاريخية، وقدمت صفحة جديدة واسعة إلى كتاب التاريخ العربي الحديث

9. كيف ترى الطرح النظري لما يعرف بحل الدولة الواحدة في فلسطين؟

ما يسمى الدولة الواحدة هو أسطورة. أرادت منها إسرائيل إبعاد الفلسطينيين عن السؤال الحقيقي. كانت تعرف جيدًا أنها لا تقبل بهذا الحل. والعقلاء السياسيون كانوا يعرفون أن شعار حل الدولة الواحدة إنما هو شعار رومانسي. يساعد الفلسطينيين إعلاميًا ويعطّل، عمليًا، اجتهادهم  الكفاحي والفكري.

كان على الفلسطينيين فعليًا أن يذهبوا باتجاه آخر هو تفكيك الاستعمار، وأن يأخذوا من تاريخهم الإيجابي والمضيء مفهوم المواجهة اليومية المستمرة، التي ترهق إسرائيل ولا تدمّر المجتمع الفلسطيني. وأن يهتموا بالثقافة والقيم والذاكرة الوطنية. فالذاكرة الوطنية عنصر مهم جدًا، فليس بالدم والرصاص نحرر فلسطين. نحرر فلسطين بالدم والرصاص إذا كانت هناك رؤية ثقافية مستقبلية، تتكئ على الموروث التحرري الفلسطيني والعالمي.

كان عند الفلسطينيين تراث 1936 و1939، وتراث الانتفاضة الأولى العظيمة في 1987. وعندهم عبدالقادر الحسيني، وغسان كنفاني ومحمود درويش وغيرهم، والفعل الشعبي الإبداعي والعظيم في إبداعه.

لكن هذا التراث اختُصر عند البعض في "البنادق"، والبنادق لا تقاتل لوحدها، الذي يقاتل إنما هو الإنسان. ولكن لن يقاتل بشكل صحيح إلا إذا كانت لديه رؤية إستراتيجية تأتي عن طريق الأخلاق والوعي الثقافي والجمالي والوحدة الوطنية الفاعلة، وعن قراءة نقدية للحاضر والماضي معًا.

لذا فنحن كفلسطينيين نحتاج إلى إصلاح ثقافي وأخلاقي وقيمي. ونحتاج إلى احترام الذاكرة الوطنية، وتفعيل الذاكرة الوطنية، والاعتراف بأن شعبنا قادر على القتال وإنتاج قيادة تعبّر عنه، تنبثق من صفوفه.

فيصل دراج: نحرر فلسطين بالدم والرصاص إذا كانت هناك رؤية ثقافية مستقبلية، تتكئ على الموروث التحرري الفلسطيني والعالمي

10. يمكن أن يكون ممارس السياسة، أو الفاعل في الفضاء العام، علمانيًا قوميًا، أو ديمقراطيًا قوميًا أو توليفات أخرى كثيرة يمكن تركيبها على "القومي"، لكن كيف تقرأ معضلة اليسار والقومية في المنطقة العربية؟

لا أميل كثيرًا لتوصيفات مثل الثوري والقومي واليساري. أنا مع الوطني التحرري. كل إنسان مع التحرر هو عقلاني، وهو قومي وديمقراطي بالضرورةفإما أن يوجد كفاح من أجل التحرر والعدالة الاجتماعية والحرية أو لا يوجد. أما أن تقول لي: مسلم يساري، أو قومي يساري، فهذا تلفيق.

الإنسان الديمقراطي سواءً كان حزبيًا أم غير حزبي، هو الذي يدافع عن المساواة، ويعترف بالآخر من دون تمييز أو مفاضلة. حين يعترف المتحزب العربي بالكردي وبالأرمني وبالأمازيغي؛ يُصبح إنسانًا وطنيًا متحررًاأنا لا أحب التوصيفات  فإما أن هناك إنسان مع التحرر والمساوة أو لا يكون.

أما معضلة اليسار عربيًا، فهو أنه اختصر ذاته وأحلامه ومطالبه في مجموعة من الكلمات الأيديولوجية الضيقة غير المشتقة من الواقع، ولا تلائمه. ورغم أوهامه النبيلة فقد نسي أولوية الحاجات اليومية على الشعارات، وأولوية الممارسة على النظرية، وأولوية الوطني على الأممي. ونسي بالتأكيد استقلاله الذاتي حين التحق بأنظمة تناهض كل ما له علاقة باليسار والتحرر.

نحن بحاجة إلى خطاب آخر يدافع عن حقوق الناس اليومية.

وإلى أفكار يسارية تتكون من خلال النضال لتحقيق كرامة الإنسان الوطنية وحاجاته اليومية. فلا تأتي للناس بشعارات كبيرة، وإنما تقاتل من أجل حاجاتهم المباشرة، وبهذا القتال ، تتكون أيديولوجيا تحررية. فلا وجود لفكر تحرري بمعزل عن الصراع السياسي المباشر مع السلطة وتمثلاتها الاقتصادية والإيديولوجية.

من المحقق أنه لا يوجد ما يُدعى بالإنسان المتحرر ذاتيًا، إنما هناك إنسان يقاتل من أجل حقوقه، وفي سيرورة القتال يتحرر، ويدرك في النهاية معنى التحرر. أما أن يبدأ كإنسان "متحرر"، فهذا يعني أنه يبدأ بالكثير من الأوهام، وينتهي إلى الفشل، وآية ذلك كثير من المثقفين، الذين يستولدون رغبات الشعب من الكتب.

وكذلك الأمر مع الوحدة العربية، يصبح الإنسان وحدويًا حين يُقاتل من أجل العناصر الاجتماعية التي تكفل وضوح مفهوم الوحدة. ومن الذي يقبل بمفهوم الوحدة؟ إنه الإنسان الذي لديه وعيٌ سياسيٌ ويعرف أن العرب إن لم يكونوا موحدين، فلن يحصدوا إلا إخفاقات فوق إخفاقات.

وهنا أُولي أهميةً للحركة والمعاش اليومي، وتأملّ أشكال النضال اليومي البسيطة، التي يؤدي تراكمها إلى إنجازات في النهاية.

إن الفعل الإنساني المقاتل هو المؤسس لجميع المفاهيم؛ يحتج الإنسان ويتمرد ويطالب ويقاوم ويقاتل، وخلال هذه العملية تولد المفاهيم التحررية. والإنسان الفاعل الذي يعي حاجاته هو المركز في هذه العملية. لا تنفصل القومية عن التقدم الاجتماعي، اقتصاديًا وقيميًا وثقافًا. لا قومية بل مساواة بين المواطنين.

القومية العربية، كما تجديدها، لا تختصر في الماضي المشترك واللغة المشتركة وأمجاد مفترضة قديمة، إنما تتكوّن في جملة من الممارسات والقيم الحديثة، مثل الحرية والعدالة والعلمانية والديمقراطية،... لا توجد القومية، وهي ظاهرة حديثة ككيان مفرد، إنما هي جملة علاقات مرجعها المجتمع، الذي يترجم تقدمه ووعيه القومي.

فيصل دراج: الإنسان الديمقراطي سواءً كان حزبيًا أم غير حزبي، هو الذي يدافع عن المساواة، ويعترف بالآخر من دون تمييز أو مفاضلة

11. هل نتج بعد هذه السنوات على الانتفاضات العربية ثقافة جديدة، أو قولبة ما أو مفاهيم أو خطاب جديد؟

لا، لن ينتج الآن على الأقل. الثقافة الجديدة سيرورة نقدية طويلة. وقُلت من البداية، إن هذه الانتفاضات كانت تفتقر إلى تراكم وعي ثقافي سياسي. ستأتي بوعي جديد، ربما، ولكن بعد حين.

وعلى أية حال فهذه الحركات إن فشلت فإنما بالمعنى المرئي البصري المباشر، لكنها بالمعنى التاريخي لم تفشل؛ فقد قدمت صفحة جديدة واسعة إلى كتاب التاريخ العربي الحديث. فقبل ذلك كان كتاب التاريخ العربي، كتابًا متجانسًا لا معنى له، وهذه الحركات، سواءً نجحت أم أخفقت، أضافت جديدًا إلى التاريخ العربي جديرًا بالقراءة.

ومن الضروري الاعتراف بها، والاعتراف بكل حراك كتراكم وسيرورة، فأنا لم أعي أنني فلسطيني، إلا خلال رحلة في الحياة طويلة تعرّفت فيها على معنى القومي والإسلامي والعروبي والمنفى والنقص والاغتراب،... لن يفهم العرب معنى الانتفاضة إلا بعد سنوات، وعندما يفهموا معناها، وقتها يُبنى عليها؛ فهناك الفعل ثم التحليل ثم التأويل ثم المثابرة، وعندها يأتي شيء مفيد.

لقد حققت هذه الحركات أفعالًا تاريخية، فلأول مرة نرى تظاهرة في الشارع العربي مع انطلاق ما يسمى بالربيع العربي. لأول مرى ترى الرجل والمرأة والشيخ والشاب والطفل في الشارع يمشي في مظاهرة. ربما كان يمشي ولا يعرف ما يريد، ولكن لأول مرة وجد نفسه في الشارع يسير في تظاهرة، وأنه جزء من مجموع ويسمع كلمات حديثة، وقد اكتشف أهمية الشارعقبل ذلك كان الشارع مكان للسير والمرور، وبعد الانتفاضات العربية، أصبح مكانًا للمظاهرة، ولللقاء الاجتماعي الواسع، وللحوار والتعبير... إلخ.

12. ماذا تقول عن تجربتك مع حركة القوميين العرب؟ 

أنا قومي النزوع منذ أن كنت طفلًا إلى اليوم. لم أحتاج إلى القوميين لأصبح عروبيًا. كنت أنقد العروبة في ساعات الراحة، وهي قليلة، وأتكلم عن الحرية والثقافة والتحرر. ولكن في ساعات الأزمات، وعندما يأتي عدو خارجي، أُصبح قوميًا عربيًا حتى النهاية. والأكيد أن حركة القوميين العرب كانت حالمة وصادقة وبريئة،  كان لها فكر رغبي أولًا، تمليه الرغبات، أكثر مما كان عندها وعي سياسي واقعي. ولهذا فأنا شديد النقد للتجربة القومية العربية منذ الماضي حتى اليوم.

أقبل، مثلًا، أن يأتي مصري وينتقد عبد الناصر أو فلسطيني ينتقد ياسر عرفات، وكلاهما قابلان للنقد والنقد الكثير. لكن أن يأتي غير عربي ويفعل ذلك، فأنا أستنفر كل طاقتي للدفاع عن عبد الناصر وعرفات، لأنهما ينتميان إلى تاريخ، لم يحسنا للأسف استخدامه؛ فعبدالناصر ينتمي إلى تاريخ تحرري مصري، من محمد علي باشا إلى زمنه، وقد أراد أن يضيف شيئًا نوعيًا، لكن تكالبت عليه قوى كثيرة فأخفق، وأغرق ذاته في أخطاء وأوهام كثيرة.

وعرفات، وعلى الرغم من أخطائه اللامتناهية، حاول أيضًا أن يضيف شيئًا ما إلى ثورة 1936، وتاريخ النضال الفلسطيني، لكنه كان غير قادر على إعطاء شيء جديد، أو لم يُسمح له بتقديمه. إن مأساة القضية الفلسطينية أنها قضية كبيرة وكونية ومعقدة، ولم يُتح لها أن تحظى بقادة كبار أو حتى قادة متوسطي القامة.

والمأساة العربية أن الذاكرة الوطنية الآن ذاكرة رسمية. وما نأخذه على عبدالناصر وعلى عرفات، مع مراعاة المسافة الكبيرة بينهما، هو تجميد الزمن في الحاضر، فعبدالناصر جمّد الزمن في حاضره، فنسيَ أن كل ما سبق هو تراكم وطني ملئ بالدروس، نسي ما سبقه وانطلق من ذاته بكثير من الأوهام. وياسر عرفات نفس الشيء. وهذا نوع من فقر الوعي التاريخي والذاتية المفرطة.

فيصل دراج : إن مأساة القضية الفلسطينية أنها قضية كبيرة وكونية ومعقدة، ولم يُتح لها أن تحظى بقادة كبار أو حتى قادة متوسطي القامة. والمأساة العربية أن الذاكرة الوطنية الآن ذاكرة رسمية

13. من هو المثقف؟ وما هو المثقف؟

أولًا، للمثقف سياق تاريخي. بدأ هذا السياق بالثورة الفرنسية، عندما قام متعلمون ومتنورون للدفاع عن الحرية والأخوة والمساواة؛ وعندها انتقلوا من الاختصاص العلمي إلى وضع المثقف، إذ لا وجود لما يُسمى مثقفًا إن لم يكن مشاركًا في الشأن العام، ولا وجود لمثقف إن لم ينقد الماضي، ولا وجود لمثقف إن لم يقترح شيئًا ما مفيدًا من أجل المستقبل. يصبح الإنسان مثقفًا من خلال اندراجه في الشأن العام وانخراطه في مشروع سياسي ثقافي غايته الارتقاء بالمجتمع.

لم تعرف اللغة العربية كلمة المثقف، جاءت الكلمة أيضًا مترجمة، وأعتقد أن أول من ترجمها هو سلامة موسى. وولد المثقف العربي، وهو ظاهرة حديثة، في عملية الكفاح الوطني ضد الاستعمار.

وعندما وجدت كلمة المثقف في السياق العربي، كان هناك حزب الوفد في مصر، ومجموعة من الصحف، وأحزاب في سوريا وفي العراق، أي كانت هناك حاضنة سياسية، لا يمكن أن يكون هناك مثقف من دونها، فالمثقف علاقة في جملة علاقات وطنية ديمقراطية. إذا غابت هذه العلاقات اكتفى بهامشيته وسقط في الكآبة.

أما في مجتمع ومقموع ومقهور، فالحديث عن المثقف أمر غائم. قد يكون مُتعلمًا، وحسن النية، لكن علاقته بالجماهير هي التي تجعله مثقفًا. ومن هنا أُميّز بين المتعلم المختص وبين المثقف، فالمختص ممتاز في اختصاصه. لكن المثقف لا يحتاج إلى شهادة علمية، ولا علاقة للمثقف بالرتب الأكاديمية، إنها علاقة تتكوّن في سياق اجتماعي يدافع عن الحرية والمساواة  بالديمقراطية، مرتبط بوجود فئات تكافح من أجلها.

أمرٌ آخر، هناك التباس كلمة المثقف بكلمة الشيخ في الثقافة العربية الشعبية، الشيخ بمعنى المرجع الذي نعتبره أكثر معرفة وحصافة وحكمة. وبينه وبين الناس  مسافة يجب احترامها. المثقف لا علاقة له بالشيخ يتوجه إلى الشعب لا إلى الكتب وإلى المستقبل لا إلى الماضي ولا يعطي أحكامًا نهائية.

وفي الإطار الراهن، إن كان هناك مثقفًا فهو الذي استلهم دروس الماضي، نجاحات من سبقه وإخفاقاتهم أيضًا، ويحاول ضمن حدوده أن يقدم مقترحًا يخفف من الإخفاقات السابقة؛ أن يكون الإنسان مثقفًا ناصريًا فعليًا وصادقًا، هو أن يقول أن عبدالناصر اختصر الشعب المصري في ذاته، وأن يكون مثقفًا فلسطينيًا معناه نقد الفعل السياسي الفلسطيني في الحاضر والماضي.

أقصد أن المثقف قائم في النقد. هو الناقد المنحاز. أما الإنسان البليغ الذي لا ينحاز ولا ينقد فهو عبارة عن خطيب أو داعية.

فالثقافة هي انحياز وقيم ونقد، ورؤية للمستقبل، ورغبة في الحياة والدفاع عن حاجات الإنسان وكرامة الوطن للإنسان.

14. كيف ترى دور المثقف الفلسطيني اليوم، أو "المتعلم" الفلسطيني بتعبيرك؟

أنا حزين هذه الأيام لأنه لا يوجد له دور، ولا يوجد من يريد أن يكون له دور، إلا صدفة. في التاريخ الفلسطيني كنا نعرف مثلًا خليل السكاكيني، شخصٌ يتقن اللغة العربية اتقانًا مدهشًا، وكان قوميًا عربيًا، ويهاجم الصهيونية، ثم جاء عبدالقادر الحسيني، الأكاديمي المقاتل

وكان هناك أيضًا غسان كنفاني، وكان عنده رؤية ومشروع. وأيضًا ماجد أبو شرار الذي حاول أن يكون له مشروع، وجبرا إبراهيم جبرا الذي كانت له رؤاه كمشروع متمثلة في الفلسطيني كبطل مثقف. لكن حاليًا لا يوجد فلسطيني يقدم مقترحًا ثقافيًا. طبعًا هناك جيل من الشاب المقاتل والمندفع إلى المعرفة، لكنه يفتقر إلى الأدوات التي تضعه مباشرة مع "الجمهور العام"، والتي تتيح له المساهمة في "كتلة فلسطينية جديدة" تجمع بين المعرفة والسياسة والتنظيم. هناك صعوبات العمل الثقافي الفلسطيني، الممتدة من الشتات إلى الإحباط.

فيصل دراج: اللغة العربية هي العنصر الوحيد اليوم  الذي يُقنع بوجود شيء اسمه العالم العربي!

15. سؤال النقد الأدبي، والنقد كأداة وممارسة، سؤال ملازم لمصير الإنسان ومساره، لكن ماذا عن تفاعل هذا السؤال عربيًا؟ 

لم يعد العالم العربي متجانسًا، وعنصر التجانس الوحيد هو اللغة العربية. فاللغة العربية هي العنصر الوحيد الذي يُقنع بوجود شيء اسمه العالم العربي!

وهناك طبعًا حالات تتفلت من هذا المعيار؛ كأن يتكلم الإنسان بالفرنسية باستمرار، أو بالإنجليزية، وما يسمى بالمدارس الخاصة اللغات، ثمة إضعاف للهوية العربية من خلال هذه المدارس وما تعرف بالمدارس التبشيرية ومدارسالنخبة.

وبسبب غياب مفهوم وهاجس الوحدة، ومع وجود الجمارك والحدود المفتعلة والمصطنعة بين الدول العربية، فمن الصعب أن تقول مثقفٌ "عربي". التبادل الثقافي أمر صعب، حتى على مستوى الإنتاج الثقافي وتناقلهإننا بحاجة إلى حاضنة لغوية ثقافية عربية، تُكوّن نسبيًا رؤية عربية شبه مشتركة بين المثقفين. أظن أن التفاعل بين النقاد العرب قليل، وتفاعلهم مع ماضيهم القريب أقل إضافة إلى "استصغار الذات" وتعظيم "الآخر".

وهنا أحيل إلى نقطة أساسية، عندما كان يريد إنسان أن يقدم نفسه ناقدًا، يقول: "قال رولان بارت"، أو إذا كان إنجليزي الهوى يقول: "قال فريدريك جيمسون". وكان ذلك بمعنى الانتماء إلى الآخر ثقافيًا! فكيف إذن تنتج نقدًا أدبيًا عربيًا انطلاقًا من محصلة ثقافية آتية من الآخر أو مستوردة؟! موّطدة بجامعات مغلقة ومحافظة.

أهمية جيل التنوير، أنه أنتج أشياءً مهمة لها علاقة بالثقافة العربية. لم يكن طه حسين مهمًا لأنه تعلم في فرنسا، وإنما لأنه نقد الشعر الجاهلي والأدب الأموي والعباسي والخلفاء الراشدين انطلاقًا من ثقافة عقلانية. ومحمد مندور كان ناقدًا كبيرًا، ليس لأنه درس في فرنسا، ولكن لأنه أعطى كتابًا مهمًا بعنوان "النقد المنهجي عند العرب".

إذن، كان المثقف التنويري يتعلم في الخارج، ويستمد معرفة جديدة ضرورية، من أجل أن يطبقها على العالم العربي وينتج شيئًا جديدًا له علاقة بمتطلبات المجتمع العربي.

تأتي الهوية الثقافية بالمعنى النقدي، أولًا من معرفة تاريخ الثقافة العربية الحديث، حتى يكون الناقد قادرًا على نقد الثقافة العربية الحديثة القائمة الآن، ومن سعي إلى المقارنة وتملّك ثقافة أدبية عربية حقيقية. أما أن أكون غربي الهوى، وأنقد من هذا المنطلق الأدب العربي، فهذا نوعٌ من السُخف.

فيصل دراج: هناك حاليًا عقل عربي مضطرب لا يثق بنفسه، وهناك ثقافة عربية مُخرّبة، باستثناء حالات قليلة. وهناك أيضًا مساهمات روائية إبداعية، ينجزها روائيون مبدعون.

 

16. كيف ترى واقع الإنتاج الأدبي العربي حاليًا؟

لابن خلدون كلمة أنا منبهرٌ بها، هي: "لا يأتي الانحطاط إلا كاملًا". فعندما يكون لدينا استنقاع سياسي، فلماذا لا يكون عندنا استنقاع ثقافي؟! بل يجب أن يكون هناك استنقاع ثقافي، في ظل مجتمع يميل للتجانس على مستوى الوعي، بمعنى عدم معرفة السياسة، مع الاعتقاد والاقتناع بأنه يعرف في السياسة، وكذلك الحال مع الأدب؛ وذلك بسبب وسائل الإعلام تبقى الرواية العربية، ربما، بقيا من عهد التنوير، المحاصر اليوم بآلات إعلامية مهلكة، تلغي الفرق بين القمح والزؤان.

هناك حاليًا عقل عربي مضطرب لا يثق بنفسه، وهناك ثقافة عربية مُخرّبة، باستثناء حالات قليلة. وهناك أيضًا مساهمات روائية إبداعية، ينجزها روائيون مبدعون.

17. بخصوص الحديث عن الثقافة والمثقف والنقد، وحتى الحراك السياسي، كيف ترى السوشيال ميديا في خضم ذلك؟

طبعًا هي مفيدة، بما أنها أعطت للناس فسحةً لتبادل الأفكار والتعرف على بعضهم البعض. لكنها تصبح خطيرة جدًا، حين يتوهم البعض أنها بديل عن الحزب السياسي، أو بديل عن الصحف، أو بديل عن الحياة الديمقراطية الاجتماعية، أو بديل عن الاستقلال الوطنيفهي جيّدة في إطار خدمة هدف اجتماعي كبير. لكن أن تصبح في ذاتها هدفًا وغاية، تصبح حينها ضارة. وخاصة في زمن غياب البدائل الثقافية الوطنية.

وليس ثمة ممارسة ثقافية أو نقدية حقيقية عن طريق السوشيال ميديا. فالممارسة الثقافية الحقيقية هي أن يعتكف الإنسان في بيته، ويجمع معرفة علمية عقلانية، ثم ينظر إلى المعيشي الاجتماعي الفعلي، ويقدم أفكارًا ترتبط به. مرة أخرى أرى دور المثقف في قيامه بمراجعات ذاتية، والبحث عن الجديد الاجتماعي، وفي محاولاته أن يعطي قولًا نسبيًا جديدًا، في المجالين الوطني والثقافي.

18. كما يتضح، تمثل حرب 1967 تمفصلًا مهمًا بالنسبة إليك في النظر للتاريخ والواقع. المعتمد رسميًا هو تسمية هزيمة 1967 بالنكسة، ألا ترى أنها هزيمة أفدح بكثير من كونها نكسة؟

هي ليست فقط هزيمة، إنما هي الهزيمة الأكثر شدة وعنفًا في التاريخ العربي منذ قرون، قبل ذلك كانت تقع هزائم، وتحاول الأمة أن ترد عليها. لكن ما حدث بعد هذه الهزيمة أنها بدأت تناسيها، ثم التأقلم معها، ثم أخذ النسيان شكل القاعدة

هزيمة 1967، هي هزيمة ولود، لا تزال تتناسل حتى اليوم في أشكال متعددة: الحرب الأهلية في لبنان، طرد الفلسطينيين من لبنان، ثم احتلال بيروت، ثم احتلال العراق، ثم إمعان الأنظمة العربية في الاستبداد، وغير ذلك.

لذا، فأعيد التأكيد أن 1967 هزيمة ولودًا لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، بل إنها قائمة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. ففي عام 1967، لم نكن نعترف بالهزيمة، وكنا نرفضها بشكل جاد. أما اليوم فقد أصبحت جزءًا مألوفًا وأليفًا من الحياة اليومية في كثير من البلدان العربية، من دون النظر إلى أسبابها ولا إلى أشكال تجاوزها.

فيصل دراج: هزيمة 1967، هي هزيمة ولود، لا تزال تتناسل حتى اليوم في أشكال متعددة. هي ليست فقط هزيمة، إنما هي الهزيمة الأكثر شدة وعنفًا في التاريخ العربي منذ قرون

19. كيف تُقيّم تجربتك مع دور النشر والمؤسسات الثقافية، عربيًا وأجنبيًا؟ 

مرة أخرى سأستخدم جملة ابن خلدون: "لا يأتي الانحطاط إلا كاملًا". يعني مثلًا أعطي كتابًا لدار نشر لبنانية دون ذكر أسماء، والاتفاق أنه بعد النشر أحصل من الدار على المكافأة. ثم ما يحدث أنه يُنشر الكتاب، ولا أجد مكافأة. وبعد 20 سنة أعرف أنه أعيد نشر الكتاب، ولم يأخذ أحد موافقتي، ولم يطلعني حتى على الأمر. وهذا نموذج من دار نشر معروفة جدًا بالمناسبة.

وهناك نماذج أخرى، مثل أن تعطي كتابًا عملت عليه مدة عامين، ويتم نشره، دون أن تحصل حتى على نسخة منه، فضلًا عن المكافأة. وليست هناك حتى كلمة شكر.

مع الاستنقاع والانحطاط، بات لدى كثير من دور النشر أن على صاحب الكتاب أن يدفع تكاليف النشر، فهي بذلك إنها تتفضل عليك! والكثير من دور النشر العربية اليوم تأخذ نقودًا، وأحيانًا مبالغ كبيرة لتنشر كتاب، حتى وإن كانت كتابات ممتازة.

أتذكر أنه قبل فترة جاءني ناقد ممتاز من فلسطين، وأراد أن ينشر كتابًا له عن محمود درويش، وأراد أن أتوسط له، ليدفع لدار النشر ألف دولار بدلًا من ألفي دولار!

طبعًا هناك حالات قليلة جدًا جدًا، يقرأ فيها الناشر الكتاب بتأنٍّ، ويعمل عليه وعلى تحريره بجدية، ثم يحاول بعد نشره أن يعطيك مكافأة. وهذا الأمر، أي الحصول على مكافأة من الناشر، حصل معي مرتين فقط في كل تجربتي.

أما بالنسبة للوضع أجنبيًا، فهناك العمل المؤسساتي، الذي يعترف أن كل إنسان يُقدم عملًا، فسيحصل على مقابل أو مكافأة. على الرغم من أن مكافآت مراكز الأبحاث الأجنبية إذا ما قورنت بالعربية، فهي متواضعة جدًا، يعتبرون أن التعامل في إطار العلم، وليس في التجارة والاستزلام.

20. لماذا أنت مسكون بالرواية؟ وماذا عن أصناف السرد الأدبي الأخرى؟

أنا مسكون بالرواية لثلاثة أسباب: الأول قد لا يقنع أحدًا، وهو أنني كنت ولا زلت مبهورًا بنجيب محفوظ، الذي هو أستاذ في التفكير والكتابة ورؤية العالم.

أما السبب الثاني وهو الأهم، أن الرواية هي عمل كتابي حر، يجلس الروائي فيكتب ما يريد. يراقب المتخيّل أو لا يراقبه هذا شيء آخر. لكنه يمارس عمله حرًا، وبالتالي فهو ليس موظفًا عند الدولة تفرض عليه المسموح والممنوع.

والسبب الثالث، أرجع فيه لمقولة نجيب محفوظ عن "المُكر الروائي"، إذ إن الرواية تكتب فيما لا تستطيع أن تكتب فيه جميع العلوم الإنسانية الأخرى. فالمؤرخ حين يؤرخ للنظام فهو محكوم بسقف معين، ففي أحسن الحالات يكون محايدًا، وإلا فسيتحول إلى انتهازي. وعالم الاجتماع تطارده الرقابة، فيجب ألا يتحدث عن الواقع كما هو، وإنما عن الواقع كما تريده السلطة. وعالم الاقتصاد مضطر ألا يزعج البنوك!

النقد في جميع العلوم الاجتماعية واضح، فبالتالي قابل للحذف والعقاب. أما النقد في الرواية، فهو ملتبس ومحتجب ويحتاج إلى رقيب ذكي جدًا لكشفه. لكن هذا الرقيب، غالبًا لا يحترم القراء ولا يهتم بالثقافة، يمر عليه الأمر بلا اهتمام.

مثلًا، حين أراد جمال الغيطاني أن يكتب عن هزيمة 1967، رجع إلى قرون مضت، واختار الزيني بركات، ووضع فيه جميع صفات عبدالناصر، وهزمه. ولا يستطيع أحد أن يقول للغيطاني إنك تكتب عن عبدالناصر.

وحين أراد نجيب محفوظ أن ينقد مُبكرًا السلطة في زمن عبدالناصر، كتب "اللص والكلاب"، فهي رواية تنقد في العمق، وتصل إلى القارئ العادي، وتستطيع أن تقول ما لا تستطيع أن تقوله العلوم الاجتماعية.

ومثلًا، راوية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"، والتي هي نص سياسي وليس نصًا دينيًا، وإنما استفاد من الرموز الدينية، وقدم فيها أكثر بكثير مما استطاع أن يقدمه طه حسين في كتابه "الفتنة الكبرى"، والذي مع ذلك أعتبره أهم كتاب عربي في القرن الـ20، كونه ينقد الأوهام الدينية نقدًا موضوعيًا صحيحًا، وموثقًا.  كتب محفوظ في "أولاد حارتنا" ما تجاوز به طه حسين في الفتنة الكبرى، ولم ينتبه إليه إلا المخبرون.

إذن، فالرواية فن ماكر، تكتب عما يريده الناس، برموز لا تلتفت إليها السلطةوالأمر هنا راجع لمتخيل الروائي وإبداعه، وليس الأمر في المساحة القابلة للثرثرة في الرواية

وحتى لا نقع في تبسيط مفهوم الرواية، نقول إن الرواية تتوسل المعرفة على جميع موائد المعرفة. وبالتالي فهي تتضمن كمًا كبيرًا من المعرفة، فهي ليست مجرد تخييل فارغ، بل يقوم على كمّ من المعرفة، وعلى معرفةٍ بالواقع. وتنتج في النهاية خطابًا اجتماعيًا أو سياسيًا، وهي إن لم تنتج خطابًا اجتماعيًا أو سياسيًا نقديًا، فهي بالنسبة لي مجرد حكاية.

أنا أميز بين "الرواية"، وأقصد بها النظر السياسي الاجتماعي النقدي لما يعيشه الناس، وبين "الحكاية" التي هي نوع من الاسترسال اللغوي، والذي هو منتشر اليوم في الكتابة العربية.

فيصل دراج: النقد في جميع العلوم الاجتماعية واضح، فبالتالي قابل للحذف والعقاب. أما النقد في الرواية، فهو ملتبس ومحتجب ويحتاج إلى رقيب ذكي جدًا لكشفه

21. الرواية العربية اليوم إلى أين في نظر فيصل دراج؟

هناك الآن بُعد إيجابي، لا أعني التراكم الكمي، وإنما تأتي من بلدان عربية لم يكن لها تاريخ روائي. في السابق كنا نركز على مدينتين: القاهرة وبيروت، وأحيانًا الرباط ودمشق.

أما حاليًا فأفاجأ بروايات ممتازة -صحيح أنها قليلة لكنها ممتازة- تأتي من السعودية ومن البحرين ومن قطر ومن اليمن، وهذا شيء جديد كليًا، وهي غالبًا من أفضل الروايات العربية.

طبعًا هناك بلدان الآن لا يأتي منها شيء، مثل السودان. نعم هناك العديد من الروائيين السودانيين الموهوبين، لكنهم يعيشون في الخارج.

أما بخصوص البُعد السلبي، فهذا الربيع الزائف المتمثل في الكثرة الكمية. كان الدكتور جابر عصفور قد أطلق شعار "ربيع الرواية". لكن في رأيي هو ربيع زائف، لأنه ليس بالمعيار الكمي نقول "ربيع الرواية"، فحتى تقول ربيع الرواية فأنت بحاجة لأن يكون الجيل الروائي العربي الجديد قد استوعب الجيل الماضي، وجاء بما يتجاوزه أو يطوره. وهذا شيء قليل حاليًا في العالم العربي. وهناك أيضًا حدود القراءة.

بعض الروائيين اللبنانيين من أفضل من أقرأ لهم مثل ربيع جابر، وهدى بركات، وهناك الروائي السعودي يحيى القاسم. وهؤلاء رواياتهم جيدة وممتازة، لكنها لم تستطع تجاوز الظاهرة الروائية العربية التي ظهرت في الستينات والسبعينات. فلا يوجد حاليًا روائي في مستوى نجيب محفوظ مثلًا.

وعندما نتكلم عن الرواية، فأنا أفضل أن نتكلم عن الظاهرة الروائية، إذ يجب الانتباه للقارئ، فكل منتج له مستهلك، وإذا كان هناك "ربيع روائي" على مستوى الكم، فما هي في المقابل نسبة القراء؟! إذا لم تكن نسبة القراء مرتفعة، فنحن في المحصلة في ربيع زائف.

ومع ذلك فأنا أقول إن الرواية العربية ستستمر، لأنها ولدت في القرن الـ19، أي من قريب، كما أنه قُدّم فيها إنجاز عظيم من محمد المويلحي  في "حديث عيسى بن هشام" مرورًا بجبران خليل جبران ومحمد حسين هيكل وطه حسين، حتى جاء نجيب محفوظ فأعطى الرواية العربية تأسيسًا جديدًا، على مستوى الرؤية وعلى مستوى الشكل، وحوّلها إلى فن كتابي مقاتل. ولا نزال ننتظر ظاهرة تكون قريبة من مستوى محفوظ.

فيصل دراج:  ليست الرواية مجرد تخييل فارغ، بل يقوم على كمّ من المعرفة، وعلى معرفةٍ بالواقع. وتنتج في النهاية خطابًا اجتماعيًا أو سياسيًا. و إن لم تنتج خطابًا اجتماعيًا أو سياسيًا نقديًا، فهي مجرد حكاية

22. إذن أنت لا ترى الرواية عمومًا كجنس أدبي قد أوشكت على الانتهاء؟

الرواية عمومًا كجنس أدبي لن تنتهي. إن كلمة "نهاية الرواية" ظهرت من الستينات، لكن هناك أجناس كتابية لها قوة تاريخية تجعلها تستمر، مثل الشعر، ومثل الرواية. وهناك كتابات روائية عربية الآن رفيعة المستوى وأقرب إلى الندرة مثل روايات جبور الدويهي وإلياس خوري وعمله العظيم "أولاد الجيتو" وهدى بركات في "بريد الليل". والثلاثة من لبنان.

وعلى ذكر الشعر العربي، فهو الآن لا يقرأ، والشعر العربي الآن مأزوم، ليس بسبب نقص المواهب الشعرية، وإنما لنقص جمهرة قراء الشعر. وهو مأزوم منذ منتصف الثمانينات حسب اعتقادي. ومع هذا، لم يمنع ذلك كتابته لأن له قوة تاريخية تجعله يستمر.

إذن، فالشعر والرواية مستمران. والسؤال هو متى يصعد الشعر أو الرواية، ومتى يتراجعان، ولماذا؟ وأنا أعتقد أن الرواية العربية هي الشيء الوحيد الباقي المضيء منذ عصر التنوير العربي.

23. وما موقف فيصل دراج من القصة القصيرة كفن سردي أدبي؟

كنت أقرأ يوسف إدريس. أقرأ الآن محمد المخزنجي، وهو كاتب عظيم. وفي فلسطين والأردن ثمة كتاب قصة قصيرة ممتازين، وغيرهما من البلدان العربية. المشكلة غياب دور المدارس الرسمية في التعريف بالأدب، وتغوّل الإعلام وتلك الضجة العمياء الخاصة بالرواية وجوائزها.

إن الضجيج الإعلامي الذي صاحب الرواية، جعل القصة القصيرة تبدو وكأنها شيء هامشي، رغم أنها ليست كذلك على الإطلاق، بل كانت مركزيةً ولا  تزال في الأدب العربي.

فيصل دراج: حتى تقول ربيع الرواية فأنت بحاجة لأن يكون الجيل الروائي العربي الجديد قد استوعب الجيل الماضي، وجاء بما يتجاوزه أو يطوره

24. الكاتب المغربي فؤاد العروي، طرح فكرة مفادها أن الرواية قصة قصيرة تتحايل على الصفحات. ما رأيك؟

هذا غير صحيح. وإن كان جزء منه حقيقي بمعنى أن يأتي كاتب ثرثار، ويُحوّل قصة قصيرة لا تحتاج إلى أكثر من 40 صفحة إلى 400 صفحة، فهذا نوع من الثرثرة والتحايل الكاذب التي تناسبها مقولة العروي، وفي النهاية يخرج العمل كحكاية وليس رواية.

بالنسبة لي، ولغيري، ثمة علاقة بين المواضيع والتحولات التاريخية الكبرى وبين الرواية، فلا يمكن أن تكون الرواية قصة قصيرة منتفخة، فمثلًا عندما كتب تولستوي رواية "الحرب والسلام" وهو عمل ضخم، وكذلك كتب نجيب محفوظ الثلاثية وهو عمل كبير لأن موضوعه كان كبيرًا، وكتب عبدالرحمن منيف عن النفط في عمل كبير، إذ لا يمكنه أن يكتب عن كل إشكالية النفط مُتخيّلًا في عمل صغير. إذن، فهناك مواضيع روائية لا يمكن أن تتناولها القصة القصيرة. تتعيّن الكتابة بالموضوع لا بعدد الصفحات.

وعمومًا فكل جنس أدبي له موضوعه، فالقصة القصيرة يمكن أن تعبر عن خاطرة أو شعور أو رصد لحدث سريع، لكن أن يكون المعيار في عدد الصفحات، فأنا لا أعتقد في ذلك. إنه معيار شكلاني متسرّع.

فيصل دراج: إن الضجيج الإعلامي الذي صاحب الرواية، جعل القصة القصيرة تبدو وكأنها شيء هامشي، رغم أنها ليست كذلك على الإطلاق

25. صدر لك مؤخرًا كتاب "آل عبدالهادي في تاريخ فلسطين.. أقدار وطن ومآل نخبة وطنية" وأثار جدلًا في بعض الأوساط هنا وهناك، لماذا كتبت الكتاب؟ وكيف رأيت التعاطي معه؟   

أولًا أنا لا أعرف من يهاجمني. ما أعرفه في حياتي أنني بدأت تلميذًا أتعلم، ولا زلت تلميذًا يتعلم. وأنا مواكب في قراءة يومية. والذي يتعلم كلما قرأ شَعَر أنه يتناقص.

الشيء الثاني، هو أنني لم أكن موظفًا عند أحد، في كل مكان أقمت فيه. حتى منظمة التحرير الفلسطينية في كل حياتي لم أعمل فيها إلا ستة أشهر فقط.

أنا لست إنسان المخصصات. ولم أكن بوقًا لأحد ولا في أي منظمة. وبالتالي فلحسن الحظ، أعتقد أنني أحاول أن أكون أخلاقيًا في حياتي اليومية. وهنا قال بعض الناس إنه "مجرد صحفي"، وقد كنت صحفيًا لأنه كان عليّ أن أتدبر حياتي اليومية من خلال الصحافة. لكنني لا أريد أن أرتزق عند أحد، وليست عندي عادة التقرب والتملق.

أعتبر أن الثقافة أخلاق، والأخلاق ثقافة، وأن الإنسان بلا أخلاق لا يساوي شيئًا، حتى لو كانت عنده مجموعة كبيرة من الألقاب.

وبخصوص بعض الهجوم الذي تعرض له كتابي "آل عبدالهادي في تاريخ فلسطين"، فأقول: لا تُرمى بالحجارة إلا شجرة مثمرة.

فيصل دراج: ما أعرفه في حياتي أنني بدأت تلميذًا أتعلم، ولازلت تلميذًا يتعلم. وأنا مواكب في قراءة يومية. والذي يتعلم كلما قرأ شَعَر أنه يتناقص

وعمومًا فأنا في عمري الراهن غير معني على الإطلاق بمن يهاجمني وبأي رأي سلبي يقال عني. وطبعًا أتعاطي إيجابيًا مع أي رأي نقدي. لكن بعد أن وصلت إلى هذا العمر، وبالطريقة التي عشت بها وعلمت فيها نفسي متابعًا للقراءة والكتابة دون ملل؛ لا يهمني لا أنصاف المثقفين ولا أرباعهم.

أما لماذا كتبت هذا الكتاب، فهو لغرضٍ أساسي وحيد، وهو أنني كنت أطرح دائمًا سؤال: لماذا لا يوجد عند الفلسطينيين نخبة فلسطينية قائدة؟ فقال لي المؤرخ بشارة دوماني: "لو رجعت للقرن الـ19، فسوف تجد أنه كانت هناك نخبة فلسطينية". طبعًا لا يَخفى عن بالي إطلاقًا النخبة الفلسطينية التي كان الإسرائيليون، ولا يزالون، يغتالونها أولًا بأول، لكنني كنت أبحث عمّا قبل ذلك.

لفت دوماني انتباهي إلا أن فلسطين في القرن الـ19 عرفت أربعة أحداث كبرى: الإصلاحات العثمانية، وحملة نابليون وحملة إبراهيم باشا، وسقوط بلدة عرابة  الفلسطينية.

وانتبهت إلى قصة آل عبد الهادي، والذين كانوا سابقيين لزمنهم، وكانوا يشتغلون في الزراعة، لكن العائلة كانت تأتي بمختصين في الزراعة من أوديسا وألمانيا وحتى بمختصين يهود من أجل التربة. وكانت ترسل أبناءها للتعلم في الجامعات الفرنسيةوجعلت هذه العائلة من التعليم في القرية أمرًا ضروريًا، فألزمت الجميع بأن يتعلم القراءة والكتابة و"بخط جيّد".

وأصبحت هذه العائلة محسوبة على المصريين لأنهم كانوا يريدون تقدمًا على الطريقة المصرية، مستلهمين تجربة محمد علي باشا، وذلك على عكس عائلات أخرى كانت متمسكة بالعثمانيين والطرق العثمانية.

ثم كانت لدى هذه العائلة ملكية أرضية واسعة، نحو نصف مليون دونم، ولم تبع للإسرائيليين مترًا. بل كانت تكثر من شراء الأراضي حتى لا يشتريها السماسرة.

وكان الإنجليز يراقبون هذه العائلة ونشاطها، وفي بالهم إعطاء فلسطين لليهود، فطلبوا من العثمانيين القضاء على آل عبدالهادي، وبالفعل جاء نحو أربعة آلاف جندي مدججين بالسلاح ودمرت قرية عرابة.

من جهتي اهتممت بالعائلة كنموذج للنخبة الفلسطينية القائدة، لأنها كانت حاكمة لكل فلسطين تقريبًا؛ فحكمت نابلس وحيفا ويافا والقدس وحتى بعض المدن اللبنانية، وبرهنت أن الفلسطينيين قادرون على حكم ذاتهم، وأنهم عرفوا شكلًا من الحكم الذاتي المزدهر. واجتُثت العائلة تمامًا وطردت وتشتتّت.

ومع سقوط الطموح الوطني لآل عبدالهادي، انتهى أي طموح للعائلات الفلسطينية الكبرى، ودخلوا إلى وعد بلفور، بدون قيادة فلسطينية.

26. هل يمكن القول إن تجربة آل عبدالهادي تشبه تجربة ظاهر العمر؟

هناك اتفاق واختلاف بين آل عبدالهادي وظاهر العمر. الاختلاف أن ظاهر العمر شكل سلطة متكاملة على أساس عسكري، في حين أن آل عبدالهادي كانوا يقدمون منظورًا لسلطة جديدة. كان عند العُمر مفهوم الدولة بشكل دقيق ومرتب، وقد اهتم بالتجارة والاقتصاد، وغير ذلك، لكنه على مستوى النظر إلى العالم والعلاقات الاجتماعية والعادات، كان إنسانًا متخلفًا.

أما الاتفاق أو الأمر المشترك بينهما، فيتمثل في أن ظاهر العمر وكما يقول عنه كارل صباغ، فهو "ملك فلسطين الأول" والذي برهن على أن الفلسطينيين قادرون على تأسيس سلطة وإدارة هذه السلطة، على عكس ما يدعي الصهاينةوكذلك فإن آل عبدالهادي شكلوا أيضًا سلطة، وكان اسمهم بين الفلسطينيين "العائلة ـ الحكومة"، وكان يقال: "من يريد شيئًا فليذهب لآل عبدالهادي فهم السلطة".

فيصل دراج: شكل ظاهر العمر  سلطة متكاملة على أساس عسكري، في حين أن آل عبدالهادي كانوا يقدمون منظورًا لسلطة جديدة

أما ما جذبني إلى هذه العائلة فهو فكرة استيراد الخبرات من الخارج من أجل تحسين الزراعة، وجعلهم القراءة والكتابة إجبارية في كثير من المناطق الفلسطينية، ونظرتهم الاستلهامية من تجربة محمد علي باشا وليس التجربة العثمانية، وتحولهم إلى قوى اقتصادية فاعلة إنتاجية، وانفتاحها على الحضارة خارج فلسطين.

كان في هذه العائلة ما لا يوجد في العائلات الفلسطينية الأخرى، فمن المؤسف أن كثيرًا من العائلات الفلسطينية التي كانت تفكرّعلى الطريقة العثمانية، شاركت في هدم عرابة.

27. هناك مدرسة سينمائية متميزة جدًا في سوريا، وما يميزها أنها ليست ابنة لمدارس مستوردة، وإنما هي بنت إنتاج الذات، رغم اطلاعها على حركة السينما في العالم، وتتمثل في نبيل المالح ومحمد ملص وعمر أميرلاي وأسامة محمد، ما رأيك في هذه المدرسة السينمائية التي نعلم متابعتك لها؟

أنا عاشق للسينما. وهذه الأسماء التي ذكرتها تدخل في جماليات الحياة السورية المبدعة. فـمحمد ملص هو الولد الفقير المفتون بالمخرج السوفييتي الشهير أندري تاركوفسكي، والذي حاول مَلص أن يقلده، تقليدًا إبداعيًا. وكان ملص يعيش ما يمارسه، ويظل مهووسًا إذا ما حضرته فكرة فيلم، وهذا أجمل شيء فيه.

وعمر أميرلاي، هو ابن العائلة الأرستقراطية، المثقف المحاور والصريح. وكان شجاعًا وذكيًا.

ونبيل المالح كان طيبًا وجميلًا تعرفت عليه سنة 1974. وأخرج فيلم "الكومبارس" الذي استشرف فيه كل ما يحدث في سوريا، عندما أنهاه بمشاهد الغروب الحزين ليمثل المدينة التي تغيب تحت الضباب.

وأسامة محمد، كان عاثر الحظ، مع أنه يرتقي في الموهبة إلى مستوى ملص وعمر أميرلاي، لكن كان حظه عاثر. تعثّرت مشارعه،..، وبالتالي قدم فيلمًا واحدًا ممتازًا وهو "نجوم النهار". وفلمه الثاني كان أقل من الأول.

وهؤلاء الأعمدة السينمائية شكلّوا مدرسة كانوا يتعاملون مع فنهم كقضية، فلا أحد منهم تاجر بفنه، كانت السينما بالنسبة إليهم قضية وطنية ثقافية سياسية أخلاقية. وأنا أعتقد أنهم مدرسة لا تتكرر.

28. بإيجاز، ما الصورة الي ترتسم في بالك عند ذكر كل من هذه الأسماء:

  • جبرا إبراهيم جبرا:

تعرفت عليه شخصيًا، وهو مثقف شامل أهم منه بكثير كروائي. وقد علمني معنى التواضع والتسامح. إنسان لن أنساه في حياتي أبدًا، بسبب شموله المعرفي، وتواضعه وقبوله للنقد.

  • حنا مينا:

عرفته شخصيًا أيضًا ولفترة طويلة. وكان حنا مينا مجتهدًا في الكتابة الروائية وترك روايات كثيرة.

كان حنا مينا صديقًا لي، طيبًا ومضيافًا كريمًا. وأعتقد أنه اتخذ من الكتابة الأدبية عادة ونظامًا في الحياة، وهو بالتأكيد المؤسس الحقيقي للرواية السورية .. والروائي الذي جعل من قراءة الرواية أمرًا اجتماعيًا.

  • غسان كنفاني:

لم ألتق به. لكنني مشدود إلى فكرة "العار" التي كانت هاجسًا له، فكنفاني هو المثقف الفلسطيني الوحيد الذي انطلق في كتاباته من مفهوم المأساة والخجل من الذات، الخجل من أن الفلسطينيين رضوا أن يتركوا بلادهم، وأن يذهبوا إلى المهجر.

وكان طموحه أكبر بكثير من حياته. هو يمثل المأساة، بسبب تلك المسافة القائمة بين أحلامه الواسعة جدًا، وحياته القصيرة جدًا. وكان عنده حس المسؤولية الوطنية الأخلاقية وهو شيء لا يتوفر للجميع، بل لا يتوفر إلا لقلة قليلة جدًا. وهو الطموح المتعدد الذي يميل إلى الاتقان وقول الحقيقة بلا مساومة.

  • ناجي العلي:

تعرفت عليه شخصيًا وكان إنسانًا عظيمًا. قتله إخلاصه وشجاعته ودفاعه عن الحياة وعن الأخلاق. وهو حالة شبه فريدة في الثقافة العربية ككل. كان إنسانًا لا يركع؛ بعض الناس يهتفون بـ"عليك ألا تركع"، وناجي العلي لم يكن يقول هذه الجملة، بل كان يمارسها.

  • جورج حبش:

هو أقرب إلى رجل الدين التقي الورع الطيب المتسامح، منه إلى القائد السياسي. عنده أخلاق نبيلة وجميلة. كان عنده الكثير من الأخلاق الرفيعة، والكثير من الأوهام السياسية.

  • أبو ماهر اليماني:

الإنسان الوطني الحقيقي المقاتل والبريء والنظيف. عبّر في مواقفه عن نوعٍ من النظافة الأخلاقية التي نفتقدها اليوم. وأهمية أبو ماهر اليماني تتمثل في الوحدة بين الموقف السياسي والسلوك الأخلاقي.

  • توفيق زيّاد:

قابلته مرة في القاهرةكان شيوعيًا متقشفًا أخلاقيًا وقليل الكلمات، ومهجوسًا دائمًا بكتابة شيء يفيد الناس والقضية الفلسطينية، فلم يكن مهجوسًا أبدًا بحاله.

  • سلامة كيلة:

كان إنسانًا محترمًا وحالمًا، وبسيطًا في أحلامه وفي مطالبه، وشجاعًا. وأذكره باحترام كبير. وكان بريئًا جدًا، ليس من باب المدح ولا الذم.

  • برهان غليون 

كان صديقًا لي منذ 1966، ولا زلت أذكر له فضائله كصديق، وقدّم كتابات رائدة مثل: "بيان من أجل الديمقراطية"، و"اغتيال العقل" وله كتاب ممتاز موضوعه "النخبة والقاعدة"، إن كانت ذاكرتي صحيحة!!

  • عزمي بشارة:

متعدد الإمكانيات واسع الطموح، أجاد في كل ما كتبه، كان بإمكانه أن يكون روائيًا كبيرًا.

  • نجيب محفوظ:

كانت عنده رؤية للعالم، أدرجها في إبداع أدبي مستمر. وجعل من أعماله الأدبية متراسًا يقف وراءه حتى لا يعطي موقفًا سياسيًا مباشرًا، مولعًا بالسياسة كان، وحوّل الشكل الروائي إلى فعل مقاوم.

  • طه حسين:

أستاذ كبير. هناك حالات لا تتكرر عربيًا. ولا أعتقد أن طه حسين، هذا الرجل الصلب الأخلاقي المتقشف الزاهد والموسوعي الشجاع، الذي لا يساوم، والذي نقد الماضي والحاضر، والسياسة والدين، دون مهادنة.. حالة قابلة للتكرار في الثقافة العربية؛ إنه الإنسان العارف الذي لا يساوم انطلاقًا من قوة المعرفة وصلابة أخلاقه الشخصية.

  • ابن خلدون:

لا، لا يوجد جواب، إنه ببساطة ابن خلدون!

  • عبدالوهاب المسيري:

لم ألتق به، ولم أقرأه كثيرًا. أحترم عمله الكبير "الموسوعة الصهيونية" لكن أختلف معه في مفهومه عن الحداثة والعولمة. ورغم أنه كان واسع المعرفة، لكنه كان أقرب إلى الانغلاق.

  • فرانز فانون:

من أكون أنا حتى أقيم فرانز فانون. أعتقد أنه المثقف الحالم الشجاع الذي يبذل جهدًا عقلانيًا مستمرًا يتضمن اقتراحًا سياسيًا مفيدًا سواءً كان قابلًا للتطبيق أم غير قابل للتطبيق. وفي اعتقادي لم تكن كل أفكاره قابلة للتطبيق، وأنها  تحتاج اليوم إلى المراجعة.

  • سيد درويش:

أنا معجب بكل ما له علاقة بالثقافة المصرية قبل 1950. وسيد درويش حالة تمثّل الموهبة والإنغراس الإبداعي في القضايا الوطنية، المجدد الموسيقي الحر، الذي له القدرة الهائلة على استبطان أحوال المواطن المصري المقهور.

  • جمال عبدالناصر

أحترمه جدًا، ولا أحبه دائمًا، أحترمه جدًا لأنه حاول أن يقدم مشروعًا وطنيًا نهضويًا كبيرًا لمصر والدول العربيةولا أحبه دائمًا بسبب إمبراطورية المخابرات، إذ لا يمكن لنظام استبدادي أن ينجز هدفًا وطنيًا أو هدفًا ديمقراطيًا أو حداثيًا. إن أي استبداد يُجهض كل ما هو وطني.

  • محمد حسنين هيكل:

صحفي ذكي شاطر، من الشطارة، موهوب وله أسلوب في الكتابة عظيم، ويعرف الناصرية جيدًا، لكنني أراه في إطار "الشطارة" قبل أي إطار آخر.

فيصل دراج:  لا يمكن لنظام استبدادي أن ينجز هدفًا وطنيًا أو هدفًا ديمقراطيًا أو حداثيًا. إن أي استبداد يُجهض كل ما هو وطني

29. السؤال الأخير، وعساه ألا يكون الأصعب: مشهد من طفولة فيصل دراج لا يمحى من ذاكرته!

عيسى! وهو مواطن سوري استقبلنا في نيسان/أبريل 1948 في دكانه الصغير بجوار القنيطرة.

كان معنا سائق فلسطيني يُصرخ فينا بأن نسرع كي يعود أدراجه. كنا تحت المطر وخرج رجل شاهق القامة، هو عيسى. قال للسائق: "معك فلسطينيين، وتحت المطر، ومشغول بدك ترجع؟! والله إنت واحد ما بتستحي". ورحّب بنا ترحابًا حنونًا لن أنساه، وأخذنا إلى دكانه، وأطعمنا وسقانا وأدفأنا، ربما  كان مدخلًا إلى علاقتي بسوريا حتى اليوم.

أذكر أنه كان في دكانه الصغير مجموعة كبيرة جدًا من الكتب. وبقيت أزوره لسنوات، حتى مات بالسل في سن مبكرة. وأتذكر أنني رويت هذه الحكاية لمحمود درويش، فقال لي: "غريب! موته رمزي. شخص يحب الفلسطينيين بهذا الشكل، لابد أن يموت مبكرًا، لأنه لن يكون لاحقًا سعيدًا بما حدث لهم وبينهم".

عيسى هذا، لن أنساه أبدًا!

 

اقرأ/ي أيضًا:

برهان غليون: الرهان دائمًا على الشعب

كريم مروة: ثورات الربيع العربي بوصلة نحو المستقبل

عزمي بشارة: الحراك الجزائري رفع رؤوسنا بسلميته وحضاريته