أمن المخيمات في لبنان..

أمن المخيمات في لبنان.. "عين الحلوة" والكأس المرّة

مدخل مخيم عين الحلوة في لبنان (مروان نعماني/ أ.ف.ب)

يتوزّع الشتات الفلسطيني على المخيمات في لبنان متخذًا من مخيم عين الحلوة عاصمةً له. ففي 12 مخيمًا رسميّا، وانتشار متفرّق في المدن والقرى اللبنانية أو شبه مكثّف في بعضها، يعيش الفلسطينيون مأساتهم في لبنان بصمت، بعيدًا عن الوطن في البداية، ثم تأتي بعد هذه النكبة كل النكبات الأخرى.

صحيح أن من يقطن من الفلسطينيين خارج المخيمات في لبنان هم أكثر أمنًا تحت "رعاية" الدولة اللبنانية، وينعمون بإنماء أكبر، يوفّر لهم بنى تحتية مقبولة بالحد الأدنى، وتتضاعف فرصهم في العمل في حدود ما تتيحه لهم لائحة المهن المسموح للفلسطينيين مزاولتها بحسب القوانين اللبنانية، إلا أن كل الفلسطينيين في لبنان ودون استثناء، يعيشون عذابات التهجير منذ خروجهم من أرضهم مُكرَهين، مرورًا عبر كل تلك السنوات التي تعاقبت نهاراتها ولياليها عليهم، بما تخبئه لهم من ظروف، الظاهر منها معلوم والمجهول منها برسم الأيام والمستقبل الضبابي الأسود.

يعيش الفلسطينيون مأساتهم في لبنان بصمت، بعيدًا من الوطن في الاستهلال، ثم تأتي بعد هذه النكبة كل النكبات الأخرى

في المخيمات تتزايد دراماتيكية المشهد، ليس لجهة ما يُرى فحسب، بل ما يُسمع ويُحسّ أيضًا، فإلى جانب الفقر المدقع الذي تّعبر عنه الأزقة المكتظة بالبنيان العشوائي والشباب العاطلين عن العمل، وغياب الخدمات وفي مقدمتها البنى التحتية من شبكات صرف صحي ومياه وكهرباء؛ فإن انتشار الآفات الاجتماعية داخل المخيمات نتيجة البطالة والحاجة، يُحوّلها إلى أماكن معزولة، كجزر في المحيط اللبناني، قلّة من اللبنانيين تجرؤ على الدخول إليها لأسباب غالبًا ما يكون مبالغًا فيها، بناءً على ما يُشاع وليس إلى واقع الأمر.

اقرأ/ي أيضًا: مجددًا في لبنان.. التحريض على المخيمات الفلسطينية

أما ما يُحسّ داخل المخيمات فهو مزيج من مشاعر السخط على الأوضاع اللاإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، والخوف عليهم من الأمن الهش الذي تهّدده - في بعض المخيمات- تنظيمات إسلامية متشدّدة، وعددٌ كبير من الخارجين عن القانون، ممن يلجأون إلى المخيمات كونها بعيدة عن رقابة الدولة وسلطة أجهزتها.

سؤال أمن المخيمات في لبنان

ولم يلق سؤال أمن المخيمات في لبنان إجابةً شافية يومًا، وبشكل عام تُرسم علامة الاستفهام بين مرحلة وأخرى، لكن الإجابة غالبًا ما تأتي إذا أتت، باهظة الثّمن، وتسدد الفاتورة من لحم اللاجئين الفلسطينيين الحي، بدءًا بالمذابح التي شُنّت ضد المخيمات على يد عدد من الميليشيات اللبنانية، وتلتها حرب المخيمات التي وقعت بين حركة أمل والفصائل الموالية لسوريا من جهة، وحركة فتح وحركة المرابطون من جهة ثانية. 

وبعد حين وقعت الحرب التي خاضها في مخيم نهر البارد الجيش اللبناني وعصابة شاكر العبسي، وليس آخرها جرح مخيم عين الحلوة، المخيم الأكبر لجهة المساحة الجغرافية والكثافة السكانية، والذي يُقال إنه مصدر "غني" لبيع الأسلحة والذخائر، ما يجعل منه بين فترة وأخرى ساحة معركة على درجة عالية من الاكتظاظ، يتحول معها كل المخيّم إلى ضحيّة، فيما الجلّاد هو من يتخذ من الأبرياء دروعًا بشريةً يحتمي بها.

ومؤخرًا شهد المخيم، الذي يقع ضمن مدينة صيدا الجنوبية، قبل أيامٍ، معارك ضارية وصل صوت القذائف فيها إلى بعد آلاف الكيلومترات، عملت خلالها حركة فتح على استئصال حالة بلال بدر من المخيم، فدارت الاشتباكات وأوقعت قتلى وجرحى، لكن بلال بدر فرّ في خلالها إلى جهة مجهولة يُقال إنها داخل المخيم.

ما يُروى عن بلال بدر

ما يُحكى عن بلال بدر من قبل عارفين به، هو أنه كان ذا ميول يسارية، لكنه ما لبث أن انجرف نحو التطرف الإسلامي مع بروز "عصبة الأنصار"

لمَ "الحرب" على بلال بدر ومن هو؟ هو رجل ثلاثيني ذو نزعة إسلامية توصف بـ"التطرف"، ويُقيم منذ سنوات في حي الطيري بمخيم عين الحلوة. ولا يعد بلال بدر مطلوبًا للسلطات اللبنانية فحسب، بل كذلك لحركة فتح، خاصة وأنه متهم باغتيال عدد من قادتها لإتقانه صناعة العبوات الناسفة، في حين يُقال أيضًا إن فتح حاولت اغتياله في 2013 للسبب المذكور آنفًا، ومن هنا كانت الاشتباكات الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: وقف تطويق مخيم عين الحلوة

ما يُحكى عن بدر من قبل عارفين هو أنه كان ذا ميول يسارية، لكنه ما لبث أن انجرف نحو التطرف الإسلامي مع بروز "عصبة الأنصار"، وهي جماعة سلفية جهادية أُسست في المخيم عام 1990 على يد هشام شريدي، وصُنّفت جماعةً إرهابية من قبل الأمم المتحدة ودول عربية وأجنبية. 

ويُقال إن بلال بدر غادر إلى سوريا مع اندلاع الثورة فيها، فقاتل مع تنظيمات توصف بـ"التشدد" ثم عاد إلى لبنان لتنفيذ عمليات إرهابية، بحسب ما يقال أيضًا.

إذن فرّ بلال بدر ولم ينته وجوده في المخيم. وتوقفت الاشتباكات بعد سقوط المربع الأمني الذي كان يتحصّن فيه ومجموعته، لتنتشر القوة المشتركة في كامل حي الطيرة، لكنه ما زال داخل المخيم، وإن كان متواريًا عن الأنظار، وفقًا لما يُروى.

واقعٌ يُعيد تقديم الصورة الملتبسة للوضع، والذي يتراوح في تجسيده بين الإجابة المنقوصة والسؤال المفتوح على ألف احتمال حول مستقبل أمن مخيم عين الحلوة، ومن حوله كل المخيمات.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

المخيم ومضاعفة النكبة

هل وصل "سلاح هتلر السري" إلى مخيمات لبنان؟