تشيلسي مانينغ تسرب 700 ألف وثيقة سرية وتترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي

تشيلسي مانينغ تسرب 700 ألف وثيقة سرية وتترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي

تسمي مانينغ سياساتها بـ"الراديكالية المناهضة للسلطوية" (الغارديان)

أجرت صحيفة الغارديان البريطانية، أول مقابلة مع تشيلسي مانينغ منذ إعلانها الترشح لمجلس الشيوخ. ولمن لا يعلم، فإن تشيلسي مانينغ هي جندية أمريكية سابقة، أُدينت بتسريب أسرار رسمية، وحُكم عليها بالسجن 35 عامًا، قضت منها سبع سنوات، أجرت خلالها عملية تحوّل جنسي، وبدّلت اسمها من برادلي إدوارد مايننغ، إلى تشيلسي مايننغ. وفي السطور التالية ننقل لكم الحوار مترجمًا بتصرف.


بعد أسابيع قليلة من إطلاق سراح تشيلسي مانينغ من السجن العسكري، بعد أن قضت هناك سبع سنوات من الحكم الصادر بحقها والبالغ مدته 35 عامًا لتسريب أسرار رسمية، قالت إنها أدركت "حقيقة مرعبة"، وهي: "كنت خارج السجن، ولكني أدركت أنني بينما كنت بالداخل، انتقل السجن إلى هنا أيضًا. هذا ما أشعر به. أشعر وكأنني لم أغادر، لقد تبادلنا السجون فقط".

أعلنت تشيلسي مانينغ الجندية الأمريكية السابقة، التي أُدينت بتسريب وثائق سرية، نيتها الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ

هذا التقييم القاتم -أنها حتى وهي تستمتع بحريتها شعرت كما لو كانت محاصرة داخل سجن آخر- سيطر عليها وهي تسير يومًا ما في شوارع حي بروكلين بنيويورك. وتتميز نيويورك بسمعة جيدة ومحبوبة، ولكنها صُدمت برؤية الكثير من رجال الشرطة المدججين بالسلاح.

اقرأ/ي أيضًا: أبرز 10 تسريبات لوثائق سرية سياسية على مدار أكثر من 200 عام

تقول تشيلسي مانينغ: "كان هناك هذا التواجد الهائل لرجال الشرطة المسلحين. كنت جزءًا من قوات احتلال في بلد أجنبي، وأعرف كيف يبدو هذا الأمر. وهذا ما رأيته في بروكلين، أي قوات احتلال".

خوفها الشديد من الصورة التي غدت عليها الولايات المتحدة خلال السنوات السبع التي قضتها في محبسها، جنبًا إلى جنب مع تصميمها القوي على فعل شيءٍ حيال هذا الوضع؛ يكمن وراء إعلان تشيلسي مانينغ هذا الأسبوع ترشحها لمنصب مجلس الشيوخ الأمريكي.

"الخوف والعزيمة"، يمكن القول إن هاتين الصفتين قد شكلتا السمة المزدوجة للجندية تشيلسي مانينغ منذ اتخاذها ذلك القرار المصيري في عام 2010، بتسريب هذه المجموعة الضخمة من الوثائق السرية، والتي بلغت 700 ألف وثيقة، عندما كانت تعمل محللة استخباراتية في قاعدة عسكرية أمريكية في العراق.

وفي أول مقابلة أجرتها تشيلسي مانينغ البالغة من العمر 30 عامًا، منذ أن أعلنت عزمها على الترشح لمجلس الشيوخ من خلال تغريدة على تويتر، سألتها الغارديان عما إذا كانت تستطيع الفصل بين كونها واحدة من أشهر الشخصيات الرسمية التي سربت هذا الكم من الوثائق السرية في تاريخ الولايات المتحدة، وتعرض للعقوبة على إثر ذلك، وبين طموحاتها السياسية اليوم، فأجابت قائلة: "لقد مررت بالكثير منذ ذلك الوقت. وأنا الآن شخصية مختلفة تمامًا عما كنت عليه قبل 10 سنوات".

ولكن هناك بالتأكيد أوجه تشابه بين الحدثين. فقد كان تحميل ونقل سجلات الحرب وبرقيات السفارة وفيديوهات وملفات غوانتانامو إلى ويكيليكس، شجاعة نادرة (وبعضهم آثر وصفه بالحماقة). وكذا الترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي الآن، هو شجاعة فريدة، أو ربما كما يقول البعض: "حماقة".

هناك أيضًا انفصام عميق يمكن رؤيته عبر ذلك الطريق الطويل المتعرج الممتد بين القبض عليها في أيار/مايو 2010، وبين حملتها الجديد،: لولا تلك المعاملة الوحشية التي تلقتها على يد جيش الولايات المتحدة لما كان لديها هذه الشعبية العالمية التي تتمتع بها اليوم. كيف يمكن لها أن تعبر عن مثل هذه الأضداد؟ أجابت تشيلسي مانينغ : "لم أستوعب الأمر"، مُضيفةً: "ولا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك تفسير. لقد تعلمت بسرعة كبيرة أن تجربتي في السجن شكلت فهمي للعالم".

التقينا مع تشيلسي مانينغ في شقتها خارج العاصمة واشنطن، وهي تتكون من غرفة معيشة كبيرة وساطعة الضوء، ولكنها فارغة على نحوٍ غريب، وخالية من اللمسة الإنسانية، وكأنها قد كررت، بشكل أكثر راحة، الصورة الجمالية المتقشفة لزنزانة السجن. فالجدران تقريبًا عارية باستثناء صورة لأوسكار وايلد والأناركية إيما غولدمان فوق موقد التدفئة، ونسخة من رسالة التخفيف عن مانينغ.

كانت ترتدي ملابس سوداء، كما كانت في الفيديو الذي أطلقت من خلاله حملة ترشحها لمجلس الشيوخ، والتي حملت فيه وردة حمراء كرمز للمعارضة السياسية. تلألأت عيناها الزرقاوتان بشيء يميل إلى اللون الرمادي، وقد عَلَتهما بخطٍ وردي دقيق من مظلل العين (آي شادو) ، في تلك الغرفة المشرقة. وكانت تشيلسي مانينغ ترتدي قلادة فضية تتدلى من رقبتها وفي نهايتها رمز "الهاشتاغ". ولما سألتها عن سرّ تلك القلادة، ردت تشيلسي مانينغ دون تردد: "إنه تويتر. تويتر أخرجني من السجن".

إن القول بأن طريق تشيلسي مانينغ صعب نحو شغل منصب عضو مجلس الشيوخ عن ولايتها، ولاية ماريلاند، يمثل نوعًا من التهوين، فالأمر أبعد من ذلك، فالنائب الذي يشغل المنصب حاليًا، هو النائب الديمقراطي المخضرم بن كاردان، وهو من قدامى المحاربين، وقد عزم على خوض ولاية ثالثة في 26 حزيران/يونيو القادم، وهو أيضًا ديموقراطي بارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. 

في منزل تشيلسي مانينغ (الغارديان)
في منزل تشيلسي مانينغ (الغارديان)

ويُقال إن كاردين لديه ما لا يقل عن مليوني دولار لدعم حملته. وقد فاز على خصمه بنسبة 74٪ إلى 16٪ في آخر مرة واجه فيها تحديًا حقيقيًا في عام 2012. في حين أن كل ما جمعته تشيلسي مانينغ لم يتعد 50 ألف دولار حتى الآن، من تبرعات صغيرة على الإنترنت. ويبلغ عدد الموظفين القائمين على الحملة الآن اثنين فقط، لأنها ترغب في إبقاء موارد الحملة ضئيلة، وألا يتعدى عدد أفرادها 10 أشخاص.

كيف يمكنها أن تنافس؟

تقولتشيلسي مانينغ: "نعلم أننا بصدد معركة حقيقية"، مؤكدة على أنها تخوض غمار ذلك السباق سعيًا للفوز. كما أشارت إلى أنه مهما حدث، فإنها لن تساوم على قناعاتها سعيًا لحشد المزيد من الأصوات. وتضيف: "لا يهم أن أفوز، فالفوز لن يعني شيئًا إذا ما خسرنا مبادئنا".

تواجه مانينغ في الانتخابات السياسي المخضرم بن كاردان الذي يملك مليوني دولار على الأقل لدعم حملته فيما لا تملك هي إلا 50 ألفًا فقط

وقالت تشيلسي مانينغ أيضًا إنها تضع إيمانها بالانتصار في الناشطين المحليين والمجموعات الطلابية التي بنت معهم علاقات منذ إطلاق سراحها. "نحن لا نقوم  بذلك الجزء من الحملة السياسية حيث نركز على النشاط الشعبي لكسب المزيد من الأصوات، بل ننتظر المجتمعات المحلية لتأتي إلينا. وعندما يحدث ذلك، سأكون هناك لأستمع إليهم"، هكذا قالت.

اقرأ/ي أيضًا: إرث أمريكا "البيضاء".. ترامب المخلص لرسالة البلطجة الإمبريالية

وعندما سألناها عما إذا كانت تخشى هزيمة ثقيلة، كتلك التي لحقت بديراي مكيسون المدعوم من حركة "حياة السود مهمة - Black Lives Matter" عندما نافس المرشح الديمقراطي لبلدية بالتيمور في عام 2016، وحلّ في المرتبة السادسة بإجمالي 2٪ فقط من الأصوات؟ أجابت تشيلسي مانينغ : "بلتيمور هي مدينة عميقة الجذور ومجتمع  النشطاء بها نشطين جدًا، وأنا لا أعتقد أن ديراي استغل هذه النقطة"، مُضيفةً: "لن أنتقد صديقًا لي، ولكننا في الوقت نفسه نتوجه إلى السكان المحليين في ماريلاند، ونأخذ وقتنا في ذلك".

"هذه هي فرصتي"

يمكن رؤية الخط السياسي لدى تشيلسي مانينغ بمطالعة حسابها على تويتر، فهي حيوية واستفزازية، مع لغة حادة تصف بها مثلًا وكالة الهجرة الاتحادية (ICE) بـ"الجيستابو" أي البوليس السري الألماني في عهد النازية، وتقول: "اللعنة على الشرطة - fuck the police"، دون توضيح لسبب هذه المسبة.

وعلى ما يبدو فإن هذا النهج يلائم متابعي تشيلسي مانينغ على تويتر البالغ عددهم 323 ألفًا. ولكن كيف ستخطو بذلك على عتبات ولاية ماريلاند، وهي الولاية التي تحتوي مجموعة كبيرة من الموظفين الاتحاديين ويقبع بها مركز تجسس وكالة الأمن القومي (NSA)؟

تسمي تشيلسي مانينغ سياساتها بـ"الراديكالية المناهضة للسلطوية"، وردًا على سؤال عما تعنيه بذلك، قالت وقد علا صوتها وامتلأ حيوية: "تمتلك الولايات المتحدة أكبر وأغلى مؤسسة عسكرية في العالم، ولكننا نريد دائمًا أكثر من ذلك. لدينا أكبر نظام للسجون في العالم، ولكننا لازلنا نريد المزيد والمزيد. لدينا أكبر أجهزة الاستخبارات وأكثرها تطورًا في العالم حتى الآن، وما زلنا نريد المزيد. لذا يتبادر هنا سؤالٌ جوهري: ماهو القدر الكافي إذن؟ هذه هي اللحظة المناسبة التي نريد أن نقول فيها: هذا يكفي".

على الرغم من أنها تقول إنها لا تحمل أي عداء نحو كاردين -بل وتضيف أنها قد صوتت له مرتين- فهي تراه جزءًا من المشكلة، مُشيرةً إلى قانون مكافحة المقاطعة الإسرائيلية، الذي دافع عنه، والذي تعرض لانتقادات واسعة النطاق اتهمته بأنه يحاول قمع الاحتجاجات ضد المستوطنات الإسرائيلية.

وتشير تشيلسي مانينغ في أول بيان أطلقته خلال حملتها إلى ثلاثة مجالات أساسية للسياسة العامة، وهي: العدالة الجنائية، والرعاية الصحية، والهجرة. وأيدت في كل واحدة من تلك الثلاث، وجهة نظر اليسار المتمثلة في "بيرني ساندرز"، مُشددة على ضرورة إغلاق السجون وإطلاق سراح السجناء؛ ويجب أن تكون جميع المستشفيات مجانية عند الحاجة لاستخدامها، كما يجب أن تكون حدود الولايات المتحدة مفتوحة.

تشيلسي مانينغ تعني حقًا ما تعنيه من خلال "مفتوحة"، فتوضح: "لا ينبغي أن ننكر الحق المطلق في المجيء إلى الولايات المتحدة. فأنت لديك ذلك الحق، والجميع لديه الحق نفسه".

ولمّا سألناها عما ستقوله للناخبين في ولاية ماريلاند المتخوفين من هجمات الإرهابيين الذين يدخلون إلى البلاد؟ أجابت: "لدينا إرهابيون محليون ويمكنهم السفر حيثما يريدون. إن عملية إغلاق الحدود لا تحل المشكلة على الإطلاق".

بيان الموقف المبدئي هذا مثير للاهتمام لما يغفله وما يعالجه كذلك. فلا تزال تشيلسي مانينغ على سبيل المثال، صامتة حول سياسة المتحولين جنسيًا، على الرغم من كونها في مقدمة حركة المتحولين، كما أنها لم تذكر دونالد ترامب، وقد سألناها عن ذلك، أي عدم ذكرها دونالد ترامب، الذي يعد بالنسبة للكثير من التقدميين تجسيدًا للشر، فأجابت: "جميع مشاكلنا نسبناها لفرد واحد، ولكنها مشكلة نظامية. نظام الهجرة المعطوب لم يظهر بين عشية وضحاها، بل هو آلة بنيت على مدى عقود من قبل وسطيين من كلا الجانبين".

ولفتت مانينغ إلى أنّها ستبدأ قريبًا في الظهور في الاجتماعات العامة بدعوة من مجموعات محلية. وبالنظر إلى أن صفحتها على تويتر تجذب بانتظام تعليقات مليئة بالكراهية والتهديدات بالعنف من طرف المينيين والمصابين برهاب المتحولين جنسيًا، سألناها أليست قلقة بشأن سلامتها؟ فأجابت: "الأمر لا يزعجني. هؤلاء الناس يريدون إسكات المعارضة، وعلينا أن نستمر. لن يردعني شخص يقول لي أشياء مروعة".

وقد بدأت بالفعل عبارات الهجوم التي من المؤكد أنها ستواجهها على درب الحملة في الظهور مثل أنها "خائنة"، وهي الجملة المتوقع تكرارها، تليها نظريات المؤامرة التي تقول إن تشيلسي مانينغ تتلقى تمويلًا من الروس الذين يحاولون زعزعة استقرار الولايات المتحدة. لكنه أيضًا تبدو غير مبالية بكل هذا، وقد قالت: "الجميع خائن هذه الأيام. جيمس كومي، هيلاري كلينتون، ترامب، أوباما. الكلمة ليس لها معنى. أي شكل من أشكال الاختلاف يصبح خيانة، وفي هذا النوع من المجتمع لا يمكننا إجراء مناقشات".

تظاهرة لإطلاق سراح مانينغ حينما كانت لا تزال في السجن العسكري (رويترز)
تظاهرة لإطلاق سراح مانينغ حينما كانت لا تزال في السجن العسكري (رويترز)

من المؤكد أيضًا أن ويكيليكس ومؤسسها جوليان أسانج، الذي سربت له الوثائق عام 2010، سيجري الاستشهاد بهما ضدها. فما الذي تقوله حالياً عن ويكيليكس؟

تقول تشيلسي مانينغ: "اتخذتُ قرارًا عام 2010 بنشر الوثائق. وتواصلت مع صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، وداهمني الوقت، وكان ذلك هو القرار الذي اتخذته. لا يمكنني تغيير ذلك". وحول ما إذا كانت قد تواصلت مع أسانج منذ حينها، أجابت بالنفي المطلق.

تتعرض مانينغ لسيل من التعليقات المليئة بالكراهية والتهديدات بالعنف من قبل المتطرفين والمصابين برهاب المتحولين جنسيًا

وتقول تشيلسي مانينغ أيضًا إن هذا العصر المضطرب تعتبر فيه كل الرهانات السياسية خارج الحسابات، مُضيفةً: "يدلي الخبراء بجميع أنواع التصريحات، ودائمًا ما يكونوا مخطئين. أتتذكر ليلة الانتخابات عام 2016؟ إن الوقت مختلف، والناس مضطربون. فالنظام السياسي لدينا لم يعد يمثل الشعب. إذن، نحن بحاجة إلى صراع".

 

اقرأ/ي أيضًا:

من هي أليس فايدل.. الخبيرة المثلية التي قادت اليمين المتطرف الألماني للنصر؟

تنامي الحركات اليمينية مع مجيء ترامب.. راعي التطرف في الولايات المتحدة