هل يمكن أن تتحول رحلة أبو خليل القباني إلى أمريكا إلى فيلم سينمائي؟

هل يمكن أن تتحول رحلة أبو خليل القباني إلى أمريكا إلى فيلم سينمائي؟

أعضاء الفرقة في جناحهم بالمعرض (أرشيف تيسير خلف)

تفضّل الصديق العزيز الباحث المجتهد تيسير خلف بإرساله لي نسخة عن مخطوط كتابه الجديد "من دمشق إلى شيكاغو ـ رحلة أبو خليل القباني إلى أمريكا 1893"، الحائز على "جائزة ابن بطوطة"، الذي سوف يصدر قريبًا.

لا يوثّق الكتاب لرحلة تاريخية هامة في حياة عميد المسرح العربي أبو خليل القباني (1842-1902)، أحمد أقبيق وهو اسمه الحقيقي، إلى أمريكا وحسب، التي ظلت تفاصيلها مجهولة لقرن وربع من الزمن تقريبًا؛ بل يوثّق محطةً مهمةً في الحياة الثقافية الغنية لمنطقتنا أواخر القرن التاسع عشر، حيث قدمّت فرقة "مرسح العادات الشرقية"، التي شغل فيها القباني منصب "مدير الممثلين"، أعمالًا مسرحية وفنية وموسيقية أبهرت ذلك الجانب من العالم.

في أواخر القرن التاسع عشر، سافر أبو خليل القباني مع فرقته إلى أمريكا، وقدم واحدة من أندر تجارب التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب

سبب تلك الزيارة كان المشاركة في "معرض شيكاغو الكولومبي"، تلبية لدعوة وجهها الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون إلى السلطان عبد الحميد في شباط/فبراير 1891، الذي أقيم لمدة ستة أشهر من مطلع أيار/مايو، إلى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1893.

اقرأ/ي أيضًا: سكة الحديد العثمانية.. تواصل عربي عبر فلسطين على هامش مصالح الإمبراطورية

السلطنة اهتمت كثيرًا بالدعوة وبركنها في المعرض، الذي فاقت تكاليف بناء حاراته ومسرحه الـ 10 آلاف دولار أمريكي، وحرصت من خلاله على إظهار التنوع العرقي والقومي والثقافي للولايات الخاضعة لسلطتها وعادات أهلها وتقاليدهم؛ وقد برع أبو خليل القباني في تقديم هذا التنوع من خلال عروض مسرحية وفنية وموسيقية مهتمًا بأزياء أعضاء فرقته، الذين كانوا يبهرون الناس في كلِّ مكان حلّوا فيه حتى خارج العروض، كما حرص أبو خليل القباني على إظهار العادات والتقاليد في مسرحياته في كل مناحي الحياة في الأعراس والأحزان.. وغيرها، وكانت فرصة مهمة لدراسي الأنثروبولوجيا الأمريكان لفهم ثقافات المنطقة من خلال مسرح القباني.

كانت هذه التجربة كما يقول الباحث خلف "فرصة رائعة لدراسة وفهم واحدة من أندر تجارب التفاعل الثقافي المباشر بين منطقتي شرقي المتوسط، بما تحمله من أبعاد تاريخية ودينية لها تأثيرات عميقة في الواجدان الغربي المسيحي، وبين الولايات المتحدة التي كانت تنظر إلى نفسها منذ ذلك الوقت بوصفها قمة هرم الحضارة الغربية".

الباحث تيسير خلف تمكّن بجهد ملحوظ من توثيق هذه الرحلة، مستعينًا بأرشيف مكتبات عربية ومكتبات جامعات أمريكية، إضافة إلى أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، ليقدّم تفاصيل مهمة عن تلك الرحلة.

صحيح أن مدة الرحلة كان ستة شهور، لكن القباني اضطر إلى قطعها بعد أن أمضى شهرين فقط في أمريكا، بسبب تقارير كيديّة لمخبري السلطنة "رجال الخِفْيَة"، وهو كما يتوقع الباحث خلف السبب الذي أجبر القباني على إخفاء أمر تلك الرحلة فيما بعد، وتم تجاهلها في حياة القباني الإبداعية، وعدم ذكر تفاصيلها حتى بعد وفاته من تلاميذه، لتصبح تفاصيلها مجهولة للكثيرين، قبل أن يتمكن تيسير خلف من إعادة إحيائها بتفاصيلها الكاملة.

ألّف أبو خليل القباني فرقته أواسط العام 1892 من 50 ممثلًا وعازفًا وراقصًا، غالبيتهم الساحقة من ولاية سوريا العثمانية، خصيصًا للمشاركة في هذا المعرض الثقافي الضخم الذي احتضن فعاليات ترفيهية جسّدت الثقافات الشعبية، بمختلف مراحل تطورها التاريخية بإشراف قسم الأنثروبولوجيا في جامعة هارفرد.

سبق أبو خليل القباني بروتولت بريخت بنصف قرن في فكرة "كسر الجدار الرابع"

من الأمور الشيّقة في هذا المجال معرفة أن تسمية "مرسح" أُطلقت بداية على المسرح، كمعادل للصيغة الإغريقية اللاتينية "تياترو"، وكان يلفظ بالعامية "مرزح"، وهو المعروف في أرياف بلاد الشام بوصفه مكانًا يجمع الراقصين في حلقة الدبكة، والمصطلح المستعار من اللغات القديمة التي سادت في المنطقة يعني "مكان تأدية التمثيلية الطقسية الدينية".

اقرأ/ي أيضًا: كُتَّاب السلطان

"مدير الممثلين" كان اللقب السابق لاسم "المخرج"، هذا عدا عن استعراض التجربة القبانية وإبراز قوتها على لسان الكثير من الصحف الأمريكية، ومنها أن هذه تجربته الفردية المسماة في علم المسرح "كسر الجدار الرابع" بين خشبة المسرح والجمهور، وسابقة على تجربة الألماني برتولت بريخت بنصف قرن، حيث يحاور الممثل الجمهور ويتفاعل معه، وهي تقاليد لم يعهدها الجمهور الغربي سابقًا بسبب تقاليدهم المسرحية الصارمة. حتى أزياء ومكياج أعضاء الفرقة ولوحات العروض التي اعتمدت على الإبهار البصري، تمت مقارنتها مع لوحات مشاهير الفن الأوروبي في ذلك الزمن.

في الكتاب تفاصيل كثير ممتعة وشيقة، أعتقد أنها تستحق أن تتحوّل إلى فيلم سينمائي، فالباحث تيسير خلف قدم دراسة تفصيلية للرحلة بكل أبعادها السياسية والفنية والمخابراتية والاقتصادية، ووثّق الأعمال المسرحية والأغاني، وهو ما يجعل من إمكانية تحويلها إلى سيناريو فيلم قابل للتنفيذ أمرًا ليس صعبًا، وبكل تأكيد سيسهم هذا الفيلم في التوثيق البصري لإبداعات أبي خليل القباني الذي فرض نفسه بكل جدارة كواحد من أهم المسرحيين العالميين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

توفيق الحكيم.. عصفور على خشبة المسرح (1- 2)

الطيب صديقي.. رحيل المدرسة