تُرجم قديمًا: سحر شنغهاي

تُرجم قديمًا: سحر شنغهاي

رواية "سحر شنغهاي" (ألترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

تستعيد هذه المساحة الأسبوعية، كل أربعاء، ترجماتٍ منسية مختلفة الاتجاهات والمواضيع، كُتب لها أن تؤدي دورًا معينًا في لحظةٍ ما، قبل أن يطوي الزمن صفحتها فيما بعد، لتصير ترجماتٍ "طي النسيان"، بعيدة عن اهتمامات الناشرين العرب. إنها، بجملةٍ أخرى، مساحة يخصصها "ألترا صوت" لرد الاعتبار لهذه الترجمات، عبر لفت انتباه القراء والناشرين العرب إليها، في محاولةٍ لجعلها قيد التداول مجددًا.


في عام 1939، شاهد خوان مارسيه (1933 – 2020) الطائرات الفاشية وهي تقصف مدينة برشلونة. الكاتب الإسباني الذي فتح عينيه على حربٍ أهلية دامية، احتفظ بذلك المشهد في ذاكرته طويلًا، إلى جانب مشاهد أخرى مختلفة، شكلت ذكرياته الأولى، ومنها بكاؤه بصحبة والده في شرفة منزلهما عشية اجتياح ميليشيات فرانكو للمدينة في السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 1939.

يُقدِّم خوان مارسيه في "سحر شنغهاي" حكاية بشر يحاولون اكتشاف الطريق الأيسر للعودة إلى ممارسة الحياة بشكلٍ طبيعي بعد انتهاء الحرب

بعد انتهاء الحرب، وبينما يلتفت الناس إلى خسائرهم وخيباتهم، ويحاولون التعايش مع واقعهم الجديد الذي عنونه الفقر والبؤس، انتبه خوان مارسيه إلى برشلونة أخرى غير تلك التي يعيش فيها، تشكلت في مخيلته نتيجة اهتمامه بملامح وجوه المارة وتفسير تعابيرها، وإصغائه بانتباهٍ شديد إلى حكاياتهم وحواراتهم، في الشوارع أو في محل الصياغة، حيث عَمِل في صباه.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: النفق

في تلك الفترة، أثناء قراءته دون كيخوته وهمنغواي وغيرهما، شعر مؤلف "الأمسيات الأخيرة مع تيريسا" بأنه لا يتفق مع واقع مدينته الذي فُرض عليها وعلى سكانها، وأدرك في الوقت نفسه حاجته إلى طريقةٍ ما تتيح له بناء عالمٍ يستطيع عبره تخيل التجارب التي لم يعشها، مُعتبِرًا الخيال طريقة أخرى للعيش، دون أن تعني بالضرورة الانفصال عن الواقع.

اصطدام خوان مارسيه مع الواقع، وحاجته إلى وجود بديل، وقناعته بأن الخيال طريقة أخرى للعيش، بالإضافة إلى قراءاته الأدبية، دفعت به نحو عالم الأدب، محملًا بمواد خام توزعت على ما يلتقطه بصره ويمر على مسامعه من مشاهد وحكايات وحوارات مثيرة للاهتمام من جهة، وحياته الشخصية وتجاربه التي لا تخلوا من المرارة من جهةٍ أخرى، لا سيما حين نعرف أن والدته توفيت بعد ولادته، وأن والده تخلى عنه لصديقه الذي تبناه ومنحه اسمه.

ومنذ دخوله عالم الأدب، انشغل الكاتب الإسباني بتوثيق طبيعة حياة الناس في ظل الواقع الذي فُرض عليهم بغير إرادتهم، وأخذ على عاتقه رسم ما وصفه البعض بـ "الخريطة الأدبية" لمدينة برشلونة ما بعد الحرب الأهلية، الفترة التي شعر طوال سنوات حياته بأنها لم تنته بعد، الأمر الذي كان يدفعه لتكثيف انشغاله الأدبي بها، مراكمًا عبر تفكيكها والتقاط أدق تفاصيلها، مشهدًا مختلفًا للمدينة الغارقة في معاناة سكانها وخساراتهم التي بدأت تتكشف خلال تلك الفترة، فيما ظل جزءًا كبيرًا منها مخفيًا خلف جدران منازلها.

هذه الحكايات المخفية التي لم يُكتب لها أن تروى، هي ما يطارده خوان مارسيه في روايته "سحر شنغهاي"، التي نقلها أحمد حسان إلى اللغة العربية في تسعينيات القرن الفائت، حيث صدرت عن سلسلة "شفاه عارية" عام 1997، بعد نحو أربع سنوات على صدورها في إسبانيا.

يفكك مارسيه في روايته هذه مدينة برشلونة ما بعد الحرب الأهلية، ثم يعيد تركيبها بصيغة مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار لا التحولات التي أفرزتها تلك الحرب فقط، وإنما الطريقة التي يتعامل بها سكان المدينة مع الحياة وموقفهم منها، الأمر الذي دفعه لمد العمل بشخصياتٍ كثيرة تساعده حكاياتها في إعادة بناء المدينة وصياغة ذاكرتها.

ويربط صاحب "لو قالوا لك إني سقطت" هذه الشخصيات ببعضها عبر دانييل، الراوي الصغير الذي يتجول في الحي ويدخل بيوته لينقل للقارئ حكايات سكانه، الذين يحاولون اكتشاف الطريق الأيسر للعودة إلى ممارسة الحياة بشكلٍ طبيعي، والطريقة الأسرع للتخلص من آثار الحرب وتجاوزها، إذ إن كل شخصية من شخصيات العمل تحتفظ بذكرى مؤلمة منها، فالراوي مثلًا فقد أباه في الحرب، دون أن يعرف ما إذا كان قد قُتل: "لا أحد يدري. قد يكون حيًا في مكانٍ لا ندريه، وذاكرته تائهة ومصابة إصابة قاتلة، أعني دون أن يتذكر عائلته أو أي شيء، ودون أن يعرف كيف يعود إلى المنزل".

انشغل خوان مارسيه في رواياته بتوثيق اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه مجبرًا على الالتفات إلى خسائره وخيباته والاعتراف بها

هناك أيضًا الكابتن بلاي الذي فقد أبناءه وعقله في الحرب التي عاد منها محطمًا، يشغلُ نفسه بتفاصيل تافهة تصرفه عما ألمّ به، وزوجته السنيورة كونشا التي تعيش في وحدة قاسية بعد فقدها لأبنائها من جهة، وخسارة زوجها لعقله من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى سوسانا التي تعيش في انتظار والدها الذي هرب بعد سيطرة قوات فرانكو على البلاد، وأمها التي تدرك أنها فقدت زوجها للأبد، ناهيك عن السنيور سوكري الذي فقد هو الآخر عقله، وبات يقضي معظم وقته في البحث عن ذاته، مقتفيًا أثرها في الحانات والصيدليات والدكاكين والمكتبات.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: اليوم المرتجى لسمك الموز

يكتب خوان مارسيه في "سحر شنغهاي" حكاية مدينة يبذل سكانها جهدًا هائلًا لتأمين قوت يومهم، وتجاوز آثار الحرب، والعيش بشكلٍ طبيعي وإن كان الواقع المحيط بهم شاذًا وغير طبيعي. إنها حكاية مدينة يختزل الكابتن بلاي ما تعيشه بقوله إنها خرجت عن سيطرة الرب الذي لم يعد من يأمر فيها، وإنما الفاشيون، ويستعيدها سكانها ما قبل الحرب بقولهم إنها مدينة فقيرة حالمة ومتضامنة مع العالم، أحبها أهلها وفقدوها فجأة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تُرجم قديمًا: قلعة آكسل

تُرجم قديمًا: البستان