تُرجم قديمًا: إدغار آلان بو

تُرجم قديمًا: إدغار آلان بو

كتاب "ادكَار الن بو" (ألترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

تستعيد هذه المساحة الأسبوعية، كل أربعاء، ترجماتٍ منسية مختلفة الاتجاهات والمواضيع، كُتب لها أن تؤدي دورًا معينًا في لحظةٍ ما، قبل أن يطوي الزمن صفحتها فيما بعد، لتصير ترجماتٍ "طي النسيان"، بعيدة عن اهتمامات الناشرين العرب. إنها، بجملةٍ أخرى، مساحة يخصصها "ألترا صوت" لرد الاعتبار لهذه الترجمات، عبر لفت انتباه القراء والناشرين العرب إليها، في محاولةٍ لجعلها قيد التداول مجددًا.


في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1849، عُثر على إدغار آلان بو ملقىً على الأرض في شارع إيست لوبمارد في مدينة بالتيمور، أكبر مدن ولاية ميريلاند الأمريكية، الأمر الذي استدعى حينها نقله إلى المستشفى التي دخلها فاقدًا الوعي، حيث استمر على هذه الحال لأكثر من عشر ساعات، وما إن استيقظ حتى دخل في نوبة هذيانٍ لازمته معظم الوقت خلال الأيام الثلاثة التي سبقت وفاته فجر السابع من الشهر نفسه.

يحاول ديفيد سنكلر في كتابه هذا رسم صورةٍ مختلفةٍ لإدغار آلان بو "الإنسان ربما أكثر منه بو الفنان"، بحسب تعبيره

فتحت وفاة إدغار آلان بو الباب على مصراعيه لسجالاتٍ عنيفة حوله، بين طرفٍ نعاهُ بصفته كاتبًا مميزًا وفريدًا من نوعه، وآخر باعتباره سكّير، مجنون، معتوه، مدمن مخدرات، وغيرها من الصفات التي لازمت الكاتب الأمريكي القلق لسنواتٍ طويلة بعد وفاته، طغت فيها هذه الصفات، بالإضافة إلى التأويلات المختلفة لأسباب الوفاة، على منجزه الأدبي.

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: وقائع مدينة ترافنك

في ظل هذا الأخذ والرد الذي استمر لسنواتٍ طويلة، وانطلاقًا منه، ظهرت عدة أعمالٍ بيوغرافية تناولت حياة مؤلف "القط الأسود"، وحاولت في الوقت نفسه رد الاعتبار له، والوقوف على الأسباب الرئيسية لوفاته. ومن بين هذه الأعمال كتاب ديفيد سنكلير المعنون بـ "ادكَار الن بو" الذي صدر للمرة الأولى عام 1977، ونقلته سلافة حجاوي إلى اللغة العربية مطلع ثمانينيات القرن الفائت، حيث صدر عام 1982 عن "دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية".

والملفت للانتباه في الكتاب، هو اختلاف الصيغة التي كُتب بها اسم الشاعر الأمريكي، حيث وضع على الغلاف بالشكل التالي "ادكَار الن بو"، بينما نجده في جميع صفحات الكتاب "ادغار ألان بو". لذا، سنتجاوز هذا الخطأ ونعتمد الصيغة المعروفة والمتداولة في كتابة الاسم، وهي "إدغار آلان بو". 

يقول سنكلر في تقديمه للكتاب: "لا يشكل هذا الكتاب سيرة أدبية أو نقدية، كما لا يشكل محاولة لرد الاعتبار أو تقديم الاعتذار عن شخص بو الذي يجدر القول عنه بأنه يستحق التبرير بنفس القدر الذي يستحق فيه الإدانة. إن ما يحتاجه بو حقًا هو التفهم".

ويضيف: "يجب أن لا يتم النظر إلى بو على النحو الذي ينظرون إليه في أمريكا، أي بصفته فنانًا لا بد من حمايته بحكم أهميته الأدبية. كما يجب أن لا يتم النظر إليه كشخصية شاذة على نحو يدعوا إلى اليأس، وبأنه استطاع رغم ذلك أن ينتج عملًا ذا قيمة. لا بد من النظر إلى بو كإنسان بكافة ما اعتمل فيه من عوامل إيجابية أو سلبية، ثم التعامل معه كإنسان خضع لعذاب الاضطراب الداخلي والمصاعب الخارجية والحرمان".

يضم الكتاب 15 فصلًا، يحاول فيها ديفيد سنكلر رسم صورةٍ مختلفةٍ لإدغار آلان بو "الإنسان ربما أكثر منه بو الفنان" بحسب تعبيره. ويعتمد في محاولاته هذه على أفكار الشاعر الأمريكي التي عبّر عنها في بعض رسائله التي تكشف جوانب مختلفة من شخصيته، بالإضافة إلى مقاطع من كتاباته المختلفة التي يرى أنها شكلت، بشكلٍ أو بآخر، مؤشرًا مباشرًا إلى حياته ومشاعره.

ويسعى المؤلف أيضًا إلى دحض الشبهات التي لحقت بصاحب "ألغاز"، لا سيما تلك التي ساهم في تعزيزها بعض كتّاب سيرته، الذين اعتمدوا في بناء تلك السير على الكذب والتلفيق، إلى حد تزوير الرسائل والوثائق التي لا تتلاقى مع أفكارهم الجاهزة والمعدة مسبقًا حول بو، الذي عانى من كتّاب السيرة بنفس القدر الذي عاناه في حياته من المحررين النزقين والقراء بحسب سنكلر.

والسبب الرئيسي لهذه المعاناة، هو المبالغة في التعاطي، سلبًا أو إيجابًا، مع الكاتب الأمريكي. فبينما ذهب البعض لتقديمه في مؤلفاتهم باعتباره نموذجًا لا مثيل له، حاول البعض الآخر فرض وصايتهم وانطباعاتهم الشخصية المعدّة مسبقًا عليه، في الوقت الذي ذهب فيه آخرون إلى التقليل من قدره وقيمة ما أنجزه أدبيًا.

يسعى سنكلر إلى دحض الشبهات التي لحقت بإدغار آلان بو، لا سيما تلك التي ساهم في تعزيزها بعض كتّاب سيرته

بموازاة انشغالاته هذه، يحاول ديفيد سنكلر الإجابة على عدة تساؤلاتٍ من شأنها الإضاءة على جوانب مختلفة من سيرة بو، ومنها: ما هو المرض الذي أصابه وترك فيه ذلك الأثر السيئ؟ ما الذي دفعه إلى قطع علاقته بولي أمره الذي تبناه؟ لماذا تزوج من فتاة لا تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها؟ ما الذي أوصله إلى أحد أزقة بالتيمور حيث عثر عليه شبه فاقدٍ لوعيه وقد لبس ثيابًا ليست ثيابه؟

اقرأ/ي أيضًا: تُرجم قديمًا: سحر شنغهاي

يقول سنكلر في ختام الكتاب إن إدغار آلان بو: "لم يكن مجنونًا. كما لم يفقد الوعي بفعل أثر الكحول أو بعض المخدرات. كان بو مريضًا وضعيفًا وأحمقَ. ولعل الأهمية التي تكتسبها أفضل قصصه هي أنها قد شكلت وصفًا لبو المرهف في أحاسيسه، المنهار تحت وطأة المرض والضعف والحماقة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تُرجم قديمًا: النفق

تُرجم قديمًا: اليوم المرتجى لسمك الموز