حلب.. من التتار إلى التتار الجدد

حلب.. من التتار إلى التتار الجدد

حلب 1920

في العام 1927 زار الموسيقار الشهير محمد عبد الوهاب سوريا وغنى في عدة مدن ومنها مدينة حلب، كانت تلك المرة الأولى التي يغني فيها عبد الوهاب في حاضرة الشرق الاقتصادية والموسيقية، لكنها ظلت راسخة في باله طيلة حياته. 

كانت مدينة حلب مربط فرس التاريخ الاقتصادي والسياسي وحتى الموسيقي القديم

في حديث أجراه الإعلامي السوري نذير عقيل مع الموسيقار الشهير محمد عبد الوهاب في عام 1972، يروي لنا ملحن "الجندول" ما حدث معه قائلًا: "فصل يصح سرده الآن": عندما ذهبت إلى حلب كي أغني، كنت ذهبت مستأجرًا من قبل متعهد حفلات، ولما ذهبت وغنيت في أول حفلة على المسرح وجدت أن الجمهور الذي يسمعني لا يزيد عن 20 نفرًا من حلب، وهذا العدد في تياترو يسع لـ 2000 أو 3000 نفر، فصعقت واندهشت وانكسرت نفسي لأني شعرت أن هؤلاء "الحلبيين" لا يريدون أن يسمعوني، وغنيت أول حفلة، ووجدت أن من يسمعني ناس مخضرمون كبار في السن وليسوا صغارًا، كل واحد لا يقل فيهم عن 50 أو 60 سنة، وغنيت ووضعت غلّي في المغني كما يقولون وبقيت أغني. وفي ثاني حفلة لي في التياترو الذي حضر فيه 20 نفر في الحفلة الأولى، وجدت أن هناك 2000 نفر جالسين و2000 نفر واقفين لحضور الحفلة، فاندهشت وندهت للرجل متعهد الحفلة، وقلت له: إزاي الحفلة الأولى كان فيها عشرين نفر والنهارده فيه 2000-3000 نفر. فقال لي: هنا في حلب عندما يحضر مغني جديد لا يذهب الشعب كله، لكن يذهب للحفلة المستمع الموثوق فيه ويفهمون في الفن ويقدروه، فإذا ما أقروا المغني يأتي الشعب ثاني يوم ويسمعوه وإذا لم يقروه، يذهب المغني في داهية.. وما حصل لي: في حلب الحمد الله ما رحتش في داهية".

اقرأ/ي أيضًا: طيور مذعورة في حلب

يبدو أن "الداهية" التي نجا منها موسيقار بقامة عبد الوهاب في مدينة حلب عندما حكم لصالحه أهل الكار الذواقون من صانعي الذوق العام للشعب الحلبي، لن تنجو منه المدينة اليوم فأهل الكار القتلة من صانعي السياسات العالمية يرسمون لها "دواهي" شيطانية ويصبون جام حقدهم التاريخي على المدينة القديمة، التي لا تزال أقدم مدينة مأهولة في التاريخ البشري.

يشكل تاريخ حلب أحد أعقد التواريخ التي تربط تاريخ العالم القديم، فهذه المدينة الأقدم في التاريخ البشري كانت مربط فرس التاريخ الاقتصادي والسياسي وحتى الموسيقي القديم. حسب الدراسات الحديثة فإن مدينة حلب عمرها تم الكشف عنه في كتابات الملك يمحاض يخدون ليم التأسيسية التي تؤرخ بنهاية القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ويأتي ذكر اسم مدينة حلب في التاريخ نفسه تقريبًا، ولذلك كما يقول الدكتور فيصل عبد الله فإن مدينة حلب هي أقدم مدينة لا تزال مسكونة منذ ذلك التاريخ حتى عصرنا الحاضر، محافظة على اسمها الأكادي على مر العصور.

أما عن التاريخ الموسيقي العريق لمدينة حلب فأعتقد أنه يمتد إلى آلاف السنين، فقد كانت حلب، هي حافظة أسرار الموسيقى التي قدمها شعب ماري للعالم هناك حيث اكتشفت أقدم أوركسترا موسيقية في العالم كان المبدعون فيها من النساء، كما شهدت حضارة ماري على الفرات الأوسط "قرب مدينة البوكمال شرق سوريا حاليًا".

تعرضت حلب للدمار على يد التتار 1259، ويقال إن التتار لم يبقوا فيها مكانًا للسكن

وفي بحث قدم خلال المؤتمر الدولي 33 لعلماء الأشوريات، في باريس، في تموز/يوليو 1986 وموضوعه "المرأة في الشرق الأدنى في العصور القديمة"، بتنا نعرف أنه كان هناك علاقة متينة بين مملكة ماري ومملكة يمحاض شمال سوريا، وعاصمتها حلب كما كانت تسمى في ذلك العصر حيث كانت حلب حاضرة مملكة يمحاض الأمورية في سوريا الشمالية، وقد توطدت هذه العلاقة منذ عودة الملك زمري ليم ( 1780-1759 قبل الميلاد) إلى ماري واسترجاعه مملكة أبيه يخدون ليم التي اغتصبها الأشوريون منه، هذه العلاقة بدأت بعد زواج "دبلوماسي" شهير في تاريخ مدينتي ماري وحلب، جمع بين زمري ليم الشهير بعد تسلمه زمام السلطة في ماري، وشيبتو الأميرة الحلبية ابنة ياريم ليم ملك حلب/يمخاض. اللافت أنه وبعد لقاء الملك الحلبي ياريم ليم بوفد ملك ماري زمري ليم أنه بمقابل تزويج ابنته فإنه يريد: امرأة مقابل امرأة، لأنه كان يرغب بالحصول على مغنية من ماري تسمى كرناتوم.

اقرأ/ي أيضًا: يوميات الثورة في حلب

ويبدو أن الزواج الدبلوماسي مع الحلبيين كان معروفًا، فنصوص مدينة آلالاخ، تقودنا إلى نص مؤرخ في السنة التي كان فيها أميتكوم ملكًا على حلب، عندما اتخذ ابنة حاكم مدينة إيبلا (جنوب حلب) زوجة لابنه. والمعروف أن زواج الملوك كان وسيلة لتدعيم الروابط السياسة وهناك عدد من هذه الزيجات بين ملوك وحكام الممالك الأمورية المعاصرة في ذلك الوقت. واللافت أن النصوص المكتشفة في مدينة آلالاخ تبرز دورًا مهما للمرأة بخاصة ذات النسب الملكي، فهي تستطيع ممارسة التجارة لحسابها الخاص، تستطيع أن تكون شاهدًا ندا للرجل، ولها إرثها كما للرجل.

قوة مدينة حلب تكمن في أنها حافظت على وجودها ودورها التاريخي عبر العصور، رغم كل ما تعرض لها من مؤامرات للسيطرة عليها ومن دمار وخراب، فموقعها الاستراتيجي جعلها مهمة من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، والمعروف أنها كانت تتحكم بطريق التجارة العالمي الذي كان يعرف باسم "الممر السوري العظيم" منذ فجر التاريخ، كما يقول الدكتور شوقي شعث، رئيس متحف حلب الوطني وعضو اللجنة الدولية للحفاظ على التراث الحضاري الإسلامي، في كتابه "قلعة حلب": "وفي تسعينيات القرن الماضي اكتشف نص حثي هيروغليفي في تل أحمر، يعود تاريخه إلى القرن العاشر قبل الميلاد يذكر فيه ملك اسمه هاميتاس، كيف بنى مخازن للحبوب إلى الرب الحثي رب الصاعقة الحلبي تارهنزاس. وفي منتصف الألف الأول قبل الميلاد جعل الفرس الأخمينيون من حلب واحدة من أهم مراكزهم العسكرية في حروبهم على الجزر اليونانية، وفي تلك الفترة استعادت حلب سيطرتها على التجارة العالمية. إلى أن جاءت ردة الفعل من الغرب اليوناني بقيادة الإسكندر المقدوني ليثأر من الفرس عام 333 ق. م".

ظلت حلب على مر التاريخ حاضرة رغم انزوائها في بعض الفترات وعدم تصدرها المشهد السياسي الاقتصادي، ولعل الدمار الأبرز الذي تعرضت له هذه المدينة عظيمة كان على يد التتار 1259، حينها يقال إن التتار لم يبقوا في مدينة حلب مكانًا للسكن. اليوم حلب أيضًا تتعرض لأكبر حملة تترية في تاريخها حيث إن إيران/الفرس وروسيا تعملان فيها دمارًا وخرابًا، كيف لا وأطماع الحثيين والفرس بمواصلة لعبة السيطرة على سوريا لأنها موطئ قدمهم ما قبل الأخير للوصول إلى قلب القارة الأوروبية.
 
اقرأ/ي أيضًا:

مها حسن.. في "مترو حلب"

السهروردي مقتولًا في حلب