ثلاثة أسئلة حول الواقعية السحرية

ثلاثة أسئلة حول الواقعية السحرية

كاترين أرنو/ ألمانيا

الواقعية السحرية، أو الواقعية المتخيلة، هي مقاربة في الفن والأدب تعتمد على نسج الخيال والأسطورة في الحياة اليومية الواقعية، بحيث يصبح ما هو حقيقي وما هو خيالي سيان في عالم الواقعية السحرية.

1. ماهي الواقعية السحرية؟

تُعرف أيضًا بالواقعية العجائبية، وهي ليست أسلوبًا أو صنفًا معينًا في الأدب بقدر ما هي طريقة للتساؤل حول طبيعة الواقع، وترتبط عادة بالقصص والشعر والمسرحيات والأفلام، وكذا بالأعمال الفنية كالرسومات ومجسمات النحت، حيث يعمد الفنان على تسليط رؤى خيالية بعيدة لمساءلة المجتمع والطبيعة البشرية، مما يعطي الأعمال التي تتجسد فيها الواقعية السحرية طابعا فريدا من الغموض والسحر الخاص.

الواقعية السحرية، أو الواقعية المتخيلة، هي مقاربة في الفن والأدب تعتمد على نسج الخيال والأسطورة في الحياة اليومية الواقعية

إثارة الغرابة في قصص تتناول الناس العاديين، ليس بالجديد في تاريخ الحكي البشري، لكن الواقعية السحرية كاتجاه واضح المعالم بدأ مع أعمال إميلي برونتي سنة 1848، وقصة فرانس كافكا، الذي يصور شخصية عادية تحولت إلى حشرة عملاقة سنة 1915. وفي عام 1925 كان الناقد الألماني فرانز روه أول من صاغ مصطلح (Magischer Realismus- الواقعية السحرية) لوصف عمل الفنانين الألمان الذين يصورون الموضوعات الروتينية مع انفصال غريب عن الواقع، ومع ذلك لم تنشأ "الواقعية السحرية" كمدرسة متكاملة سوى في منتصف القرن العشرين مع الحركة الفنية والأدبية.

اقرأ/ي أيضًا: فرانز كافكا: هل يساعدنا الأرق على الكتابة؟

وفقًا للناقد الأدبي أنجيل فلوريس، بدأت الواقعية السحرية مع قصة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس عام 1935، لتأتي فيما بعد مجموعة من الأسماء ساهمت في بلورة هذه الحركة الفنية الأدبية، مثل كافكا، وميغيل أنخيل، ولورا إسكيفيل، وغابرييل غارسيا ماركيز، والرسام ألفريد كاهلو وإدوارد هوبر وكذا جورج أوكفي، واليوم أصبحت الواقعية السحرية اتجاهًا شائعًا يعتمده كتاب وفنانون من مختلف انحاء العالم.

2. كيف نعرف الأعمال ذات الواقعية السحرية؟

من السهل الخلط بين الواقعية السحرية والأشكال المتشابهة للكتابة المبتكرة، فالحكايات الخرافية وقصص الرعب والخيال العلمي وغيرها من الأعمال الخيالية التقليدية، لا تدخل ضمن "الواقعية السحرية"، وإنما هي الكتابات التي تتوفر فيها هذه الخصائص:

  1. المواقف والأحداث التي تتحدى المنطق: في رواية "حكاية داكنة" للكاتب الأمريكي توني موريسون يحكي قصة عبد هارب ينتقل إلى بيت مسكون بشبح رضيع مات منذ فترة طويلة، حيث يصنع عالمًا يمكن أن يحدث فيه أي شيء حقًا دون أن يبدو غريبًا أو غير منطقيًا، وإن كان يدمج الأسطورة والخيال بالواقع.
  2. الأساطير والخرافات: الكثير من الغرابة في الواقعية السحرية مشتقة من الفولكلور والأمثال الدينية والرموز. في فيلم "رجل كان يسير على الطريق"، قام الكاتب الجورجي أوتار شيلادز بدمج أسطورة يونانية قديمة مع الأحداث المدمرة والتاريخ المضطرب لموطنه الأوروبي الآسيوي بالقرب من البحر الأسود.
  3. السياق التاريخي والمخاوف المجتمعية: الأحداث السياسية والحركات الاجتماعية في العالم الحقيقي تتداخل مع الخيال لاستكشاف قضايا مثل العنصرية والتمييز على أساس الجنس وعدم التسامح، وغير ذلك من أوجه القصور البشرية. رواية "أطفال منتصف الليل" بقلم سلمان رشدي تسرد قصة رجل متخيل ولد في لحظة استقلال الهند، وتعكس حياته الأحداث الرئيسية التي حدثت في البلاد حقًا.
  4. الزمن والتسلسل المشوه: في الواقعية السحرية، قد تتحرك الشخصيات إلى الخلف أو تقفز إلى الأمام أو تتعرج بين الماضي والمستقبل. مثلًا لاحظ كيف يعامل غابرييل غارسيا ماركيز الوقت في روايته "مئة عام من العزلة"، فالتحولات المفاجئة في السرد وكثرة ظهور الأشباح والوقائع، تجعل القارئ يشعر بأن الأحداث تمر عبر حلقة لا نهاية لها.
  5. الأحداث تدور في حلبة العالم الحقيقي: الواقعية السحرية ليست حول المستكشفين الفضائيين أو السحرة؛ حرب النجوم وهاري بوتر ليست أمثلة على هذا النهج، بل تدور حول شخصيات عادية وأماكن معروفة وأحداث قابلة للوقوع، وإن تخللتها بين الفينة والأخرى أشياء غرائبية، فكما كتب سلمان رشدي "السحر في الواقعية السحرية له جذور عميقة في الواقع".
  6. عدم إثارة الانتباه لغرائبية الأحداث: الميزة الأكثر تميزًا للواقعية السحرية هي الصوت السردي الطبيعي، الذي يصف أحداث غريبة بطريقة عابرة، بحيث إن الشخصيات نفسها في القصة أو الفيلم تتعامل مع ما وقع لها من أشياء عجائبية بطريقة عادية، لدرجة أنه قد لا ينتبه المتلقي إلى سوريالية بعض الأحداث أو الشخصيات غير الواقعية.

3. ما هي أبرز الأعمال الحالية التي تجسد الواقعية السحرية؟

الواقعية السحرية تخترق اليوم مختلف الأشكال الفنية والأدبية، من الرواية إلى السينما، مرورًا بالرسم والنحت والمسرح، على سبيل المثال في رواية "العملاق المدفون" للكاتب كازو إيشيغورو، الحائز على جائزة نوبل، تبدو القصة خيالية لأنها تتكشف في عالم من التنانين والغيلان، ومع ذلك فإن الرواية لا تنحو نحو السرد الخيالي، يروي الراوي في أحد المقتطفات "لكن مثل هذه الوحوش لم تكن مدعاة للدهشة... كان هناك الكثير مما يدعو للقلق."

الواقعية السحرية تخترق اليوم مختلف الأشكال الفنية والأدبية، من الرواية إلى السينما، مرورًا بالرسم والنحت والمسرح

اقرأ/ي أيضًا: الفكرة التي صنعت كافكا

مسلسل "جيم أوف ثرونز" مثال جيد أيضًا للواقعية السحرية، حيث تتأرجح أحداثه وشخصياته بين عالمين مختلفين، عالم واقعي يغوص في صميم قضايا السلطة والسياسة التي تعيشها المجتمعات البشرية، وعالم آخر سحري يحفل بالقدرات العجائبية، لكن المثير هو أن هناك شخصيات في المسلسل تظل متمسكة بالحقائق والمنطق ومتشككة في ما يروج حولها، وفي نفس الوقت هناك شخصيات مؤمنة بالأشياء الخارقة للطبيعة وتتقبلها دون أن تبدي استغرابها من عجائبيتها وكأنها أمور عادية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

و.ج. سيبالد: بدون ذكريات لن تكون هناك كتابة

بورخيس وفلسفة اللغة في "مكتبة بابل"