فيلم

فيلم "حنا آرندت"..سيرة فيلسوفة لم ترض عنها "إسرائيل"

لقطة من الفيلم

هذه المرة سأتحدث عن فيلم قديم، شاهدته في مرحلتي الجامعية لكنه ترك بي من التأثير ما استثارني وجعلني أعيد الكرة بمشاهدته، وإني أجد في أفلام السيرة متعة خاصة ومسؤولية وجدانية أتحمل عبأها كوني أتخيل أن ما يحدث هنا كان حقيقية فعلًا، أو على الأقل جزء لا بأس به منه.

"حنا آرندت" هو فيلم سيرة ذاتية، تم اصداره عام 2012 م، وهو فيلم ألماني من إخراج مارغريت فون تروتا، وكتابة بام كاتز

لذلك فإنني لا أذكر فيلم سيرةٍ خرجت منه سالمة أو عدت للنوم ببساطة، لأنه يثقل كاهلي وقلبي سويًا بأن كل ما جرى هنا محتمل وعلى رف التاريخ اتخذ مكانه وبالغ في أهميته ليتصدر السينما.

الفيلم سيرة ذاتية، ويحمل نفس اسم الشخصية التي يروي مرحلة مهمة من حياتها، يروي لنا عن "حنّا أرندت" أو "آرنت" بحسب اللفظ، تم إصدار الفيلم عام 2012 م وهو فيلم ألماني من إخراج مارغريت فون تروتا، وكتابة بام كاتز، وبطولة باربرا زوكوفا التي أدت دور "حنا" بإتقان بالغ.

كما نلاحظ فكادر الفيلم ولغته الأصلية -غير العبرية والإنجليزية- هي الألمانية، ذلك على اعتبار "حنا آرندت " اليهودية الديانة، فردًا وإنتاجًا ألمانيًا بامتياز، وفي تعريف بسيط عن "حنا آرندت"، حتى نفهم ملابسات هذه المسألة وما يجري في أحداث الفيلم، فإن حنا آرندت (1906-1975م) منظرة سياسية وكاتبة وأستاذة جامعية أوشكت على الحصول على لقب فيلسوفة في عصرها، يهودية الأصل وعانت من الجرائم النازية الكثير، حتى انتهى بها الحال كلاجئة في أمريكا، وأخذت الجنسية الأمريكية بعد بقائها 14 عامًا بلا جنسية. 

اقرأ/ي أيضًا: لماذا نحتاج أن نشاهد فيلم براد بيت الجديد "War Machine"؟

أهم أعمال "آرندت" هو كتابها الشهير "أصول الشمولية"، أما الفيلم فقد تناول قصة كتاب آخر لها وهو "أيخمان في القدس"، الذي صدر بعد فترة من الأحداث -التي يدور حولها الفيلم- عن قصة تغطية "حنا آرندت" ككاتبة وعالمة سياسية لمحاكمة نازي تم اختطافه من قبل الموساد الإسرائيلي، وقررت "حكومة إسرائيل" محاكمته بعد كل تلك السنوات، وتحميله ذنب كل الجرائم النازية، باعتباره كان فردًا من أفراد الجيش الألماني تحت إمرة أدولف هتلر.

اعتبرت "آرندت" في تقريرها الذي نشر في صحيفة "نيويوركر"، أن هذه المحاكمة عبارة عن مسرحية درامية عُني بها بن غوريون للحصول على المزيد من الدعم المالي، وأوضحت في تقريرها دلائل كثيرة على تعاونات وُجدت للقادة الصهاينة مع النازيين، بحيث اعتبرتهم آرندت اجرموا بحق اليهود أكثر من ذلك الجندي معدوم الشخصية، المنفذ للأوامر دون حتى أدنى قدرة على التفكير.

ومن هنا ولدت وجهة نظر "آرندت" في الشر والشعوب والإنسان مقابل الدولة، هي رأت أن "أدولف آيخمن "لا شيء، ولا حتى مجرم، إنه أقل من أن يحتمل كل تلك الصفات، عن العداء للسامية، أو النازية، أو حتى نعته بالسفاح ، هي أكدت على ضرورية الرؤية الصحيحة والتمييز بين الدمى واللاعبين، وهي لم ترَ في "أيخمن" أكثر من فرد ساذج محكوم بالبيروقراطية.

لكن موجة غضب عارمة انهالت على حنا آرندت الفيلسوفة بعد نشر تقريرها، الذي بالحقيقية لم تتم قراءته وتأمله بشكل صحيح من غالبية من هاجموها وراسلوها، وهذه هي عادة الشعوب والعامة قبالة هكذا قضايا، نحن نتحمس ونغضب ونثور، على رموز وأفكار لم نصنعها نحن حتى، ودون أن نكلف نفسنا عناء القراءة أو التفكير بالمسألة بالشكل الصحيح، نحاكم ونتوعد ونُخوّن بسهولة، هذه طبيعة الشعوب.

أهم أعمال "آرندت" هو كتابها الشهير "أصول الشمولية"، أما فيلم "حنا آرندت" فقد تناول قصة كتاب آخر لها وهو "أيخمان في القدس"

وصلت حدة الأمر لاختفاء حنا آرندت عن العيون، وحتى التهديد بطردها من الجامعة، كما هددتها "إسرائيل" وطلبت منها التراجع عن موقفها، ووصل الأمر لتخلي أقرب أصدقائها عنها، الأمر الذي آلم حنا آرندت بشدة، حيث حاولت "آرندت" جاهدة الحفاظ على أصدقائها ولكن دون أي تغير في موقفها أو تراجع، محاولة تثبيت فكرة الفصل بين الفرد وتفكيره الخاص وبين ما تفرضه عليه الجماعة أو القوة المسيطرة الخارجية لتؤثر حتى على عواطفه وعلاقاته.

أما عداوة الصهاينة وأبناء ديانتها فقد كانت متطورة إلى مرحلة خطيرة من التخوين والتهديد، إلا أن كل ذلك لم يجعل حنا آرندت تتراجع عن مواقفها، خاصة وأنها لا تعترف بما يسمى "شعوب"، هي لا تعترف إلا بالإنسان وفقط، وهذا ما يقوله كذلك الكاتب العظيم برنارد شو.

يحمل الفيلم من الحوارات الذكية والممتعة، ومن دفء المشاهد العاطفية وخفتها، ما يمنع جفنيك عن الرمش أو عن إهدار أي من مشاهده دون تركيز عالٍ، وتتساءل أهو اتقان الكادر أم سحر الشخصية الأصلية وغناها هو من يفعل بك ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم Beauty and The Beast: وردة ديزني الحمراء

لكن بالتأكيد فإن حنا آرندت اليهودية -وأنا الفلسيطينة من الأرض المحتلة أعترف- قد أبدعت فيما وضعته من نظريات وجودية واجتماعية/سياسية وردت في هذا الفيلم ضمن حواراته أو مما قرأته لها، والتي توضح أهمية الإنسان كفرد قبل أي مسمى أو تصنيف، قبل تشكيله بعد ذلك بحسب السياسات، ومن يبحث في تاريخ هذه الفيلسوفة سيجد لها الكثير في التاريخ ضد أفعال "إسرائيل" التي منعت الترجمة لها أو إدخال كتبها إلى المعاهد الاسرائيلية.

ومما يجب التنويه له أن ذلك ليس سبب اعجابي بها على نحو ما يُقال "عدو عدوي صديقي" ، لأننا كفلسطينيين الآن، أرانا نعيد الشريط اليهودي بامتياز، ولكن هذه المرة فإن الإسرائيليين هم من يمثلون النازية ونحن الشعب المشتت في داخله وخارجه نعاني خيانة القادة وضعف الأفراد ووحشية العدو الذي عانى في الماضي ولم يستفد من معاناته شيئًا في تعلم الإنسانية، وهذا هو ما تؤكده آرندت في آخر مواقفها من "إسرائيل" .

يحمل فيلم "حنا آرندت" من الحوارات الذكية ومن دفء المشاهد وخفتها، ما يمنع جفنيك عن الرمش أو عن إهدار أي من مشاهده دون تركيز عالٍ

كذلك فإن قصة الفيلم في تناولها على نطاق أوسع، وهو الإنسان، تذكرك وترسخ في ذهنك مصائر الكثير من العلماء والفلاسفة والكتاب منذ غابر الأزمان وحتى يومنا هذا، ومن كل القوميات، يتعرضون لذات السيرة في كل رأي لهم وموقف مخالف للجماعة أو ماسًا لإحدى عجولهم الدينية أو الرمزية التي قرروا أن يعبدوها ويقدسوها دون أدنى فكرة أو منطق.

حظى الفيلم على نجاحٍ باهر وإيراداتٍ عالية، كما حصل على خمسة جوائز دولية، ورشح إلى سبعة عشر، كما أن تقييمه على موقع الأفلام "IMDB" هو 7.1، أما على "rottentomatoes" فقد حصل فيه على تقييم 88%، لذلك فإنك لن تفتأ تنتهي من الفيلم حتى تخرج عطشًا لشخصية عظيمة وملهمة مثل "حنا آرندت".

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا يحب الناس الأبطال الخارقين وأفلامهم؟ 10 أسباب تخبرك (1-2)

5 من أجمل أفلام توم هانكس عليك مشاهدتها