"جماهير التوتاليتارية" بين غوستاف لوبون وحنة آرندت

(Getty) نيويورك أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي

"إن الحركات التوتاليتارية تكون ممكنة أنى كان حثيما توجد الجماهير، التي انكشفت فيها شهية لا تقاوم إلى الانتظام السياسي، لسبب أو لآخر" (1)

  • حنة آرندت

 

استهوت ظاهرة "الجماهير" إثر أعمال الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931)؛ مؤسس علم نفسية الجماهير، وأعمال العالِمين الآخرين المعاصرين له؛ غابرييل تارد (1843-1904) وسيغموند فرويد (1856-1939) العديد من العلماء والباحثين أمثال عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار، وبول أديلمان وسيرج موسكوفيتشي. حتى إن البعض كما هو معروف في الأدبيات، استخدم فكر لوبون واستفاد من مؤلفاته من أجل فهم ظاهرة الجماهير في عدة سياقات، كالمؤرخ الفرنسي جورج لوفيفر، الذي وظّفها من أجل فهم الثورة الفرنسية، من خلال كتابه: "دراسات حول الثورة الفرنسية" المنشور عام 1954 (2).

اعتبر لوبون الجماهير امتدادًا للبرابرة الذين دمروا الحضارات القديمة التي بناها الأرستقراطيون القلة

ينطلق النص في تساؤلاته التي يطرحها محاولًا الإجابة عليها من المقولة الافتتاحية السابقة لحنة آرندت (1906-1975)، المنظرة السياسية اليهودية ذات الأصول الألمانية، التي جَمَعَتْ فيها ما بين ظاهرتين مرتبطتين ببعضهما وهما؛ ظاهرة التوتاليتارية (الشمولية) وظاهرة الجماهير. فلو قمنا بمراجعة وقراءة تفحصّية لكتاب "أسس التوتاليتارية" الصادر عام 1951، للفت انتباهنا توظيف آرندت هي أيضًا مصطلح الجماهير والاقتراب حتى من سيكولوجيتها، والاعتماد على مصطلح "الجماهير" بقوة من أجل فهم وتفسير الظاهرة التوتاليتارية، الأمر الذي يجعلنا نستحضر تلقائيًا أطروحات وتصورات غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" الصادر منذ عام 1895.

اقرأ/ي أيضًا: الصفح.. ذلك المستحيل الممكن

فكيف فهم كلّ من غوستاف لوبون وحنة آرندت "الجماهير"؟ وكيف استخدمت آرندت مصطلح "الجماهير" و"أدبيات" سيكولوجية الجماهير من أجل تشريح التوتاليتارية؟ هذا ما يحاول النص الإجابة عليه.

كيف فهم غوستاف لوبون "الجماهير"؟

من منطلق برجوازي، استهل لوبون كتابه "سيكولوجية الجماهير" (1895) بسؤال حول ماهية الأفكار الأساسية التي ستنهض عليها المجتمعات المقبلة، وتنبأ منذ ذلك الحين بضرورة التفكير جيدًا بقوة الجماهير وجبروتها المتعاظمة، باعتبارها القوة الوحيدة التي سوف لن يهددها أي شيء، والقادرة على تغيير السياسة التقليدية للدول، وبأن العصر القادم هو عصر الجماهير، إن لم يمنع الحكام مجيء هذا العصر.

  1. جذور الجماهير وأنواعها

اعتبر لوبون الجماهير امتدادًا للبرابرة الذين دمروا الحضارات القديمة التي بناها الأرستقراطيون القلة، باعتبار أن الجماهير هي "الكثرة اللاواعية والعنيفة"(3) والجاهلة المتروكة لذاتها والفاقدة للذكاء والفطنة في طبيعتها، وغير المسؤولة، والتي تستخدم قوتها العمياء من أجل الهدم والتدمير فقط.

استدرك لوبون قلمه بعد هنيهة ليقول بأن الجماهير نوعان؛ جماهير متجانسة -يدرسها هو- (على أساس: الطوائف/الزمر/الطبقات) وجماهير غير متجانسة (جماهير مُغْفلَة/غير مُغْفلَة)، وأن الجماهير ليست رديئة ومجرمة جميعها، بل هناك جماهير فاضلة وجماهير بطلة، وما إلى هنالك من جماهير، وبأن حالة الجماهير نابعة من نفسيتها، حيث تعلو وتبهط مكانتها وحس المسؤولية لديها على أساس عددها وجنسها وعرقها وطبقتها.

  1. كيف يُعرّف لوبون الجماهير؟

يعرّف لوبون الجمهور في معناه المجرّد بأنه تجمّع لمجموعة من الأفراد بغض النظر عن هويتهم القومية أو جسنهم أو مهنتهم، وأيًّا تكن المصادفة التي أدت لتجمّهم. وبإضافة المنحى النفسي، يصبح الجمهور حسب لوبون؛ تكتلًا من البشر ذي خصائص جديدة مختلفة عن تلك التي كانت تشكل الأفراد قبل تكتّلهم واجتماعهم -من غير مصادفة- على هدف محدد، حيث يصبح الأفراد عندئذ: كينونة واحدة -وإن اختلفت طبقتهم ومكانهم الجغرافي- تذوب وتتحول فيها عواطفهم وشخصيتهم وأفكارهم وكفاءاتهم العقلية الفردية، ويصبحون روحًا جماعية واحدة عابرة، ومؤقتة، ومنوَّمة مغناطيسيًا، وموجهة في نفس الاتجاه. وبذلك فمفتاح قيادة الجماهير برأيه هو القدرة على معرفة روحها ونفسيتها بعمق، وهذا ما يساعد في فهم وتحديد مدى عجزها عن تشكيل رأيها الشخصي، غير الذي يُلقّن لها ويوحى إليها.

  1. عواطف الجماهير ومخيلتها

لا يركز لوبون على شيء كما يركّز على عواطف الجماهير، لا سيما سرعة انفعالها ونزقها وتقلباتها الكثيرة، معتبرا بأن ذلك ناجم عن تأثّرها بالمحرضات الخارجية لا الذاتية، وخصوعها العبودي للقوة والهيمنة التي تُهذّبها وتمحي مصلحتها الشخصية. ويتحدث عن سرعة تأثرها وسذاجتها وتصديقها للأوهام، عبر تأثير الصور التي تُثار في مخيّلتها والتي تعتبرها بمثابة حقائق واقعة، لذلك فعواطفها متضخمة ومتطرفة باستمرار. ويعتقد أيضًا بأن الجماهير في غريزتها معادية للتقدم والتغيير، وبأنها متعصبة واستبدادية ومحافظة إلى حد كبير، ولا مبالية في نفس الوقت فيما يتعلق بآرائها تجاه معظم المواضيع. وأن أهم عامل يؤخر ساعة انهيار الحضارات أو الأفكار القوية والمهيمنة هو تلك الحركية الهائلة لآراء الجماهير واللامبالاة المتزايدة لديها.

لا يركز لوبون على شيء كما يركّز على عواطف الجماهير، لا سيما سرعة انفعالها ونزقها وتقلباتها الكثيرة

ليس ذلك فقط، فأفكار الجماهير حسب لوبون متناقضة، والجماهير نفسها لديها قوة مخيّلة عظيمة وقدرة خاصة على التفكير بواسطة الشعارات (كالصور والكلمات والعبارات)، وإن كانت تلك الشعارات غير مترابطة. والجماهير تتأثر بشكل عجيب بالخرافات وبالجانب الساحر في الأشياء، فهي دائما تفضل الوهم عن الحقيقة، وهذا هو أساس قوة رجالات الدولة على مر التاريخ باعتقاده. ويرى كذلك بأن الجماهير لا تتأثر بالمحاججات العقلية والمنطقية، حيث التأثير لا يمكن أن يحصل إلا عبر إثارة عواطفها اللاواعية.

  1. آراء الجماهير ومحركوها، ووسائل إقناعها

يميّز لوبون ما بين العقائد الإيمانية الكبرى للجماهير وآرائها، فالعقائد الكبرى تدوم لقرون وتمثل الهيكل العظمي للجماهير وعماد الحضارات، لذلك فمن الصعب تغييرها، أما الآراء، فهي ما يمكن العمل عليه وتشكيله وتحويله إلى عقيدة، لكن من الصعب ترسيخ تلك العقيدة أيضًا، أو تدميرها بسرعة بعد تشكّلها، فقد تستمر لمدة جيل كامل. ولكن بمجرد خلق هذه العقيدة الجديدة في روح الجماهير، تصبح مهيمِنة بشكل مطلق عليها، ويحلم الجميع حينها بممارستها وترجمتها، بدءا بالمشرعين ومرورا بالفلاسفة والفنانين والأدباء.

اقرأ/ي أيضًا: حنة آرندت.. فيلسوفة تفكيك الشمولية

أما عامل تحريك تلك"القطعان" الجماهيرية حسب لوبون، فهو وجود قائد "ساحر" قادر على خلق الإيمان فيها، وتأسيس تنظيم لها، وصهر آرائها وتحويلها من خلال فكرته وإرادته وهيبته الشخصية وجاذبيته المغناطيسية واستبداده وطغيانه، إلى جانب وسائل العمل الأخرى، كأساليب؛ التأكيد من غير محاججة عقلية، والتكرار المستمر، والعدوى التي تنتشر بين الطبقات الدنيا وترتفع تدريجيا نحو الأعلى، حتى يصبح الجميع متساوٍ في استعداده للتضحية بمصالحه الشخصية وبعائلته وحتى بنفسه من أجل الفكرة والقائد. حيث إنه بمجرد موت ذلك القائد الكاريزمي المستبد، فإن الجمهور يتحول إلى تجمع بشري قافد للتماسك والمقاومة إلى حين وجود بديل مماثل له ومشابه.


غوستاف لوبون

فإذا كان هذا فهم غوستاف لوبون للجماهير، فكيف فهمتها حنة آرندت؟

حنة آرندت و"الجماهير"

أول إشارة لمصطلح الجماهير في كتاب آرندت "أسس التوتاليتارية" كان في مقدمة الكتاب، في معرض حديثها عن الشرط الأساسي للاستبداد الكلي، وهو "تحويل الطبقات إلى جماهير وإلغاء كل تضامن ما بين الجماعات إلغاءً متوازيًا" (4)، كما فعل ستالين مثلًا، خلال خطته الخمسية الأولى. وقد خصصت أردنت فصلًا كاملا لعبارة "تحول الطبقات" وأفردت قسمًا خاصًا بالجماهير في الفصل الخاص بتحوّل الطبقات.

تشير آرندت إلى أن "عبارة الجماهير تنطبق تمامًا على الناس الذين عجزوا، لسبب أعدادهم المحضة، أو لسبب اللامبالاة، أم للسببين معًا، عن الانخراط في أي التنظيمات القائمة على الصالح المشترك -أكانت أحزابًا سياسية، أم مجالس بلدية، أو تنظيمات مهنية أو نقابية" (5)، فالجماهير حسب آرندت يمكن أن توجد بقوة في كل الدول، حيث تشكل غالبية الشرائح الواسعة من الناس الحياديين، غير المبالين سياسيًا والفارغين أيديولوجيا، وأولئك الذين لا يصوّتون إلا نادرًا ولا ينتمون إلى أي حزب. وبهذا تنطلق آرندت من الفهم "اللوبوني" الوصفي العام المجرّد والواسع والمتطرف في سلبيته لمعنى "الجماهير"، إلى فهم أكثر تحديدًا وتأطيرًا وارتباطًا بالواقع المعاش، فتعرّف الجماهير بشكل مباشر من خلال بيئة الاستبداد الكلي ومن زاوية الدور السياسي لتلك الجماهير، باعتبارها اي الجماهير فئة معينة من الشعب أو طبقة من طبقات المجتمع والتي تشكل الحاضنة الشعبية للحزب المهيمن.

  1. رجل الجمهور ونشأة الجماهير وقادتها

أهم ميزة في رجل الجمهور حسب اعتقاد آرندت ليست فظاظته وتخلفه العقلي -كما يعتقد لوبون- على حد قولها، وإنما انعزاله والنقص في علاقاته الاجتماعية السوية. فالجماهير نشأت في وجهة نظرها من "مجتمع طبقات بلغت فيه التشققات مبلغًا بحيث لا يلحم أجزاءه إلا الشعور الوطني المشتدد"(6) المتسم بالعنف الشديد، حيث تؤكد آرندت -على عكس لوبون هنا- بأن معايير رجل الجمهور لا تحدّده الطبقة التي كان ينتمي إليها فقط ولا بشكل رئيسي، وإنما القناعات وعدوى التأثيرات التي تتناقلها كل طبقات المجتمع بصورة غير واعية. وترى في المقابل بأن قادة الجماهير الأكثر موهبة في العالم مثل هلتر؛ لم يخرجوا من صلب الجماهير بقدر ما خرجوا من صلب الرعاع.

  1. تقلبات الجماهير وعماد بقاء القادة

تتحدث آردنت عن تقلبات الجماهير وخاصية النسيان لديها، من منطلق هاجس الحركة التوتاليتارية الدائم في الحركة المستمرة، حيث إن ما يفسر بقاء التوتاليتارية في السلطة هو مقدار حركتها وتحريكها وتذكيرها الدائم لمن حولها من الجماهير، باعتبار أن القادة ما كانوا ليلبثوا في السلطة ويصمدوا في وجه الأزمات الداخلية والخارجية لولا ثقة تلك الجماهير ورضاها وتأييدها، فمن دون الجماهير لا وجود للقادة. وهنا تختلف آرندت مع لوبون، حيث تنطلق هي من الإطار التوتاليتاري المحدد، وتعتبر الجماهير شرطًا أساسيًا لبقاء القادة التوتاليتاريين، بينما يعتبر لوبون الجماهير في المقابل مصدر تهديد للحكام وللسياسة التقليدية للدولة، على الرغم من تأكيده في موضع آخر على خاصية خضوع الجماهير الطوعي للحكام. ويقول أندريه سيغفريد في هذا الشأن، أن معظم أفكار لوبون فيما يخص الجماهير وميلها نحو الخضوع الطوعي قد تحقّقت صحتها مع الوقت، مستشهدًا بما تقوله حنة آرندت "إن واقع كون النظام التوتاليتاري على الرغم من جرائمه الظاهرة للعيان قد استند إلى الجماهير هو أمر مقلق للغاية" (7).

  1. لامبالاة الجماهير وسهولة تنظيمها

تستعير آرندت كلمة الدهماء والرعاع لوهلة -مع تمييزها ما بين الجماهير والرعاع لاحقًا- من أجل وصف افتتان الجماهير بالشر وبالجريمة وترحيبهم بأعمال العنف وإعجابهم بها. وترى بأن خاصية اللامبالاة الصادقة والولاء غير المشروط وغير المتبدّل لدى جماهير الحركة التوتاليتارية وأعضائها هي العوامل الأكثر أهمية في سيرورة التوتاليتارية، فاللامبالاة لدى الجماهير تصل إلى حد إبطال مصالحها الشخصية الفردية، إلى حدّ أن لا يرفّ لتلك الجماهير جفن إذا ما شرع "الغول" في افتراس أبنائهم أو صاروا أنفسهم ضحية الاضطهاد، حتى إن الواحد منهم مستعد لإعانة متهميه في أن يلفظ حكم إعدامه بلسانه. فـ"إنسان الجمهور" يشعر بأنه غير ذي نفع على العموم، لأنه عديم القيمة في نظر نفسه. وهنا تتشابه آرندت ولوبون إلى حد كبير في تصورهما حول الجماهير فيما يتعلق بمسألة الشر والعنف واللامبالاة الصادقة واللامتناهية لديهم.

تخبرنا آرندت بأن الحركات التوتاليتارية تسعى دومًا لتنظيم الجماهير وتنجح في ذلك، حيث لا يمكن أن تكون إلا حيثما توجد الجماهير

تخبرنا آرندت بأن الحركات التوتاليتارية تسعى دومًا لتنظيم الجماهير وتنجح في ذلك، حيث لا يمكن أن تكون إلا حيثما توجد الجماهير، لا سيما تلك التي بدت عليها رغبة عارمة في الانتظام السياسي لأي سبب كان، وبالتالي فما يوحدها هو ليس الوعي بمصالحها المشتركة النابعة عن إدراكها لأهدافها الخاصة والمحددة والقابلة للتحقق. وتضرب مثلًا حول الحركة النازية والحركات الشيوعية في أوروبا بعد عام 1930، وكيف اجتذبت إليها الجماهير غير المبالية الذين رفضتهم الأحزاب الأخرى لبلادتهم أو حماقتهم، والذين لم يسبق لهم ان انتظموا سياسيًّا.

  1. الجماهير والحملة الدعائية للتوتاليتارية

كما أشرنا سابقًا، فإن آرندت تميّز ما بين الرعاع والجماهير، فالرعاع والنخبة كما تقول هما وحدهما من تجتذبهم انطلاقة التوتاليتارية، أما الجماهير فما يجذبها هو الدعاية، التي تقطع الصلة بين الجماهير وبين العالم الواقعي وتساعد في تنظيم الجماهير لا في إقناعها. أما بالنسبة لمسألة التكرار في الحملات الدعائية -والتي تحدث عنها لوبون أيضًا- فتعتقد بأن أهميتها لا تنبع فقط من كون الجماهير لا تمتلك القدرة على الفهم والتذكر، وإنما لأن التكرار "لا يكتسب أهميته إلا لكونه يُقنع الجماهير بتماسك ظاهرة ما في الزمن" (8). وعلى عكس لوبون، فإن آرندت ترى بأن الجماهير تصرّ على طلب التقدّم والانتصار لذاتهما، وفي شكلهما المجرّد تمامًا؛ بمعنى أن الجماهير لا يهمها القضية التي قد تنتصر فيها أو المشروع الذي ستتقدم فيه، لكن ما يهمها هو الانتصار نفسه في أية قضية، والتقدّم نفسه في أي مشروع. وترى أيضًا بأن أعضاء الحركة التوتاليتارية وجماهيرها لا يدركون ضعف الحملة الدعائية إلا ساعة الهزيمة، فيغادرون حينئذ صفوف الحركة خائبين ليبحثوا عن توهم آخر واعد، وهذا توصيف شبيه إلى حد كبير بالذي تقدم به لوبون في هذا الخصوص.

اقرأ/ي أيضًا: الثورات العربية بين التحرر والحرية

  1. مخيلة الجماهير

تتقارب وتختلف آرندت مع لوبون في نفس الوقت فيما يتعلق بتصور كلّ منهما حول مخيلة الجماهير، فآرندت تعتقد بأن إحدى أهم خصائص الجماهير "المعاصرة"، هو عدم اعتقادها بأي شيء مرئي، حتى لو اختبرته بنفسها، فهي لا تثق بعيونها ولا بسمعها، إنما بمحض مخيلتها، فهي بالتالي لا تقتنع بالوقائع، وما يهمها هو تماسك النظام. والجماهير حسب آرندت لديها هاجس دائم بالرغبة في تجنب الواقع والانتفاضة ضده وضد كل معقوليات العالم، والتعطش إلى الوهم نتيجة لتشظيها وانسلاخها الروحي وفقدانها موقعها الاجتماعي، الذي كان ليهبها ويُشعرها بالحس المشترك، فهي مستعدة للتضحية غاليا عبر الانسلاخ عن الواقع، لا لأنها غبية، بل لأن ذلك الانسلاخ يوفر لها شيئًا من الاحترام لذاتها، في خضّم كارثتها العميمة وعالمها المرعب المتخيّل تمامًا.


حنة آرندت

مصطلح "الجماهير" و"أدبيات" سيكولوجية الجماهير كأدوات لتشريح التوتاليتارية

لم تكن آرندت الوحيدة التي لجأت إلى أعمال لوبون من أجل فهم وتفسير التوتاليتارية (الشمولية)، إنما سبقها على ذلك كما يذكر (هاشم صالح) في تقديمه لكتاب "سيكولوجية الجماهير"؛ موسكوفيتشي، عالم النفس الفرنسي المولود في رومانيا، ومِن قبلِه بعض المفكرين الألمان أمثال بروخ وشومبيتر وأدورنو، الذين عادوا لنظرية لوبون من أجل فهم الظاهرة التوتاليتارية (الفاشية بالتحديد) ومحاربتها. حيث ذهب أدورنو للتساؤل حول إمكانية توظيف سيكولوجية الجماهير من أجل فهم الحركات السياسية غير الفاشية أيضًا، والتي تبحث عن دعم الجماهير وتحاول تجييشها (9).

وبذلك، يمكننا القول بكل ثبات، بأن آرندت هي أيضًا استعانت بمصطلح الجماهير وبسيكولوجية الجماهير كأدوات عملية لتشريح التوتاليتارية المتمثلة في رأيها عبر الحركة النازية في ألمانيا والحركات السوفييتية في أوروبا (لا سيما روسيا الشيوعية تحت حكم ستالين)، وكيفية تشكلها، وعناصرها، وحملتها الدعائية، وتنظيمها، وأيدلوجيتها. فلا يمكن الحديث عن المنتمين إلى الحركات التوتاليتارية من غير تقديم تصور واضح حول مصطلح الجماهير والاستعانة بأدبياته، فالجمهور في تلك الحركات هو عنصر أساسي في عملية تشكّلها وضمان استمراريتها.

فالظاهرة الجماهيرية، حسب غيوم سيبرتان الباحث الفرنسي في مجال الفلسفة السياسية؛ هي موضوع عملية الهيمنة الشمولية، والتي حاولت آرندت فهم شكل الحزب السياسي انطلاقًا منها (10). وفي هذا تقول آردنت بأن جمهور التوتاليتارية تشكّل عبر الوقت، من خلال التحالف الذي قام بفضل نشاطوية الحركة التوتاليتارية بين الرعاع (جماهير القرن التاسع عشر) والنخبة، حيث أدى هذا التحالف إلى تحوّل الطرفين (تحول مجتمع الطبقات) إلى طرف ثالث جديد هو جمهور الحركة التوتاليتارية اللامبالي والمنتظم سياسيًا بعد فراغه الأيدلولوجي. ولم تعتمد آرندت على مصطلح الجماهير فحسب، بل استعانت أيضًا بعلم نفس الجماهير من أجل فهم الجماهير، وفهم شكل وطبيعة وأدوات الحملات الدعائية التي كانت تقوم بها الحركات التوتاليتارية لاستقطاب الجماهير وتنظيمها وتذكيرها؛ عبر التكرار والخرافة المدموجة مع عناصر من الواقع.

استعانت حنا آردنت بمصطلح الجماهير وبسيكولوجية الجماهير كأدوات عملية لتشريح التوتاليتارية 

وهذا فعلا ما تعترف به آردنت بشكل غير مباشر في كتابها "أسس التوتاليتارية"، بأن عددًا من فلاسفة ورجال الدولة في أوروبا قد تنبؤا منذ بدايات القرن التاسع عشر بولادة "رجل الجمهور" وحلول عصر الجماهير، وبوجود أدب قائم بذاته حول الجماهير ونفسيتها ومسلكها، وبأن هؤلاء المؤلفين قد مهدوا الطريق فعلًا أمام المفكرين الغربيين في هذا المجال، إلا أنه وعلى الرغم من تحقق صحة تلك التنبؤات فإن ذلك الأدب حسب آرندت قد خسر الكثير من دلالاته أمام الظواهر الجديدة غير المتوقعة المتعلقة بالجماهير، كالغياب الجذري للاهتمام بالمصلحة الشخصية، وحالة اللامبالاة العجيبة التي يشوبها السأم والتهكم تجاه النكبات الشخصية وحتى تجاه الموت، بالإضافة إلى الاحتقار الكامل لجميع قواعد الرشاد البديهية وتقديراتها النفعية والميل الكبير إلى اعتماد التصورات الأكثر تجردًا وفراغًا كقواعد حياة، وهذه هي مساهمتها الرئيسية ربما فيما يتعلق بمصطلح الجماهير. لكنها على الرغم من ادعائها السابق في بداية كتابها، إلا أنها لم تجد مدخلًا آخر غير أدب علم نفس الجماهير من أجل تفسير تلك الظواهر المتعلقة بتدمير الشخصية الأخلاقية في الجماهير، وكذا القانونية، وصولًا إلى الفردية، فتقول: "وفي هذا الصدد نرتئي استحضار بعض قوانين علم نفس الجماهير لنفسر السبب الذي دعا ملايين من الكائنات البشرية أن تنساق دون مقاومة إلى غرف الغاز" (11).

الختام

يمكن القول نهاية بأنه وعلى الرغم من الاختلافات غير الجوهرية في فهم كل من لوبون وآرندت لظاهرة الجماهير وواقعها، إلا أن نقطة انطلاق فهم كل منهما كانت مختلفة تمامًا، فواسعة، وبرجوازية، ويمينية عنصرية، ومشجّعة لطغيان الحكام والأنظمة لدى لوبون، ومحدَّدة، وتفسيرية، ونقديّة مُعرّية للأنظمة التوتاليتارية لدى آرندت.

اقرأ/ي أيضًا: طيب تيزيني.. ناقد الثقافة والاستبداد

يمكن القول أيضًا، بأن لوبون استطاع تأسيس مخيلة توتاليتارية عبر "سيكولوجية الجماهير" ألهمت وحرّكت وبلورت نزعة الشرّ لدى القادة الطغاة وأنظمة الاستبداد الكلي من بعده، إلا أنها ساعدت المفكرين والباحثين في نفس الوقت على دراسة تلك الجماهير -التي أسس لها نظريًا أو على الأقل تنبّئ بمجيء عصرها- وفهمها بناءً على ما جاء به لوبون من "أدب سلبي" حول كيفية حكم تلك الجماهير والحؤول دون مجيء عصرها، كجماهير فاعلة إيجابيًا.

 

الهوامش:

1- حنة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد (بيروت: دار الساقي، 2016)، ص36.

2- هاشم صالح، مقدمة إلى علم النفس الاجتماعي وفكر غوستاف لوبون، في: غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1991)، ص 12، 13، 15.

3- غوستاف لوبون، ص 47.

4- حنة أرندت، مرجع سابق، ص 17.

5- مرجع سابق، ص 36-37.

6- مرجع سابق، ص 46.

7- عاطف المولي، تقديم مراجع كتاب روح الشعوب، في: أندريه سيغفريد، روح الشعوب، ترجمة عاطف المولى (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 12.

8- حنة أرندت، مرجع سابق، ص 92.

9- هاشم صالح، مرجع سابق، ص 25، 26.

10- غيوم سيبرتان، الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ترجمة عز الدين الخطابي، مراجعة جورج كتورة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 260.

11- حنة آرندت ، مرجع سابق، ص 233.

 

المراجع

1- آرندت، حنة. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد. بيروت: دار الساقي، 2016.

2- صالح، هاشم. مقدمة إلى علم النفس الاجتماعي وفكر غوستاف لوبون، في: غوستاف لوبون. سيكولوجية الجماهير. ترجمة وتقديم هاشم صالح. بيروت: دار الساقي، 1991.

3- لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة وتقديم هاشم صالح. بيروت: دار الساقي، 1991.

4- المولى، عاطف. تقديم مراجع كتاب روح الشعوب، في: أندريه سيغفريد. روح الشعوب. ترجمة عاطف المولى. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

5- سيبرتان، غيوم. الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ترجمة عز الدين الخطابي. مراجعة جورج كتورة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في نفسية الطاغية

اقتلوا الطاغية الذي نحيا بفضله!