جرى حتى ابتلعته الطريق

جرى حتى ابتلعته الطريق

هنري مور/ بريطانيا

لص

"بطاقتك لا تعمل سيدي"، نحّى طبق البيض وضمة البقدونس، "قلت لك البطاقة لا تعمل"، أبعد زجاجة الحليب والفاصولياء المعلبة مبقيًا قطف العنب، "أيوجد فيما قلته ما تعجز عن فهمه؟ البطاقة لا تعمل، يعني ليس بإمكانك استخدامها لشراء شيء". بحث طويلًا في جيب بنطانه كأنه يدخل يده في هوة، أخرج بضع قطع معدنية، عدتها الفتاة ذات البثور الكثيرة على وجهها بصبر نافد، "هذه أيضًا لا تشتري شيئًا"، خلع حبتين من العنب من عرقيهما والتقمهما على عجل وركض باتجاه الباب قبل أن تبلغه شتيمة الفتاة.

في المرآب، أمسك مقبض الباب الأمامي للسيارة، زعقت كامرأة تُغتصب، جاء حارس المرآب "أين مفتاحك سيدي؟"، التف من الناحية الأخرى وحاول مع المقبض الثاني، "لن تفتح السيارة بدون مفتاح، هل أضعت مفتاحك؟" جرب مع الباب الخلفي، "سيدي، إن لم تغادر سأضطر للاتصال بالشرطة"، أدخل يده مرة أخرى في جيبه، بحث طويلًا كأن قماش جيبه سيلد شيئًا ما، أخرج قطعة معدنية، مررها على جناح السيارة محدثًا صوت صفير حاد، وأطلق ساقيه للريح قبل أن يفيق الحارس من صدمته.

فتح باب الشقة الموارب بهدوء، وبهدوء دخل على رائحة البامياء والكزبرة المقلية، كان نفسه يتهدج وأقدامه تقصف كرقاص الساعة، أمسك المرأة التي كانت تدندن بلحن مألوف من خاصرتها، وقبل رقبتها كمصاص دماء، وقبل أن تخرج المرأة من ذهولها ويملأ صراخها فراغ المكان، كان قد قفز السلالم كعداء محترف.

في الشارع، مر على متسول عجوز، أدخل يده في جيبه وبحث طويلًا كواحد منهم، وأخرج أخيرًا قطعًا معدنية، وقبل أن يرفع المستول عينيه ليرى من الذي رمى له بقطعة لا تسمن ولا تغني من جوع، كان قد جرى حتى ابتلعته الطريق.

 

موهبة

التقط الإعلان المعلق على باب الإذاعة "مطلوب مذيع لنشرة الأخبار". دفع دفة الباب بقدمه ودخل. استقبله عامل الصوت في المدخل الضيق الرطب. "أنا هنا لهذا" وناوله الإعلان الممزق من الأطراف. "ستكون الآنسة افتخار معك خلال بضع دقائق، ما أن تنهي برنامج الصباح، تفضل بالجلوس".

من وراء زجاج غرفة البث جلس ينظر إلى الآنسة افتخار، تضحك بغنج وتمط شفتيها عن آخرهما، فيتدفق صوتها ناعمًا وجذابًا كقشرة دراقة. أنهت الآنسة برنامجها، وخرجت إليه تحييه. طلبت منه مرافقتها للداخل لتجريب صوته في التقديم "سيدي نحن هنا إذاعة صغيرة وقائمة على الجهد الشخصي. ولكننا إذاعة سيكون لها يومًا ما شأن عظيم ببساطة لأننا نطعمها من قلوبنا". لم يفهم تماماً كيف تأكل إذاعة من قلوب العمال فيها، ثم يكون لها شأن بعدها. أكملت "إيحاءات الصوت في الإذاعة هي مفتاح نجاحها، هنا لا يرانا الجمهور فليس لنا سوى أصواتنا. في نشرة الأخبار على وجه الخصوص ينبغي على صوتك أن يكون حنونًا كأمهات المفقودين، مشروخًا ككرامة المحتجين، مبتهجًا كالفِرَق المنتصرة، حازمًا كقرارات الأمم المتحدة، باختصار على صوتك أن يكون الحدث حتى تؤثر في قلوب المستمعين، ونحن هنا نتبنى القول الشهير الأذن تعشق قبل العين أحيانًا".

ما إن أنهت الآنسة خطبتها العصماء، وتوجيهاتها المؤثرة حتى ساقته إلى داخل الغرفة، ووضعت أمامه فقرة تجريبية لاختبار طبقة صوته وتأثيره.

نحى الورقة جانباً وأمسك بالمايكروفون الصغير أمامه، تنحنح قليلًا ثم قال: "أعزائي المستمعين، أنا لا أراكم ولا ترونني، لكنني في هذه اللحظة أرتجف، وأحاول جاهدًا أن يبدو صوتي كارثيًا كالحرب، لتشعروا بثقل القذائف وفداحة المشهد". كانت الآنسة افتخار عند هذا الحد تنظر إليه بذهول من لا يعرف كيف يجيب، لكنه أكمل: "لكن أعزائي أنتم راشدون، وتدركون طبعًا ألا شيء يبدو على حقيقته، الآنسة الناعمة في البرنامج الصباحي بشعة وأنفها كبير، وواضع الفقرات الموسيقية عجوز، ولا يعرف عن الحب أكثر مما يعرف جدي". امتدت إليه أيدي العاملين في الإذاعة تجره إلى الخارج، بينما أكمل صائحًا "وأنا أعزائي لا يهمني، لا يهمني ألمكم ولا سعادتكم في شيء، لا يهمني".

في الخارج، جاهلًا بأنه لم يكن لحظة واحدة في بث مباشر، راح يدندن بلحن شجي، لحن ينبئ أن صوته سيكون له شأن عظيم يومًا ما.

 

وساطة

الباب مفتوح على نافذة مفتوحة، حيث الغرفة الفارغة، إلا من الجسد الممدد في القاع، تبدو كخرزة جاهزة للتعليق في سلسلة ما. هكذا تعيش السيدة بيلاي، الملقبة بالأم بيلاي، في ممر مفتوح للريح الجارية، تستقبل أجساد عمال المصنع كل ليلة. تسامرهم ويسامرونها، يشترون لها قليلًا من الفواكه والخضار المعلب المطبوخ، وأحيانًا، أحيانًا تستبد الحاجة بهم إلى الحب المنقى من الشفقة والواجب، فيحضرون زجاجات بيرة باردة.

كل ليلة يمرون، يضعون رؤوسهم في حضنها، يبكون قليلًا، يدخنون وقد يشربون. يتحدثون عن الآلة التي تطحن أرواحهم وتذروهم في مهب البؤس، عن العتمة التي تتناسل من العتمة حيث النور في آخر النفق مجرد أسطورة، عن الأجور الضئيلة، وبيئة العمل كسبب من أسباب الموت المبكر، عن الحوادث التي تمر كأخطاء الأقدار بلا تعويض.

يشتمون الملاك والعالم المتحضر، يشتمون المرابي الذي يقرضهم كسرة ويطالبهم في اليوم التالي برغيف. يدخنون كثيرًا ويشربون ويبكون، والأم تسمع وتضرب الودع، وتحذر من أن يحكمهم غيظهم، حيث النار ستأكل أكبادهم قبل أصابع الآخرين. ثم تغني لهم عن الصباحات التي ليس لها مدة صلاحية، تلك التي تنبت من اللامكان، هكذا كالقدر النافذ، عن الحسناوات المنتظرات، والمال الذي يتساقط كالمطر غدًا أو بعد غد، فتهدأ قلوبهم ويغادرون إلى بيوتهم بأجساد متوقدة للغد القريب، حيث يصير الشقاء محتملًا.

وفي آخر الليل، بعد أن يرحل الجمع البائس، يدخل المُلاك. يستقبلهم جسد العجوز بدم دافق وقسمات مُطمْئِنة، فيتركون ما يرضيها، وينامون على الصدر الكبير مطمئنين أن الغد أيضاً يحمل البريق. ولا يبقى هناك قلق في غرفة السيدة بيلاي، إلا قلق الريح الداخلة بين الباب والنافذة، وقلق الجسد المتمدد في القاع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بيان بالشمع الأحمر

وشاية على جسد الميت