الثورات العربية بين التحرر والحرية

الثورات العربية بين التحرر والحرية

قرب وزارة الدفاع في القاهرة نيسان/أبريل 2012 (Getty)

 كتابها المهم "في الثورة"، ذهبت الفيلسوفة الألمانية الشهيرة حنة أرنت، إلى القول "إن التحرر والحرية ليسا مثل بعضهما، وإن التحرر قد يكون شرط الحرية ولكنه لا يقود إليها آليًا". يبدو أنّ انتفاضات وثورات "الربيع العربي"، قدمت وتقدم وقائع عيانية تثبت تلك المقولة.

سرعان ما وئدت التجربة الأهم لكلّ فرد من شابّات وشباب الثورات، في أن تكون حرةً ويكون حرًّا

في معظم بلدان "الربيع العربي"، سواء التي نجحت في إزاحة ديكتاتورييها والتحرّر من سطوتهم، كما في اليمن وليبيا، أو الأخرى التي لم تنجز بعد هذه المهمة، على نحو ما يجري في سوريا، آلت "الثورات" إلى ضروب من الفوضى والتدخلات الخارجية والحروب الأهلية. الأمر الذي ساهم في تهيئة التربة الخصبة لنمو وانتشار الجماعات الإسلامية المنضوية في التيار السلفي الجهادي. العالمية منها أو المحلية، على تفاوت درجات تطرّفها، أو الاختلاف النسبي فيما بينها، من حيث مدى تشدّدها في فرض نموذجها.

ترافق ذلك مع رواج مواقف تبريرية وآراء تلفيقية، صدّرها "ليبراليون" و"علمانيون"، أكان في مستوى الممارسة السياسية و"التحالفات"، أو على صعيد الخطاب، إذ بات بعضهم مرتهنا، بشكل أو بآخر، لتلك الجماعات الجهادية المسيطرة، التي تتناقض مشاريعها مع ما كانت أهدافًا تفجّرت الثورات في سبيلها، فتراهم يبررون أعمالها ويقلّلون من خطرها على مستقبل بلدانهم.

كانت تلك نقطة تحوّل خطيرة، أودت بحلم التغيير والحرية، إذ تبيّن خلال ما جرى ويجري خلال السنوات القليلة الماضية، أنّ عملية التحرّر من الأنظمة الديكتاتورية السابقة لم تفضِ إلى تأسيس الحرية، وإنما على عكس ذلك. فإنه ما بين لحظات الثورة الأولى، التي تكشّفت عن جموح شعبي عارم يتعطّش للحرّية وشبّان تنسّموا هواءها في الميادين والشوارع المنتفضة، وبين ما آلت إليه الأحوال بعد إسقاط الديكتاتور حيث سقط، وفي المناطق الخارجة عن سيطرته (كما في سوريا)، ثمّة ما يقطع بهزيمة قضيّة الحرّية في مواجهة الاستبداد.

سرعان ما وئدت التجربة الأهم لكلّ فرد من شابّات وشباب الثورات، في أن تكون حرةً ويكون حرًّا، إذ اصطدم حلمهم مع واقعة استئناف الاستبداد. وإنّه على رغم عودته بصور مختلفة عن ذلك الذي أسقطته الثورة، يشكّل الاستبداد المستجدّ نوعًا من الاستمرارية للحالة التي سبقت الثورة وقد عادت لتجدّد شرعيتها، وتعيد بناء أسسها على قاعدة دينية هذه المرة. وإذا كان من أدوات الاستبداد السابق على الثورة "احتواء السياسي للديني" وتجييره لخدمته، فقد بات في الاستبداد اللاحق لها، "الديني يحتوي السياسي" ويشكّله وفق مقتضيات "الشريعة"، التي تقضي بما يخدم المستبدّين الجدد، الممسكين بخناق الدين والسياسة معاً. في الحالتين آلت السلطة إلى المستبدين القدامى والجدد بالعنف والقوّة.

المفارقة أن غالبية هؤلاء الذين سطوا على الثورات فأسهموا في إحباط مشروع التغيير، ليسوا هم من أسقط الأنظمة الديكتاتورية، بقدر ما كان بروزهم أحد نتائج إسقاطها. وإنّ الملايين من الناس الذين نزلوا إلى الشوارع هم من طووا صفحة الأنظمة الساقطة، غير أنّ من امتلكوا السلاح والدعم، والتنظيم والاستعداد الكافيين للسيطرة على مناطق تواجدهم، استطاعوا ملء فراغ السلطة الذي نجم عن عملية التحرّر من الديكتاتورية، ثم شرعوا بالعمل في سبيل أجنداتهم التي لا تمتّ بصلة لقضية الحرّية والخلاص من الاستبداد.

إنّ إسقاط الديكتاتور والتحرّر من النظام الاستبدادي ليس سوى المهمّة الأولى على جدول أعمال الثورة، لتأتي المهمّة الأصعب والأهم والتي تجعل ما يجري جديرًا بوصف ثورة، وهي مهمة التغيير وتأسيس الحرية، وفق حنة أرنت، التي كانت سبّاقة إلى إدراك هذا التمييز الهام والحاسم بين التحرّر وبين الحرّية، وبين التمرّد وبين الثورة. تقول أرنت: "إن نهاية التمرد هي التحرير في حين أن نهاية الثورة هي تأسيس الحرية".