تُرجم قديمًا: اليوم المرتجى لسمك الموز

تُرجم قديمًا: اليوم المرتجى لسمك الموز

مجموعة "اليوم المرتجى لسمك الموز" (ألترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

تستعيد هذه المساحة الأسبوعية، كل أربعاء، ترجماتٍ منسية مختلفة الاتجاهات والمواضيع، كُتب لها أن تؤدي دورًا معينًا في لحظةٍ ما، قبل أن يطوي الزمن صفحتها فيما بعد، لتصير ترجماتٍ "طي النسيان"، بعيدة عن اهتمامات الناشرين العرب. إنها، بجملةٍ أخرى، مساحة يخصصها "ألترا صوت" لرد الاعتبار لهذه الترجمات، عبر لفت انتباه القراء والناشرين العرب إليها، في محاولةٍ لجعلها قيد التداول مجددًا.


لا يُعرف عن الروائي الأمريكي جيروم ديفيد سالنجر (1919 – 2010)، أكثر من أنه مؤلف "الحارس في حقل الشوفان"، والكاتب الذي لجأ إلى الصمت مكتفيًا بعملٍ روائيٍ واحد، إلى جانب بعض القصص القصيرة المنشورة في بعض الصحف والمجلات، لا سيما مجلة "النيويوركر".

يظهر سالنجر في مجموعته "اليوم المرتجى لسمك الموز" صاحبُ قدرةٍ هائلة ومميزة على صنع حواراتٍ ساحرة ومحملة بحكاياتٍ جانبية جذابة

ما الذي دفع سالنجر نحو الصمت مطلع ستينيات القرن الفائت؟ رغبته في ألا يكون مرئيًا، والسبب، وفقًا للكاتب الفرنسي فريدريك بيغبيدير، هو قناعته بأن احتجاب الكاتب، جسدًا واسمًا وسيرة، في عصر المرئي والمسموع، هو السبيل إلى فهم كُتبه وأعماله، ففي الاحتجاب دعوةٌ مباشرة إلى حصر الاهتمام بها فقط، بعيدًا عن حياة مؤلفها الشخصية.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: قلعة آكسل

هذه القناعة، ستقود الكاتب الأمريكي نحو غابة كورنيش في ولاية نيوهامبشير، حيث سيعيش حياة هادئة، بعيدًا عن الأضواء التي وضعته تحتها "الحارس في حقل الشوفان"، والصحافة التي طاردته لتعرف سبب صمته هذا بعدها، تمامًا كما لو أنه، طيلة 90 عامًا تقريبًا، لم يُصادِف حكاية تستحق الكتابة غيرها.

في المقابل، رأى البعض أن سالنجر لم يصمت بعد "الحارس في حقل الشوفان"، ولكنه توقف عن نشر ما يكتبه وأخفاه، مستندون في قولهم هذا إلى تصريحه لصحيفة "بوسطن صنداي غلوب" في ثمانينيات القرن الفائت، يقول فيه: "أُصدقكم القول إنني أكتب بانتظام، ولكنني أكتب لنفسي، وأريد أن أكون بمفردي كليًا لأفعل ذلك على أكمل وجه".

ولكن البحث عن سالنجر سيقودنا إلى عملٍ آخر له غير روايته الشهيرة أعلاه، وهو "اليوم المُرتجى لسمك الموز"، مجموعته القصصية التي صدرت للمرة الأولى عام 1953، ونقلها الشاعر اللبناني الراحل بسام حجّار إلى اللغة العربية في تسعينيات القرن الفائت، حيث صدرت عام 1997 عن "دار الفارابي" في العاصمة اللبنانية بيروت.

يقول حجّار في مقدمة المجموعة المجهولة تمامًا، على الأقل عربيًا، إن سالنجر: "من طينة الكتّاب الذين حين تلتقي بهم مرة واحدة، عمدًا أو بمحض المصادفة، كأن تقرأ له قصة واحدة أو صفحات من كتاب، لا يعودون إلى مطارحهم على رف مكتبة، أو هوامش في دفتر ملاحظات أو عبارات وشخصيات تذكر منها أشياء كلما قرأت أو كتبت أو تحدثت".

ويُضيف: "لمن لم يقرأ سالنجر بعد، نقول معتذرين إننا لن نستطيع أن تلخص بكلمات قليلة أو كثيرة رواية له أو قصة لأنه ببساطة مستحيل. فما تقوله القصة أو الرواية ليس ما يرد في متنها، وهو كثير، بل هو في الجوهر ما هو مكتوم في متنها. فما يحدث في قصص سالنجر لا يخضع لمنطق ما تعيه الشخصيات عبر الكلام الذي تقوله، ولا لتدخّل الكاتب، ولو لمرة واحدة، شارحًا أو مفسرًا أو معلقًا أو محللًا، بل يحدث أن تسترسل الشخصيات بحوارٍ متواصل لا ينقطع تشعبه أو استدراكه وسوء الفهم المتبادل والمُتكرر بين المتخاطبين، دون أن يصل الحوار بهم إلى أي معنى أو مكان".

تضم المجموعة خمس قصصٍ، يتتبع فيها الروائي الأمريكي الأشياء التي لم تجد شكلًا لها بعد، بحسب تعبير حجّار. وفيها، تتشابك الشخصيات بخيطٍ رفيعٍ تُشكّله العلاقات النفسية المعقدة، والرغبة اللامتناهية في الحديث وإن حول أشياء تافهة تمامًا، لا لشيء، إنما لمجرد الحديث فقط، ولعل الدليل هو الحوارات الطويلة التي تدور بين شخصيات القصص، والغرابة التي تنطوي عليها، بما هي نوعٌ من السذاجة التي تُشير، غالبًا، إلى عدم قدرة هذه الشخصيات على اختيار العبارة الصحيحة.

تنطوي قصص سالنجر على نوعٍ من الغرابة التي تبدو أقرب إلى سذاجة تُشير إلى عدم قدرة شخصياته على اختيار عباراتها

ولكن، في المقابل، يظهر سالنجر في قصصه هذه صاحبُ قدرةٍ هائلة ومميزة على صنع حواراتٍ ساحرة، تأتي مُحملة باحتمالاتٍ وتفاصيل جذابة، وحكاياتٍ جانبية يُمكن اعتبارها قصصًا قائمة بذاتها داخل القصة الرئيسية، وإن بتفاصيل وأحداث قليلة جدًا، كما هو الحال في القصة التي حملت المجموعة عنوانها، حيث يدور حوارٌ طويلٌ بين فتاة ووالدتها، يلمس القارئ فيه رغبتهن بالثرثرة والانفراد بالحديث، لدرجة أن الكثير من الكلام يضيع بفعل مقاطعة إحداهن للأخرى.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: البستان

وفي هذا الحوار المشحون بالعاطفة أحيانًا والغضب أحيانًا أخرى، تُروى الحكاية إلى جانب حكاياتٍ أخرى متتالية تولد بفعل التدقيق المخيف في تفاصيل تُعتبر عابرة ولا أهمية لها، ولكنها مهمة للأم التي تريد عبرها الاطمئنان على ابنتها التي ذهبت في عطلة، برفقة صديقها الذي عاد من الحرب باضطراباتٍ نفسية مخيفة، جعلت منه شخصًا خطيرًا يتجنبهُ الآخرون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تُرجمَ قديمًا: ألبير كامو

تُرجمَ قديمًا: بابا همنغواي