الفكرة التي صنعت كافكا

الفكرة التي صنعت كافكا

جرافيتي في براغ

"حين أفاق غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة". قد تكون هذه الفكرة، هي الأكثر غرابة ورعباً في تاريخ الأدب الحديث، ومن الصعوبة اكتشاف السياق الذي قاد فرانز كافكا إليها. خصوصاً، أنّ الرواية بعد هذه الجملة تبدو رواية اعتيادية، أو بمعنى أكثر دقة، رواية تدور حول المألوف دون أن تقع فيه بصورة كاملة. وبتتبع عدة إشارات ذكرها كافكا في يومياته، نفهم إلى حد معقول، ما قاد الكاتب العبقري إلى الفكرة العبقرية! 

كانت كتابة كافكا، في أحد أوجهها، لجوءاً من مخالب براغ

تبدأ الصراعات التي خاضها فرانز كافكا مع مدينته، براغ، حيث كتب إلى أحد أصدقائه يقول: "براغ لن تدعني، إنّ لهذه العجوز مخالب". بالتالي، كانت الكتابة، في أحد أوجهها، لجوءاً من مخالب براغ، إذ زعم، وهو حبيس نفسه بأنّ العالم ينهزم أمامه، ذاك الانهزام العجيب، مع تسليمه في مراحل مبكرة من حياته بفكرة غياب المستقبل، واعتقاده باليأس الحقيقي الذي يتجاوز أهدافه دائماً. كذلك، يمكننا الفهم من حديثه مع ماكس، ما هو أكثر من محاولة لنزع العباءة اليهودية التي واظب صديقه على تصويره بارتداءها، بل القدرة الفائقة على تعزيز الاغتراب الذاتي والدفاع عنه، عندما سأله: "وما هي القواسم المشتركة بيني وبين اليهود؟ إنّه لا يكاد يوجد قواسم مشتركة بيني وبين ذاتي، ويتوجب عليّ أن أقف في هذه الزاوية سعيداً لأنّني أستطيع التنفس". 

ومن تلك الزاوية شديدة الخصوصية، لكاتب "يهودي" يكتب بالألمانية ويعيش في مجتمع تشيكي، راح يصوغ فكرته عن الانمساخ. غير راضٍ، في الوقت ذاته، عن أيّ من أعماله، وذكر مبدأه الغريب في الكتابة: "من أجل ألا تبالغ في تقدير ما كتبت، فإنّني سأجعل مما سأكتب شيئاً غير قابل للإدراك". لقد أوقع، بالفعل، قارئه في عالم مُحيّر، جميل ومنفر في الوقت ذاته، لا يعرف إن كان قد أُعجب به، أو أنّ غرابته آسرة! 

عندما نتأمل غريغور البائع المتجول الذي يحيا من أجل الآخرين، ويحتمل مشقة العمل. غريغور الذي يصعّد كافكا صراعه الداخلي، ويجعله يصحو من نومه ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة، تصارع من أجل الحفاظ على إنسانيتها، ما يُنشئ نوعاً من الكائنات التي تملك حساً إنسانياً، لكنها تنازع البقاء. لتنتهي حياة سامسا، بحزن أهله، ما يُوصل إقراراً ضمنياً بإنسانيته، هكذا، رأى كافكا أنّ في مقتل الحشرة إحياء للإنسان وانتصار نهائي له. 

عندما نتأمل غريغور الذي ساق كافكا مصيره على تخوم الإنسانية، لا يعرف ذاته حشرة أو إنسان، نكتشف التقاطع الرهيب مع هذه اليومية التي تقول بالأفكار ذاتها، على نحو شديد التكثيف: "لكنني في وضع أعجز فيه عن تأدية أيّ عمل. و إذا كنت أجلس قريباً من البالوعة هنا تدهشني مياه المطر، أو أجلس في الطابق العلوي تحت أضواء الثريا أحتسي الشمبانيا، فالأمر عندي سيان. وبالمناسبة لم يحدث أن كنت قادراً على الاختيار بين مسألتين، كما لم يسبق لي أن عشت هذه الحالة، أن أدع الناس يتنبهون لي، و كيف يمكن أن يقع لي هذا في إطار الطقوس الضرورية لي، وأنا ما زلت أواصل الزحف في هذا الإطار كحشرة قذرة!".

إن كان كافكا يعتبر الكتابة بالنسبة له، كالجنون بالنسبة للمجنون وكالحمل بالنسبة للمرأة، فمن غير المفاجئ أن نجد في يومياته الكثير من الأفكار الذاتية التي أنجبت، لاحقاً، أو على التوازي، أدباً إنسانياً شاهقاً.