توبات فضل شاكر.. أسئلة لجيل أبعد من لبنان

توبات فضل شاكر.. أسئلة لجيل أبعد من لبنان

محاولة فضل شاكر العودة إلى عالم الفن لن تكون سهلة كخروجه منها (فيسبوك)

في حياة فنان واحد، هل يمكن أن يجتمع الفن والسلاح؟ الخجل والغناء والتدين؟ المصحف والعود؟ هناك من يرى أنه لا تناقض يجمع بين هذه الثنائيات، وهناك من يرى استحالة الجمع بين الفن و"التوبة"، لأن "التوبة" في حياة بعض الفنانين تعني التوبة عن الفن بشكل أولي.

أكثر قصص الاعتزال في الفن المثيرة للجدل، هي قصة فضل شاكر، الذي جمع بين السلاح والغناء، والتوبة ثم التوبة عن التوبة

كثيرون حملوا أغراضهم و غادروا الساحة الفنية للاختفاء تمامًا في الضباب، كما حدث مع شادية مثلًا، وآخرون غادروا ثم ملأت تصريحاتهم ومقابلاتهم شاشات التلفاز مثل شهيرة زوجة الفنان محمود ياسين، التي تتحدث عن الفن بصفته الفرصة الضائعة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الثورات.. أزمة الغناء العربي إلى أين؟

والبعض الآخر اعتبر الفن خطيئة تستوجب التوبة، مثل هنا شيحة، التي اعتزلت وارتدت النقاب، وآخرون اعتزلوا ثم عادوا مرة أخرى. هناك قصص لفنانين جمعوا بين الفن والسياسة، غير أن السياسة تودي بفن صاحبها، وقد تودي بصاحبها أصلًا، مثلما يتوارد عن أسمهان الأطرش أو كاميليا التي قيل إن الحب كان مدخلها للسياسة، كونها كانت معشوقة الملك فاروق، وأنه السبب في مصرعها بالطائرة.

لكن أكثر قصص الاعتزال في الفن المثيرة للجدل، هي قصة فضل شاكر، الذي جمع بين الفن والسلاح والسياسة، بأن تاب عن الفن بالسلاح والتسيّس، ثم تاب عن توبته هذه بطلب الفن مرة أخرى. قصة أعنف مما تداوله الناس عن الفنان الراحل حسين صدقي، والتي تقول إنه أوصى بحرق أفلامه بعد موته كونها بلا قيمة دينية، رغم أن أفلام صدقي في مجملها، لم تكن تخلو من مشهدٍ أو مشهدين لخطبة عصماء عن الأخلاق والقيم.

وإن كان صدقي قد مات مُعتزلًا الفن باعتباره "طريق الحرام"، فهو لم يحمل سلاحًا يومًا، ولم يرتد على عقبيه تائبًا عن توبته الأولى بالاعتزال، بالخوض مجددًا في غمار الفن الذي سيمثل له الآن خيط النجاة.

الفنان الخجول أصبح "مجاهدًا".. والعكس!

ترك الواقع السياسي عنيف التناقضات، بصمته على حياة فضل شاكر. قصة اعتزاله ثم رجوعه كفيلة بأن تُدرس تحت عنوان: "كيف يتحول الفنان المرهف إلى داعية يحمل السلاح". وبطبيعة السياسة ذات التوازانات والتفاهمات والمتغيرات السريعة والكبرى أحيانًا، يمكن أن نقرأ قصة تركه لحياة الجهاد والدعوة  في جماعة أحمد الأسير.

تبدأ خيوط الحكاية من البيت، حيث نشأ فضل في بيت تُوفي فيه الوالد، وأصبح أخوه أبو العبد أو محمد شاكر، مسؤلًا عن إعالة الأسرة. وأبو العبد رجل سلفي، له تاريخ في حمل السلاح، حيث انضم إلى الجماعة الإسلامية ثم تركها في الثمانينات، ليصبح الرجل الثاني بعد أحمد الأسير في جماعة "جند الشام" وهو تنظيم سلفي ينشط في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان المتوتر.

اتخذ فضل شاكر قرار الاعتزال في آذار/مارس 2012، حينئذ أطل على جماهيره ليقول لهم إنه اتخذ طريق الإسلام، وأنه "تاب" عن الفن والغناء لأنه طريق الحرام. كان فضل في لقائه عفويًا وهادئًا، غير مُقنّع. وقد بدا أن قراره لم يكن نتيجة صراع سنوات كما قال، وإنما هي عاطفة جياشة تجاه الحرب في سوريا التي يتخذ فيها حزب الله موقع الحليف لنظام بشار الأسد الذي أمعن في ارتكاب الجرائم بحق المدنيين.

كان فضل شاكر بمثابة الوجه الدعائي الأبرز لجماعة الأسير، بعد أن تحول من غناء "بياع القلوب باعني" إلى "سوف نبقى هنا"

قرر شاكر إذًا رفع السلاح ضد هذا النظام، أو الدفاع عن بيئته في وجه حلفائه، بل إنه في حفلته الأخيرة بموازين في المغرب، دعا علنًا على نظام بشار الأسد، وطلب من الجماهير أن يُأمنوا على دعائه.

 

مثّل فضل دعاية مهمة لجماعة الأسير، بتحوله من غناء "بياع القلوب باعني" إلى " سوف نبقى هنا"  ليمثل حركة " كتائب المقاومة الحرة" التي كانت ترمي إلى توفير دعم للسوريين في لبنان للقتال ضد حزب الله.

خرجت الأمور عن السيطرة بين جماعة أحمد الأسير والجيش اللبناني، من خلال أحداث "معركة عبرا" الدامية أو أحداث مسجد بلال بن رباح التي وقعت بين جماعة الأسير والجيش، في صيدا، في حزيران/يونيو 2013، ووجهت الاتهامات للأسير وشاكر بالتورط فيها، لكن شاكر نفى أن يكون له أي علاقة بها.

اقرأ/ي أيضًا: أمن المخيمات في لبنان.. "عين الحلوة" والكأس المرّة

بينما أوقعه مقطع فيديو مصور له في ورطة كبيرة مع الجيش اللبناني، يقول فيه "قتلنا فطيستين يا كلاب"، فقيل إنه كان يقصد جنودًا في الجيش، إلا أنه نفى ذلك موضحًا أنه كان يقصد عناصر حزب الله.

العودة.. "أريد أن أغني فقط"

قضت المحكمة العسكرية اللبنانية في أيلول/سبتمبر 2017 بالحكم على شاكر بالسجن 15 عامًا وتجريده من حقوقه المدنية، ولكن شاكر لم يستسلم وحاول بما يمتلك من شبكات معارف قوية داخل لبنان، أن يتوسط للحكومة لإثبات برائته، التي يؤكدها مرارًا و تكرارًا.

وفي لقاء مع سعد الحريري على إحدى القنوات، قال إن فضل شاكر سينال محاكمة عاجلة إذا قام بتسليم نفسه، وأن ثقته بالقضاء كبيرة لإنهاء مسألته. الجدير بالذكر أن فضل لم يسلم نفسه كما فعل الأسير، مفضلًا أن يعيش مختبئًا في مخيم عين الحلوة، منتظرًا ضمانات الحصول على محاكمة مخففة في لبنان، وناظرًا لزعامة آل الحريري التي قدمت الوعود له وسحبتها مرات عدة.

ولا يبدو أن العودة إلى الغناء مرة أخرى ستكون أمرًا سهلًا على فضل شاكر، ولا يُتوقع أن يكون الطريق مفروشًا أمامه بالورود، فبعد أن غنى تتر مسلسل "لدينا أقوال أخرى" ليسرا، بأغنية عنوانها "شبعنا من التمثيل"، قررت الشركة المنتجة في اللحظات الأخيرة، أو بالأحرى اضطرت إلى حذف أغنية شاكر. 

صورة شاكر بالسلاح ربطته لدى كثير من المتابعين بهمجية الدواعش وأصحاب الفكر المتطرف، وقد يحتاج تغيير هذه الصورة بعضًا من الوقت

ربما يحتاج فضل شاكر إلى تبرئة ساحته رسميًا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن ارتباط صورته بالسلاح لدى كثير من المتابعين ربطته بهمجية الدواعش، وأصحاب الفكر المتطرف، ويبدو أن الفنان "الحساس" في مأزق العمر، وهو يواجه أصعب درس في حياته، حين قامر بسمعته في أوساط مثل الأوساط الفنية تحكمها توازنات كثيرة و العديد من الخطوط الحمراء وذاكرة لا تنسى. لكن السؤال الكبير الذي ترسمه حالة فضل شاكل ومصيره المرتقب، ليس في لبنان فقط، بل عربيًا وعالميًا، يتعلق بشان آليات التفوق على الإرهاب وإنقاذ من يمكن إنقاذه من الشباب، سواء من الإرهاب أو التسلح والاحتراب الأهلي؟ فإذا كان باب التوبة محكم الإغلاق بهذا الشكل، فلا يبدو أن هناك متسعًا أساسًا للتساؤل عن آليات المصالحة والتأهيل المجتمعي!

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصورة الأقرب إلى أحمد الأسير

إبراهيم كيفو.. صوت سوريا القديم