تعديل قانون هيئة الرقابة الإدارية.. كل شيء خاضعٌ للسيسي

تعديل قانون هيئة الرقابة الإدارية.. كل شيء خاضعٌ للسيسي

بتعديل قانونها أصبحت الرقابة الإدارية تتمتع بصلاحيات نافذة (caribflame)

بدعوى مكافحة الفساد، وافق مجلس النواب المصري، الثلاثاء الماضي، على تعديل المادة 54 لسنة 1964، المتعلقة بإعادة تنظيم هيئة الرقابة الإدارية في مصر، وذلك بنقل تبعيتها إلى رئاسة الجمهورية، وتعيين رئيس هيئة الرقابة الإدارية من قبل رئيس الجمهورية بعد موافقة البرلمان.

بعد تعديل قانون تنظيم هيئة الرقابة الإدارية، تحولت الهيئة من جهة مستقلة داخل الدولة، إلى جهة تابعة لرئاسة الجمهورية بشكل مباشر

وسيحظى رئيسها بدرجة وزير ونائبه بدرجة نائب وزير. وأعضاء الهيئة سيتم تعيينهم بعد موافقة مباشرة من رئيس الجمهورية، بترشيح من رئيس الهيئة.

اقرأ/ي أيضًا: رحلة السيسي للبحث عن جهاز أمني من أبنائه

وبهذا التعديل تتحول الهيئة من كونها هيئة مستقلة تابعة للدولة، إلى هيئة تابعة بشكل مُباشر لرئاسة الجمهورية، بحجة "إزالة أي عقبات تواجه عملها". ومن المعروف أن مصطفى السيسي، نجل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يعمل ضابطًا برتبة مقدم في هيئة الرقابة الإدارية.

من السلطات المحدودة إلى الصلاحيات الواسعة

كانت هيئة الرقابة الإدارية مختصة بالكشف عن المخالفات المالية والإدارية وكذا الجرائم الجنائية التي يُتهم بها عاملون في الجهاز الحكومي، إضافةً كذلك إلى النظر في الشكاوى التي يقدمها المواطنون في الأجهزة العاملة بالدولة، أو في الموظفين العاملين بها، بناءً على مخالفتهم للقوانين أو الإهمال الذي وقع أثناء تأدية واجباتهم.

وبعد التعديلات التي أقرها البرلمان أخيرًا، تحولت هيئة الرقابة الإدارية إلى جهاز له سلطات أكبر وأعمق في الرقابة على أجهزة الدولة المدنية بقطاعيها العام والخاص، وبطبيعة الحال تخرج الوزارات العسكرية عن تلك الدائرة.

التعديل الجديد للمادة الثامنة من القانون، منح للهيئة سلطات أوسع في إطار شديد العمومية، إذ جاء في نص التعديل: "يجوز لهيئة الرقابة الإدارية كلما رأت مقتضى لذلك، أن تجري التحريات فيما يتعلق بالجهات المدنية، وإذا أسفرت التحريات عن أمور تستوجب التحقيق أحيلت الأوراق إلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة بعد موافقة رئيس الهيئة أو نائبه، بدلًا من إذن رئيس الهيئة، وتقوم النيابة الإدارية أو النيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة بإفادة الهيئة بما انتهى إليه التحقيق".

تضمنت التعدلات أيضًا أن تكون الهيئة قائمة على مكافحة الفساد ومنعه معًا، إضافة إلى إنشاء "الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد"، والتي ستختص بالمؤتمرات والندوات والدورات التدريبية.

دلالات زيادة نفوذ هيئة الرقابة الإدارية

ما فعله السيسي بهذه التعديلات الأخيرة، هو بالضبط توسيع سلطات جهاز كان محدود السلطات. وجعل هيئة الرقابة الوحيدة تقريبًا المنوط بها مراقبة مؤشرات الفساد في الجهاز الحكومي.

بعد أن جعلها تابعةً له بشكل مُباشر، وسع السيسي من صلاحيات ونفوذ هيئة الرقابة الإدارية التي يعمل فيها نجله مصطفى 

وقبل التعديل الأخير كان الجهاز المركزي للمحاسبات هو أعلى جهاز رقابي في الدولة، ويوجد في كل جهاز في الدولة مراقب من الجهاز المركزي للمحاسبات يمارس عمله، ولا يمكن تقييده أو تقييمه، ويسير عمله مع الدولاب الإداري للدولة المصرية. لكن ما حدث مع هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، من عزله ثم إحالته للمحاكمة بتهمة "نشر أخبار وبيانات كاذبة" عن حجم الفساد في أجهزة الدولة، بعد تصريحه للإعلام بأن حجم الفساد في مؤسسات الدولة وصل لـ600 مليار جنيه؛ كان خطوة اُولى نحو تحجيم دور الجهاز الرقابي الأبرز في الدولة، قبل إعطاء صلاحياته كلها تقريبًا لجهاز آخر يعمل فيه نجل السيسي، وصار الجهاز أصلًا تابعة للسيسي بحكم منصبه رئيسًا للجمهورية.

اقرأ/ي أيضًا: هشام جنينة من مرسي إلى العزل.. 7 محطات ساخنة

ويُشار إلى أن المادة 218 من الدستور المصري، تنص على أن الدولة "تلتزم بمكافحة الفساد. ويحدد القانون الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بذلك. وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد". ومع التعديل الأخير في قانون هيئة الرقابة الإدارية، تُصبح معظم صلاحيات مراقبة الفساد في الجهاز الحكومي في يد هيئة واحدة هي الرقابة الإداية، ما يتنافى بدرجة ما مع نص الدستور من جهة عدم الاعتناء بالتنسيق الحقيقي بين الأجهزة المختلفة، وخاصة مباحث الأموال العامة ونيابة الأموال عامة التي سحبت منها صلاحياتها الخاصة بالتحري والكشف والضبط في جرائم الاستيلاء على المال العام والتربح غير المشروع. 

الأمر الآخر هو أن الضباط العاملين بهيئة الرقابة الإدارية معظمهم من خلفيات عسكرية، كانوا يعملون في القوات المسلحة،  ولا يهتمون كثيرًا بتقنين إجراءات الضبط والتفتيش أو التجسس على المكالمات الهاتفية واستخراج أذونات من النيابة العامة لذلك، وفقًا لمصدر حكومي لصحيفة العربي الجديد. ويعني ذلك غياب التنسيق في الإجراءات الجنائية.

التعديل الأخير أيضًا حذف شرط أخذ الإذن من رئيس الوزارء لتحريك دعوى ضد القيادات العليا في أجهزة الدولة العام المدنية وفي القطاع الخاص، مستثنيًا وزارة الدفاع، كما أوضح المحامي الحقوقي محمد عادل سليمان في معرض تعليقه على القانون، وذلك يعني إضافة امتياز للجيش يجعله فوق القانون وبعيدًا عن أي رقابة. يُضاف إلى ذلك تخصيص ميزانية مستقلة للرقابة الإداية قد تُمكنها من ممارسة أنشطة تجارية، مُستغلة ما لديها من مساحات واسعة للتحرك.

ويبدو أن النظام المصري بقيادة السيسي كان يُعد لهذا التعديل منذ فترة، فيما يبدو منذ واقعة القبض على وزير الزراعة صلاح هلال عام 2015 في مشهد درامي، باعتراض طريقه في ميدان التحرير، وما لحق ذلك من تلميع إعلامي لدور الرقابة، تردد فيه بطبيعة الحال اسم مصطفى السيسي، نجل الرئيس. 

وفي سياق مُتصل، يُشار إلى رئيس الرقابة الإدارية الذي عينه السيسي قبل عامين، هو محمد عرفان، الذي كان رئيسًا لقطاع العمليات الخاصة في الرقابة الإدارية، وكانت الصحافة تلقبه بـ"ميكروسكوب السيسي". كما أن السيسي عين نجله مصطفى في المكتب الفني لرئيس الرقابة الإدارية.

استطاع السيسي الالتفاف على القانون والدستور لإحكام سيطرته على الرقابة بالدولة بإعطاء كل السلطات الرقابية لجهاز واحد يتبع الرئاسة

وجدير بالذكر، أنه من قبل التعديل الأخير في قانون الرقابة الإدارية، والهيئة تعمل على توسيع نفوذها الإداري، بمشاريع بعيدة عن تخصصها، مثل المشروع القومي للمعلومات، المعروف بـ"بناء ذاكرة الأمة" وكذا مشروع تطوير ميناء الإسكندرية وميناء سفاجا البحري.

بهذا يكون السيسي قد قنن إشرافه على كل المفاصل الرقابية في الدولة، وتحويلها إلى جهة واحدة تابعة للرئاسة، دون أي رقابة تُذكر على الجيش. ومرة أخرى يُستخدم القانون للإطاحة بأي جهة رقابية مستقلة في البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد مسلسل من الانتهاكات.. السيسي يسعى لتعديل دستور "النوايا الحسنة"

تمديد السيسي لنفسه.. اسأل عن التوقيت!