لوحة لـ فرانك بولينج/ بريطانيا

أمس، قبل أن تبدأ زقزقات أول العصافير على شجرة الصفصاف المحاذية لنافذتي، وقبل أن يتسلل أول الذباب ليحط على يدي أو وجهي. قبل حتى أن أنام.. تصور؟ كنتُ هناك في فراشي أتقلب، أنبطح مرّة على بطني، وأخرى أستوي على ظهري، ثم أنكمش على جنبي الأيمن كما توصيني دائمًا أمي، لكن أرجع أخيرًا وأنام على جنبي الأيسر، على قلبي، لأغرق في الأحلام، فأنا عكس الآخرين وحده جنبي الأيسر يحفز أحلامي، أما الكوابيس فعادة تأتي وأنا على قفاي أستقبل برودة السقف.

إذًا كانت ليلتي شبيهة بليالي انتظار العيد في الطفولة أو ليلة أهم امتحاناتي، الثانوية العامة.

كان يأتيني صوت جرذ يتسلل عبر الجدار متشبثًا بخيوط نبتة اللبلاب إلى الساحة، وينبش كيس القمامة وصوت جروٍ الجارة المبحوح المنزعج لرؤية الجرذان تحوم حوله أسفل البيت، فجارتي تربي الجراء والجرذان على حد السواء. (الجراء بسبب حرصها على أشيائها والجرذان بسبب إهمالها لأشيائها).

وكثيرًا ما ألجأ إلى قطع أعراف النبتة المتسلقة جدار البيت بسبب ضيوفها الثقيلين، والذين لا أطيق رؤية ركضهم ولا لونهم الرمادي المسود.. وحده منظر الجرذان والزلازل كافٍ ليجعلني أتحول إلى نملة...

لكن تصور؟ ليلة أمس كنت استأنس وجود تلك المخلوقات في تلك الساعات المتأخرة لتغطي على أصوات الشخير والأنفاس الخافتة الباهتة التي تتعالى أو تنخفض في البيت وفي الجوار.. وحده الليل يسمع كل شيء.

هل كان الليل يسمع حقًا ارتطام اللوعة والخوف في مزبلة روحي؟

نعم فلقد كنت جرذًا أنا أيضًا أنبش كيس قمامتي.. بجلدي الرمادي المسود. كان يأتيني صوت جراء تحرس ذاكرتي من المسخ بأقاصي أقاصي وجودي..

جرائي كانت بأصوات مبحوحة أيضًا، والجرذة التي كنتها لم تكن تهتم لحظتها بوجودها. كانت تردد وهي تقلب أشيائي المتعفنة المهربة من الواجهة:

- ما زالت الأرض تستحمل جثتكِ الناحلة وما زلتِ تساهمين في تلويث البيئة واتساع رقعة الأوزون بما تفرزينه من دخان حرائقك، ومازال يشدك قانون معتوه أمعن في تأويل سقطة تفاحة كاسدة إلى عالم تنفرينه رغم انفك أو ينفرك. وما زلت تكدسين آمالك المنتحرة باحترافية سفاح وتطمرينها في عجالة تمامًا مثلما تلدينها في عجالة، وتعقمين ذاكرتك بماء النسيان الأزرق وتنطين بعيدًا عن العالم وأنت تلبسين عمرك كذبة تسمينها: ما زلتُ طفلة.

وللطفولة أخطاؤها: خساراتها.. لا يمكن تسميتها كذلك فقط، هي هفوات وانتهى الأمر بدمعة على الخد وجملة لم تصدقيها يومًا، غدًا تكبرين وتتعلمين.

الجرذة التي كنتها بدت غاضبة وهي تقلب أشيائي وترمقني جثة ممددة على الفراش. كانت ترغب في قضم بقاياي المتعفنة وتخليصي من إرثٍ كارثي ثقيل، لكن الجراء التي تحرس ذاكرتي ترسل نباحاتها المبحوحة:

ـ لا شيء يُنسى، لا شيء يضيع. لا شيء يصلح لقضم قوارض الذاكرة. فلتمتْ جوعًا. فلتمتْ أسفًا وحسرة. نحن حراس هذا البيت.

كان رأسي بيتا تتناحره كائنات مني.. أما أنا فكنت أنتظر مجيء غدٍ لأصنفه وجبة للجراء أو للجرذان، أو كما أريده يومًا خارج كل سياق.

تذكر؟ أجل تذكر.. فنحن خارج كل سياق كما كنت تقول لي ذات عمر جيولوجي لم يترك حفرياته دليلًا للعابرين.

حتى أنني رأيتني وأنا هناك أضع رأسي التي تتناحرها مخلوقاتي.. أضعها بين يدي وأضم ركبتيْ إلى صدري.. هل تتصور؟

رأيتني أنا وأنت كتلة واحدة برأسين، توأمَيْ سيواموا نسكن شجرة استوائية ضخمة بعمر لا متناهي وجذع تتداخل دوائره لتغور في لُجج سنين ما قبل التاريخ..

كنا هناك.. وكان حديث آدم لحواء وهمس حواء لآدم..

لا أعلمُ أين كان لحظتها أبوينا؟ وهل ارتكبا خطيئتهما أم لم يفعلا بعد؟

لكنني أعلم أننا كنا هناك وكان في مملكتنا ديناصورات أليفة تحملنا من غابة عوالم عزلتك إلى غابة عوالم زحمتي، وعصافير تتكلم لغتنا، وتطعمني جنون أشعارك التي لا أفهم حروفها وأعشق طعمها حدّ الإدمان، وتطعمك أنفاسي الحريصة على بقائك.

كنا هناك وكان رأس طفلك القرد يحمل عيون طفلتي القطة، وينطان فوق غباء العالم الذي لم يخلق بعد، ويُعلِّمان الكون كيف يكون الحبُّ خارج كلّ سياق.

سأحكيك طبعًا ما الذي حدث في اليوم الموالي.. في رسالة قادمة قديمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أعيشُ كي لا أوجد

كحبتيْ مطر تتعرفان على اليتم سويًا