جورج سيدهم.. البهجة ترحل أيضًا

جورج سيدهم.. البهجة ترحل أيضًا

الفنان الراحل جورج سيدهم

في غمرة انشغال العالم بكورونا وانعكاساته على الحياة اليومية للكوكب، رحل الفنان الكبير جورج سيدهم عن عالمنا عن عمر ناهز 82 عامًا. انسحاب هادئ يتناسب مع حياته التي لم يقترب فيها من الكاميرات إلا في لحظات تصويره لأحد أعماله.

ولد سيدهم في مدينة جرجا في سوهاج، جنوبي مصر، في الثامن والعشرين من أيار/مايو عام 1938. كانت مصر حينها تعيش الحياة الملكية الهادئة، لكنه هدوء ما قبل العاصفة، حيث كانت المحروسة على موعد مع أحداث عديدة ستغير وجه الوطن، بدءًا من الحرب العالمية الثانية وليس إنتهاء بحركة الضباط الأحرار في تموز/يوليه 1952.

كان واضحًا منذ اللحظة الأولى أن الزراعة التي سيحترفها الشاب جورج سيدهم هي زراعة الضحك في قلوب الناس

بينما يجري شريط الأحداث، تخرج سيدهم من كلية الزراعة في 1961، ليتشارك ذات المؤهل مع كوكبة من المشاهير، يأتي على رأسهم الزعيم عادل إمام خريج الزراعة هو الآخر، ولكن أحدًا منهما لم يعمل فيها.

اقرأ/ي أيضًا: 10 أفلام تذكرك بالتاريخ الذهبي للزعيم عادل إمام

كان واضحًا منذ اللحظة الأولى أن الزراعة التي سيحترفها الشاب جورج أبيس سيدهم هي زراعة الضحك في قلوب المشاهدين والمستمتعين، وكانت البداية من الثلاثي الأشهر في تاريخ المسرح "ثلاثي أضواء المسرح"، والذي كونه المخرج محمد سالم من سمير غانم والضيف أحمد وجورج سيدهم.

ترك الثلاثي بصمة واضحة وضحكات مجلجلة ظلت خالدة رغم مرور الأيام والسنين، التناغم الموجود بينهم لا يبدأ حيث ينتهي، فضلًا عن الأداء التمثيلي المضحك والمبهر في آن، فإن حركاتهم الذكية فوق خشبة المسرح تجعل منهم "مسرحجية" على مستوى رفيع لا غبار عليه.

برز اسم الفرقة في ستينيات القرن الماضي حيث قدموا كل يمكن تقديمه من اسكتشات ومسرحيات ومسلسلات وفوازير وأفلام، خاض الثلاثي غمار كل شيء فنجحوا في كل شيء، بفضل موهبتهم الفذة وتميز المحتوي الذي يقدمونه، جماهيرية الفرقة وكثرة الطلب عليها دفعتها في بعض الأحيان إلى تقديم محتوى لا يليق بمستواها الفني الرفيع، ولكنها ظلت محتفظة ببريقها، الذي إن أطفأه عمل أضاءه الآخر.

قدم الثلاثي عديدًا من الأعمال فوق خشبة المسرح مثل: المتزوجون، أهلاً يا دكتور، كل واحد وله عفريت. كما قدموا إلى شاشة السينما كثيرًا من الأفلام مثل: العميل 77، القاهرة في الليل، لسنا ملائكة، وكذلك العديد من الفوازير والاسكتشات.

إلى أن أتت الطامة الكبرى بوفاة عضو الفرقة البارز الضيف أحمد في السادس من نيسان/أبريل عام 1970. استمرت الفرقة بعد رحيله لسنوات عدة، ولكن كان واضحًا أن هذه اللحظة لن تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه أبدًا، تصدع البنيان رغم محاولات إبقاءه، إلى أن أتى الانفصال الفني ليطيح بما تبقى من الفرقة جورج سيدهم وسمير غانم في العام 1983.

شارك سيدهم في العديد من الأعمال منفردًا ليثبت حضورًا جديدًا لا يختلف كثيرًا عن حضوره بين الثلاثي المرح، اختلفت المساحة الفنية عن تلك الممنوحة له من خلال فرقته، لكنه ظل محتفظًا بنفس الحضور الملفت وإن كان ما يشارك به مشهدًا واحدًا، ربما يكمن في هذا سر جورج سيدهم الأبدي الذي جعله يحيا حتى الآن.

الجميع يتذكر دوره كمعلق رياضي في فيلم "اونكل زيزو حبيبي"، رغم أن سيدهم ظهر كضيف شرف إلا أن لحظاته القليلة لم تفلح فقط في أن تمنحه ضحكات الجمهور وتصفيقهم، ولكن جعلته صاحب الدور الأبرز للمعلق الرياضي في السينما المصرية.

هيئة مميزة يمتلكها جورج، ليس في جهامة محمود المليجي، هو فقط ذو قدر من البدانة بملامح أقرب إلى الطفولة منها إلى القسوة، وبطبقة صوت رقيقة رخيمة، تعلو وتخفت على حسب المشهد، لكنها تبقى في كل الأحيان مضحكة، حتى وإن لم يتحدث جورج يبقى مضحكًا خفيفًا على القلب، وإضافة متفردة لأي عمل يشارك به، كبطل أو كضيف شرف.

تأخر زواج سيدهم إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حيث قرر الزواج أخيرًا من الطبيبة الصيدلانية ليندا مكرم، ليعيش بصحبتها حتى وفاته، قرابة الثلاثين عامًا قضاها سيدهم متنقلًا بين الشاشات والخشبات، لم يُكتب له أن يظهر في دور الجد، وذلك بعد انتهاء حياته الفنية مبكرًا على إثر جلطة في المخ أصيب بها في العام 1997، على إثر خيانة تعرض لها، وسبّبت له صدمة أخذت في طريقها ما تبقى من حياته.

ظل جورج سيدهم حبيس الكرسي المتحرك لقرابة الـ23 عامًا بقي خلالها بعيدًا عن ساحات الفن والإعلام

ظل جورج سيدهم حبيس الكرسي المتحرك لرابة الـ23 عامًا، بقي خلالها بعيدًا عن ساحات الفن والإعلام، إلى أن ظهر في إعلان تليفزيوني منذ سنوات بصحبة سمير غانم وشيرين فوق كرسيه، ليثير شجون الجميع ويلقي بالذكرى في قلوبهم، وربما بالدمعة في عيونهم.

اقرأ/ي أيضًا: محمود عبد العزيز.. في محبة الرجل الجميل

طيلة سنوات مرضه، ظل سيدهم بعيدًا عن الأضواء والفن ورعاية الدولة، بعيدًا عن العالم بأسره، قريبًا من زوجته ومحبيه، إلى أن رحل عن عالمنا في سلام، تاركًا وراءه فنه خالدًا وتمنيات بالسلامة.. مع السلامة يا عم جورج.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حكايات عن عمر الشريف في ذكرى رحيله

"محمود حميدة" فارس التمثيل الذي لم يجد حصانه