بورخيس وفلسفة اللغة في

بورخيس وفلسفة اللغة في "مكتبة بابل"

بورخيس في المكتبة

لعل أعظم القصص الخيالية في قرننا الحالي كانت تلك التي كتبها بورخيس، حيث تتجدد الصلة بين الفلسفة والتفكير والخيال في آن واحد، كما أراد باشلار لرجل المفاهيم الحالم أن يفعل، من أجل سبر أغوار النفس والوجود. 

في قصته عن المكتبة الكونية، نسافر مع بورخيس في محاولة فانية لتخيل وتخييل اللا نهائي

في قصته عن المكتبة الكونية، نسافر مع بورخيس في محاولة فانية لتخيل وتخييل اللا نهائي، فالقصة تحكي عن المكتبة التي أثارت فضول السحرة والحكماء والرحالة، لاكتشاف السر الأعظم في أدراج تحتوي كل ما كتب وما قد يكتب، وما سيكتب في تاريخ الوجود البشري. 

اقرأ/ي أيضًا: في مكتبة بورخيس

كل محاولة لقراءة الكتب مستحيلة، لأن القارئ لا يمكنه معرفة ترتيب الكتب حسب مجالاتها، أو أي شيء آخر، لهذا سيحاول الأذكياء البحث عن الكتاب الذي سيشمل على مراجع كل كتب المكتبة، غير أن الخيبة واليأس هي ما ينتظر الباحثين، لأن أي كتاب من الكتب ما هو إلا تتالٍ عبثي من الحروف المعدودات التي كانت تحدّد لغة الكتب بها.

سيتيه الباحث القاصد للحقيقة في المكتبة ذات الطوابق اللامتناهية والرفوف المتراصة مع بعضها البعض، في شكل سداسي الأضلاع، مكونة بذلك متاهة تتغذى على نفسها، وتهضم المعنى في دائرة مفرغة. سيخر الجسد والعقل بحثًا عن الحقيقة في تلك المكتبة التي تفتح فاها للباحثين عن الأجوبة ولكن بطريقتها الخاصة. 

نسج بورخيس قصته هذه على نسق تفكيري تحليلي، يوضح عمق علاقتنا بالواقع اللغوي والحقيقة. المكتبة تحتوي كل شيء كتب، وقد يكتب أيضًا، لأن جميع الكتب مكتوبة بلغة واحدة مكونة من 22 حرفًا، بالإضافة إلى علامات الترقيم والفراغات.

إن قراءتنا للعمل ستنكب على البعد الفلسفي الذي أثار الانتباه منذ أول قراءة. إن بورخيس هنا يتقن فنًا نادرًا، وهو فن خلق العوالم. إن المكتبة برمتها مكتبة "كون" موجود يحيل إلى نفسه، وإلى كل شيء، فهي تحيل إلى نفسها عندما تعتمد اللغة حاملًا لكل الممكنات المعرفية، وإلى الموجودات أيضًا، لأن هذه الكتب تحيل إلى كل ما كتب، وما سيكتب، وما يمكن له أن يكتب. 

إن عامل الممكن حاضر بقوة في نص "مكتبة بابل" حيث ينفتح عالم المكتبة على الممكنات برمتها، ومن بين هذه الممكنات "الحقيقة" بمعنى آخر: بما أن المكتبة/العالم تحتوي على كل ما كتب، ما سيكتب، ما قد يكتب، فالحقيقة موجودة، بالضرورة، رغم احتمالية وجودها في الماضي أو الحاضر، أو في إمكانية الوجود أيضًا. 

عامل الممكن حاضر بقوة في نص "مكتبة بابل" حيث ينفتح عالم المكتبة على الممكنات برمتها

يحيل النص على إشكالية اللغة والحقيقة في قالب مخيالي مثير للاهتمام، حيث إن بورخيس اعتمد مقاربة خاصة في الكتابة الأدبية من حيث هي ميتا-أدبية تحملنا إلى عوالم لا يصلح أن نحددها بالخيالية أكثر من تحديدها بالمفاهمية.

اقرأ/ي أيضًا: لم كان بورخيس يكره كرة القدم؟

من بين أبعاد هذا النص أيضًا، نجد طابع الافتراضية الحاضر بشكل قوي، إذ نرى أن اللغة لا تشغل هنا حامل معنى، بل هي تحمل معناها الضمني بمنأى عن ما يمكن أن تدل عليه في عالم الموجودات، بعبارة أخرى اللغة هنا تتكلم عن ذاتها إذ تعطي نفسها على أنها عالم ممكنات دلالية يصبح المعنى فيها محتوى لا محتويًا. 

إن هاجس اللغة يمضي بنا أيضًا إلى فرضية خلق المعنى من طرف "رجل الكتاب"،  أو من طرف قرائها خلقًا اعتباطيًا، ربما لا يقصد به القول أو الإخبار بأي شيء.

لطالما أرجع النقاد إلى مقارنة هذا البعد بمفارقة القرد وآلة الكتابة، حيث إنه إذا أعطينا لقرد آلة كتابة للنقر عليها، فلا بد له بالضرورة أن ينقر جملة تحيل على معنى معين. للإشكالية أبعاد واسعة قد تمتد بنا لأفق التفكير أيضًا في اللغة والمعنى والمقصدية، وعلاقتها بالذكاء الاصطناعي في هذا النص إذا ما اعتبرنا المكتبة كائنًا مستقلًا بذاته.

لعل وله الرجل الأعمى بالمتاهات والمفارقات ينم عن خيال واسع تتلاقح فيه المفاهيم لتفتح المجال لممكنات ما كان لها أن تجد واقعًا لها، إذا تم اعتماد النسق التفكيري التقليدي الذي يعتمد على مبدأ حذف اللامعقول لإتاحة المجال للمنطق. 

إن المكتبة في معناها الجوهري هي كون يجمع المتناقضات والجدليات سواسية أمام الممكن، حتى الحقيقة نفسها لم تنجُ من هذا الجمع، إذ يصعب تحديدها وفصلها عن المعلومات الأخرى. من بين هذه الممكنات أن يكون في المكتبة ذاتها كتاب يتحدث عنها، وأن يكون هذا النص ذاته قد ملأ أحد صفحاته، وأن كل قارئ لهذا الأخير ليس إلا باحثًا وجد نفسه، وبمحض الفضول، بين رفوف المكتبة التي كان يقطنها منذ أن تعلم القراءة والكتابة والكلام. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ترحال"..سيناء كما يرويها نيكوس كازانتزاكيس

الحياة العاطفية للفلاسفة