تيسير خلف.. وقائع السيرة الدمشقية لمسرح أبي خليل القباني

تيسير خلف.. وقائع السيرة الدمشقية لمسرح أبي خليل القباني

القباني (ألترا صوت)

يقدم الباحث تيسير خلف في كتابه "وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1872- 1883" (منشورات المتوسط 2019) قراءًة مرجعية، تنبش في السيرة الدمشقية لرائد المسرح السوري خلال الفترة التي عرفت فيها الدولة العثمانية بدولة "الرجل المريض" نسبًة للسلطان عبد الحميد الثاني، مستندًا في بحثه للوثائق العثمانية والصحف اليومية الصادرة خلال تلك الحقبة، ويتتبع السيرة المسرحية للرجل خلال تنقلاته للبحث عن مكان يسمح له بعرض أعماله بعد الهجمة التي تعرض لها من قبل مشايخ الشام في ثمانينيات القرن الـ19.

كانت عروض القباني المسرحية في دمشق تعيش صراعًا بين البنى الدمشقية التقليدية والبنى التحديثية

لم يقدم الكتاب البحثي عرضًا فقط لسيرة القباني المسرحية خلال حقبته الدمشقية، بل شمل في كافة صفحاته استعادة تأريخية للحياة الاجتماعية – السياسة الدمشقية في القرن الـ19، وهو ما يدركه القارئ عند المضي بصفحات الكتاب لما يتجاوز البحث عن السيرة المسرحية المأخوذة عن عشرات المقالات التي تناولت عروض القباني المسرحية، وتميزت المقالات المرجعية المعتمدة في متن البحث بجانين: السجع الذي غلب عليه مديح عروض القباني أولًا، والقدح والذم الذي استخدمه معارضي مسرح القباني فكانوا السبب المباشر وراء إغلاقه.

اقرأ/ي أيضًا: تيسير خلف في "عصافير داروين".. رحلة عربية إلى الهزيمة

المميز في نشأة القباني المسرحية أنها جاءت في سياق فترة زمنية كانت الدولة العليّة تشهد بدايات انهيارها، ومحاولة السلطان عبد الحميد الثاني إنقاذ السلطنة العثمانية مع دخول رياح التغيير الأوروبية القادمة إلى الولايات العثمانية، ومن هنا فإن عروض القباني المسرحية في دمشق كانت تعيش صراعًا بين البنى الدمشقية التقليدية ممثلًة بالشيوخ الدمشقيين، والبنى الدمشقية التحديثية ممثلًة بالطبقة المثقفة والتنويرية، ناهيك عن وقوف رجالات النهضة العربية في وجه عملية التتريك التي بدأتها الدولة العليّة للحفاظ على نفسها من الانهيار.

لذلك فإن خلف اشتغل على مجموعة نقاط أساسية كان محركها الأساسي السيرة الدمشقية للقباني، صحيح أن البحث قدم إضاءة وافية عن المسرحيات التي قدمها القباني في دمشق، قبل أن ينتقل بعد إغلاق مسرحه إلى مصر لتقديم عروضه، وبعدها مرحلة تقديم العروض في ولاية شيكاغو الأمريكية في إطارها الزمني منذ نشأته حتى تاريخ وفاته، إلا أن أهميته تكمن في جوانب أخرى عرضت عند الحديث عن تلك الحقبة باستعارته إشارات مهمة لما كانت دمشق تعيشه من صراعات اجتماعية – طبقية – سياسية، انعكست في مقالات الصحف العربية، والبعثات الأوروبية التي تحدثت عمّا شاهدته في عروض القباني.

المساحة الأكبر التي يفردها صاحب "وثائق عثمانية حول الجولان" في وقائع القباني الدمشقية كانت للعروض المسرحية، إذ يتتبع تفاصيل المسرحيات التي قدمها القباني في دمشق بشكل تسلسلي، بالحديث عن الإدخالات الجديدة التي أضافها القباني على خشبة مسرحه، والآلات الموسيقية وحركة الممثلين، وتطوير التكنيك الذي رافق خشبة المسرح والعروض وتصميم المداخل أيضًا، كان من بينها على سبيل المثال إدخال العنصر الأنثوي بذكره أن "بعض فتيان كانوا يلبسونهم ملابس النساء لعدم وجود ممثلات في ذلك الحين"، ولاحقًا استدعائه للممثلتين مريم ولبيبة مللي من بيروت لفترة مؤقتة، بسبب منافسة المسرح العثماني الذي كان ضمن فريقه ممثلات، إلا أن التجربة لم تكن مشجعة بالنسبة للقباني فأقلع عنها سريعًا.

إضافة لذلك فإن البحث يفرد مساحًة كبيرة للحديث عن العريضة التي وقعها الشيوخ الدمشقيين، ودورها الأساسي في إصدار قرار بإغلاق مسرح القباني ومنعه من التمثيل عام 1883، بتواطؤ بين الشيخ أبو الهدى الصيادي، مستشار السلطان ووكيل الشؤون العربية في قصره، والشيخ الدمشقي سعيد الغبرا الذي كان مسؤولًا عنها، إلا أن أهم ما يميز ملابسات العريضة الموقعة لإغلاق مسرح القباني بحسب ما يقدمه خلف بالاستناد لحقائق مثبة بالمراجع التي اعتمدها أن الوالي أحمد حمدي باشا هو من أمر بإغلاق المسرح، أي أنه لم تصدر عن الإرادة السنية الصادرة عن السلطان.

ويؤكد باحثنا عدم وجود فرمان سلطاني بإغلاق مسرح القباني، ومنعه من التثميل، بالإشارة لعدم وجود أي أثر لها في الأرشيف العثماني ما يعتبر من الأمور النادرة، ويرى أن الصيادي خاطب الصدر الأعظم أو الوالي على الأرجح ببرقية طلب فيها إغلاق مسرح القباني، وإشاعة أن السلطان أصدر إرادة سنية بذلك، فقد ساق المشايخ الدمشقيين مجموعة من المزاعم اتهموا بها القباني، إذ يرد في العريضة المرسلة للسلطان العثماني أن عروض القباني المسرحية كانت "تميل بالنفس إلى أنواع الغرام والشجون. والتشبّه بأهل الخلاعة والمجون".

وما سيق في عريضة المشايخ الدمشقيين المزعومة لم يؤثر على منع القباني من التمثيل في دمشق، حلب، وبيروت، بل امتد لملاحقته عندما قدم عروضه المسرحية في شيكاغو الأمريكية عام 1893، التي غادرها مكرهًا بعد شهرين بسبب التقارير الأمنية التي أرسلها رجال الخِفية، وتحدثت عن عزم فرقة القباني "الإساءة إلى العرب والمسلمين"، وجرى البحث في "أسماء، ومهمات، وعدد المسلمين المشاركين في العروض"، ما دفع بالقباني العودة وحيدًا من شيكاغو، فيما استمرت الفرقة بتقديم عروضها في الولاية الأمريكية بدونه.

ويقدم البحث معطيات جديدة لم تكن قد ظهرت في الكتب التي تناولت التجربة المصرية للقباني بعد أن قصدها على خلفية إغلاق مسرحه، وتميزت هذه المرحلة بتخفيف القباني من ظهوره المسرحي على حساب الإخرج والإدارة الفنية، كما أنها شكلت منعطفًا في تاريخه الموسيقي بتقديمه الوصلة الطويلة بعد العروض المسرحية، وابتكاره طريقة جديدة خاصة به في الغناء، قالت عنه الصحافة المصرية حينها إنه كان "يسحر الألباب ويذهل العقول"، ولاحقًا استفاد القباني من تجربة شيكاغو بما انعكس على تكنيكه المسرحي للأعمال التي قدمها عقب عودته من الولاية الأمريكية.

 في النقاط الأساسية الأخرى التي تعكس جوانبًا تاريخية تطرق لها خلف عند الحديث عن وقائع مسرح القباني الدمشقية، يستعير واحدًة من الشهادات المهة التي قدمها المستشرقون البريطانيون وثّقوا خلالها رؤيتهم لتنوع جمهور مسرح القباني، وتميزت بأنها قدمت عرضًا مختصرًا للحياة الطبقية والاجتماعية التي كانت تعيشها دمشق في ثمانينيات القرن الـ19، حيث إن "الجالسين في الصفوف الخلفية يدخنون الغليون التركي (الشبق)،  بسبب ضيق المكان، أما الأفندية الذين يتصفون بالجدية ويضعون النظارات على عيونهم فيجلسون في الصف الأمامي وينفثون دخان نرجيلاتهم، الموضوعة أمامهم على الأرض"، فقد كان من أبرز مأثر أبي خليل الكبرى أنه "نجح في تحويل المسرح إلى طقس اجتماعي دمشقي، غير مختص بفئة من دون أخرى".

على أن البحث يكشف جانبًا مهمًا من حياة المرأة الدمشقية إبان تلك الحقبة نقلًا عن السير لورانس أوليفانت الذي تحدث عن بعض النساء السوريات اللواتي كنّ بين الحاضرين لعروض القباني المسرحية، ويقول إنهنّ كنّ: "يرتدينّ ألبسة شبه أوروبية"، ما يمكن اعتباره "انقلابًا ثوريًا كبيرًا، لم يكن مألوفاً في المجتمع الدمشقي من قبل"، ما جعل من خصوم القباني يبذلون جهدًا مضاعفًا حتى استطاعوا الحصول على قرار من الدولة العليّة يأمر بإغلاق مسرح القباني في دمشق، الأمر الذي وصل في تعميمه أيضًا إلى ولايتي حلب وبيروت.

من أبرز مأثر أبي خليل القباني أنه نجح في تحويل المسرح إلى طقس اجتماعي دمشقي، غير مختص بفئة من دون أخرى

تعكس وقائع القباني الدمشقية جانبًا مهمًا من أثر مسرحه السياسي الذي أخذ بعدًا قوميًا، وهو ما يرجّحه خلف في حديثه عن الجانب السياسي، فالمنشورات والكتابات التي انتشرت في دمشق مطلع تشرين الأول/أكتوبر 1883 بدعوتها لاستقلال العرب عن العثمانيين كان سببها المباشر إغلاق مسرح القباني، ويفسر باحثنا ذلك بقوله إن مسرح القباني كان "المدرسة الأولى التي تلقى فيها عموم السوريين قصص الخلفاء، والشعراء، والعشاق، والأبطال العرب بلغة فصحى، رفعت سويتهم المعرفية، ووجهت إحساسهم بهويتهم العربية، ولذلك كان الإقبال على مسرح القباني نوعاً من التعبير عن إنتماء قومي".

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة تيسير خلف

يمكن القول إن ما قدمه تيسير خلف في "وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1872- 1883"، يعتبر مرجعًا لا على المستوى العربي، بل يشمل العالمي عند الحديث عن الأعمال التي تناولت سيرة القباني الدمشقية بحسب توصيف أستاذ المسرح العربي في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حلوان سيد علي أحمد، لما تضمنه من مصادر ومراجع هامة تعود فترتها الزمنية لأكثر من 150 سنة، وأغلبها مصادر ومراجع حيّة تتمثل في وثائق مجهولة، وقراءة مستفيضة لأرشيف الوثائق العثمانية، والأخبار الصحفية المعاصرة للأحداث، ومذكرات ويوميات الرحالة والمستشرقين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين: موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين (1/2)

ركن الورّاقين: موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين (2- 2)