تُرجم قديمًا: وقائع مدينة ترافنك

تُرجم قديمًا: وقائع مدينة ترافنك

رواية "وقائع مدينة ترافنك" (ألترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

تستعيد هذه المساحة الأسبوعية، كل أربعاء، ترجماتٍ منسية مختلفة الاتجاهات والمواضيع، كُتب لها أن تؤدي دورًا معينًا في لحظةٍ ما، قبل أن يطوي الزمن صفحتها فيما بعد، لتصير ترجماتٍ "طي النسيان"، بعيدة عن اهتمامات الناشرين العرب. إنها، بجملةٍ أخرى، مساحة يخصصها "ألترا صوت" لرد الاعتبار لهذه الترجمات، عبر لفت انتباه القراء والناشرين العرب إليها، في محاولةٍ لجعلها قيد التداول مجددًا.


"جسر على نهر درينا"، هو العمل الروائي الأكثر شهرة للكاتب اليوغوسلافي إيفو آندرتش (1892 – 1975) مقارنةً ببقية أعماله، لا سيما في العالم العربي، حيث أُعيدت طباعته ثلاث مرات، فيما أُهملت بقية أعماله تمامًا، بل إن بعضها بات نسيًا منسيًا، بعد مرور أكثر من 50 عامًا على صدور طبعاتها العربية الأولى.  

يروي إيفو آندرتش في "وقائع مدينة ترافنك" سيرة مدينة وقعت ضحية التجاذبات السياسية والطائفية والقومية مما جعل منها مسرحًا لصراع هوياتٍ قاتلة

ولعل هذا ما يفسِّر ارتباط الحديث عن إيفو آندرتش بهذه الرواية التي كتبها على وقع الحرب العالمية الثانية وما رافقها من حساسياتٍ دينية وقومية، خَبِرتها أوروبا خلال الفترة الممتدة بين نهاية ثلاثينيات القرن الفائت، وحتى منتصف أربعينياته. فبينما كان الروائي اليوغوسلافي يقوم بمهامه الديبلوماسية بصفته سفيرًا لبلاده في ألمانيا النازية، كانت قوات الأخيرة تجتاح العاصمة اليوغوسلافية بلغراد مطلع عام 1941، الأمر الذي أجبره على العودة إلى بلاده، حيث دخل هناك في عزلةٍ طويلة، أتاحت له التفرغ لكتابة روايته هذه.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: سحر شنغهاي

في الفترة ذاتها، كتب آندرتش "وقائع مدينة ترافنك"، روايته التي لا تقل أهميةً عن "جسر على نهر درينا"، إذ يُجمع النقاد والقراء معًا على أنها تشاركت مع الأخيرة صناعة شهرته في مختلف أنحاء العالم، بل ويذهب البعض للقول إنه لا يمكن الحديث عن التجربة الأدبية لإيفو آندرتش، دون المجيء على ذكرها.

ولكن هذا لم يشفع للرواية في العالم العربي الذي ظلت خارج اهتمامات فئةٍ واسعةٍ من قراءه، وبعيدة تمامًا عن مشاريع ناشريه، إذ مضى على صدور الطبعة الأولى من الترجمة الوحيدة التي أنجزها المترجم السوري الراحل سامي الدروبي، وصدرت عن "دار دمشق" عام 1964، أكثر من خمسة عقودٍ من الزمن.

يقول الدروبي في تقديمه للرواية: "إن منظر الحياة أمام عيني إيفو آندرتش هو منظر دراما حافلة بالشقاء من أولها إلى آخرها. والتاريخ نفسه مأساة كبيرة. أناس يصعدون ثم يهبطون، وشعوب تقتتل في غير طائل، وشعب ينقسم على نفسه ويختصم وتتعادى طوائفه ويبطش ببضعها ببعض ويسيء بعضها إلى بعض في غير داعٍ إلى ذلك كله".

تروي "وقائع مدينة ترافنك"، تفاصيل الحياة اليومية في مدينة ترافنك البوسنية مطلع القرن التاسع عشر، من خلال سرد قصة قنصلين، فرنسي ونمساوي، تعكس طبيعة العلاقة الشائكة والجدلية بينهما، أحوال تلك الحقبة، سياسيًا واجتماعيًا، في ظل التنافس القائم بين الإمبراطوريتين الفرنسية والنمساوية للهيمنة على القارة العجوز، والتوسع شرقًا باتجاه الدول الخاضعة لسيطرة الإمبراطورية العثمانية المتصدعة.

ويتكئ إيفو آندرتش على قصة هذين القنصلين، ليبيّن للقارئ جذور الأزمات والاضطرابات التي شهدتها أوروبا عمومًا، ويوغوسلافيا خصوصًا، خلال الفترة التي كُتبت بها الرواية، أي أربعينيات القرن الفائت، المسرح الزمني للحرب العالمية الثانية التي يعيد أسبابها، بالدرجة الأولى، إلى صعود العصبيات القومية والدينية في القارة، لا سيما في جزئها الشرقي المأزوم، حيث تتعدد الطوائف والمذاهب والقوميات، تمامًا كما هو الحال في ترافنك المنقسمة سياسيًا واجتماعيًا بفعل انقسام سكانها الطائفي والقومي.

يقول سامي الدروبي في تقديمه للرواية: "إن منظر الحياة أمام عيني إيفو آندرتش هو منظر دراما حافلة بالشقاء من أولها إلى آخرها"

تدور "وقائع مدينة ترافنك" ضمن هذه الأجواء، في محاولة من الكاتب اليوغوسلافي الحاصل على نوبل للآداب سنة 1961، لرسم صورة للمدينة ووقائعها التاريخية وأنماط الحياة وأساليب العيش المختلفة فيها، بالإضافة إلى رصد طبيعة سلوك سكانها الموزعين على طوائف وأديان وقوميات مختلفة، لكلٍ منها انتماؤها وولاؤها السياسي المختلف، الأمر الذي يغذي حالة العداء والانقسام القائمة بينها، حيث يؤيد الأرثوذكس روسيا القيصرية، بينما يميل الكاثوليك لفرنسا لكنهم يناصبون نابليون العداء باعتباره كافرًا وعدوًا لـ "البابا"، على عكس اليهود الذين جاهروا بولائهم له، فيما يقف المسلمون في صف السلطنة العثمانية.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: النفق

يروي إيفو آندرتش في روايته هذه، سيرة مدينة وقعت ضحية التجاذبات السياسية والطائفية والقومية، الأمر الذي جعل منها مسرحًا لصراع هوياتٍ قاتلة، ومساحة مفتوحة على الرعب والخوف والقلق، دون أن تخلو الحكاية من أبعادٍ إنسانية تجسدها شخصياتها المختلفة: "وزير يُنفى، إلى رسول يُقتل غيلةً، إلى أبرياء يُجلدون ويشنقون، إلى أحدب يصعد من البؤس بالجهاد المرير ليسقط بعد ذلك في ما هو أدهى من البؤس والجوع الذي كان فيه، ليسقط في هوة الجنون"، وفقًا لما جاء في مقدمة الدروبي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تُرجم قديمًا: اليوم المرتجى لسمك الموز

تُرجم قديمًا: قلعة آكسل