بين فيلمي

بين فيلمي "معلمة البيانو" و"شيطان النيون".. أن يكون الجمال بداية للرعب

الصورة الترويجية لفيلم The Piano Teacher وفيلم The Neon Demon

"Man's desire is the desire of the Other" Jacques Lacan
"رغبة الإنسان هي رغبة الآخر" جاك لاكان

قد يكون الحب هو انتزاع اعتراف من الآخر بما نتصوره عن أنفسنا، ولكن ماذا لو كان هذا التصور يحمل الاحتقار للذات؟ حينها لا أريدك أن تحبني، أريدك أن تحتقرني لأحبك!

هذا المقال هو محاولة لفهم ما تعنيه مقولة لاكان، متأملًا تحفتي المخرج ميشيل هانيكه "معلمة البيانو" المقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة ألفريدا يلينيك، والمخرج نيكولا ريفن "شيطان النيون" المرشح للسعفة الذهبية بالدورة الماضية من مهرجان كان 2016.

قد يكون الحب هو انتزاع اعتراف من الآخر بما نتصوره عن أنفسنا، ولكن ماذا لو كان هذا التصور يحمل الاحتقار للذات؟

محاولة تهتم فقط بالوقوف على كل من شخصية إيريكا "إيزابيل هوبرت" في معلمة البيانو، وجيسي "إيل فانينج" في شيطان النيون. وبرغم الفارق الكبير بين أسلوب المخرجين إلا أننا أمام فيلمين يحملان نفس التساؤل؛ كيف لنا أن ننظر للجمال؟

"شوبرت ليس نزهةً قي حديقة"
يبدأ هانيكه بلقطات علوية قصيرة لأيدي العازفين على البيانو، لقطات قصيرة مع التترات، يصحبها على شريط الصوت شوبان وشوبرت بأجزاء لا تتعدى بضعة ثوان ثم تقطعها التترات عن قصد، خالقة بذلك رغبة مكبوتة لدى المشاهد في استكمال العزف، رغبة توازي رغبة Erika المشتعلة أسفل هذا الوجه الحاد البارد.

تلك الرغبة المازوكية التي لا تستطيع أن تعبر عن نفسها بطريقة حرة، فإيريكا عاشت على هامش العالم، عازفة بيانو بعالم لا يجد ضرورة للفن، ومعلمة تكاد تعيش حياة منفصمة بين اللحظة التي تجلس فيها على البيانو، واللحظة التي تخرج فيها من باب المعهد لتمارس حياتها العادية أو لا حياتها العادية، مسحوقة ومهمشة كأنها تراقب العالم وهي عالقة بأوتار آلتها الأثيرة، تحصل على المتعة كلما نقر العازف على المفاتيح، وتحركت الأوتار مداعبة جسدها الهش، غير أنها لا تسمح لنفسها أن تنجرف أو تعترف بتلك المتعة، توقف العزف دائما مرددةً "شوبرت ليس نزهة في حديقة".

اقرأ/ي أيضًا: لماذا نحتاج أن نشاهد فيلم براد بيت الجديد "War Machine"؟

هنا نحن أمام رهبة الجمال، العذاب المحبب الذي يدركه الفنان كلما توغل بفنه، ليقف أمامه ضئيلًا معظمًا إياه وكارهًا إياه بنفس الوقت، لتتحقق الجملة المشهورة للشاعر النمساوي رينيه ماريا ريلكه "ذلك أن الجمال ما هو إلا بداية الرعب".

لماذا يربينا المجتمع كموضوعات للرغبة لا المتعة؟
يعبر جيل دولوز عن المازوكية بأنها استباق للألم أو للفراغ الذي ينتج بعد لحظة الوصول للذة، ويتخيل أن المازوكيست يريد الحفاظ على منحنى الرغبة لأطول وقت ممكن قبل أن يصل إلى الـ"peak" أو اللذة، لأن اللذة عند دولوز هي لحظة سلبية ينتهي عندها المنحنى ويبدأ في الهبوط، مختلفًا في ذلك مع ميشيل فوكو، الذي يرى الرغبة مجرد وسيلة للوصول للذة، أي أن الرغبة شيء سلبي واللذة هي الشيء الإيجابي المراد الوصول إليه، فالرغبة عند فوكو مظهر متكلف تكرسه السلطة ليتعامل الأفراد مع أنفسهم كأشخاص راغبين، وكموضوعات دائمة للرغبة، متغافلين عن كونهم بنفس اللحظة مادة للمتعة أيضًا.

إيريكا بطلة The Piano Teacher تكاد تعيش حياة منفصمة بين اللحظة التي تجلس فيها على البيانو، واللحظة التي تخرج فيها من باب المعهد

في هذا السياق تكوِّن Erika إتزان ما، بين ما تعتقد أنها ترغبه، وبين طريقتها في الحصول عليه، إلى أن يظهر Walter الذي يكسر هذا التواطؤ ويفضح إريكا أمام ذاتها، واضعا إياها في موقف الشخص المرغوب الذي يحتوي على متعة للآخر.

ذلك الفضح الذي عبر عنه هانيكه في مشهد الحبيبين الذين يمارسان الجنس في سيارة على جانب الطريق، وكيف وقفت إيريكا بجوار السيارة تحدق فيهما، في تلك اللحظة Erika was the gaze، لم يكن الحبيبان موضع المراقبة، بل على العكس كانت إيريكا نفسها موضوع المشاهدة والانكشاف، الانهيار إذا جاز التعبير، حيث اختلطت لحظتها الرغبة في الجنس بالرغبة في التبول، الحدث الغريب الذي يدل ربما أن الأمر لا يخلو من الخوف والضعف والرغبة في الاستسلام، في العودة إلى الطفولة المحررة من أي مسؤولية ومن أي حرية أيضًا.

غواية التعري
هنا تقرر ايريكا أن تصارح والتر برغبتها، أن تخرج من خلف السلك الشائك التي أحاطت نفسها به وتضع مصيرها في يد الآخر، أن تتعرى أمامه وتنكشف.

تكتب له رسالة تخبره فيها بكل خيالاتها الجنسية المؤجلة، وكما خاطرت تلك الكائنات الصغيرة التي خرجت من البحر لأول مرة كاشفة جلدها للشمس، تخاطر إيريكا في اللحظة التي تخلع فيها ثوبها أمام الآخر، تخبره سرًا حميميًا عنها كهدية تضع بها أغلى ما تمتلكه وتبتسم، لكن، ماذا لو لم يقبل هذا الآخر هديتنا؟

السلطة كسجن وأنا عليا
"في غرفتي على سريري، وبالباب المجاور لأمي، قيد يديّ وقدميّ حتى الصباح، تلك هي أعز رغباتي".

وعندما يرفض والتر الانخراط في الأمر، يتركها ويخرج من البيت، لتمارس الأم دورها المفضل في نهر ابنتها ومحاكمتها عما فعلت، وبدلًا من أن ترد إيريكا الشجار بالشجار، تقفز فوق والدتها لتقبلها بفمها وتقول "أنا أحبك"!

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "حنا آرندت"..سيرة فيلسوفة لم ترض عنها "إسرائيل"

ليضعنا هانيكه أمام علاقة فريدة للابنة بالأم، الإبنة التي حافظت على دورها كطفلة تعيش مع والدتها حتى بعد أن تعدت الثلاثين، التي تظهر للوهلة الأولى كسيدة يائسة مقموعة، لكنها في الحقيقة ربما اختارت ذلك بملء إرادتها، كمحاولة لاستمرار منحنى الرغبة في الصعود، لتظل احتمالات المتعة مفتوحة على اتساعها دون أن تدخل إطارًا محددًا إذا خاضت التجربة الفعلية.

لذلك -ورغم رغبتها القوية ناحية والتر- فإن التجربة المحتملة معه ربما تركت ارتياحًا لدى إيركا عندما فشلت، لتكتشف-بشكل غير واع ربما- الحب الذي تحمله للأم. الأم كرمز للسلطة، والذي قد يزيد على ذلك بأن تتطلع إليه كـ"أنا" عليا، ما يفسر الجانب الصارم الذي تحاول إيريكا نفسها تصديره طوال الوقت.

إيريكا السيدة موت
يحضرني هنا بمناسبة الحديث عن موسيقى شوبرت وشومان تقاطع ما، يجمع ايريكا بالسيدة موت في رواية "انقطاعات الموت" لجوزيه سرماجو.

السيدة موت المخيفة المسؤولة عن قتل الجميع، قد توقفت عن القتل لأنها أحبت عازف التشيلو في معزوفة لشومان، ذهبت إلى بيته وراقبت آلاته وعاداته وكلبه، اختبرت نفس الصراع، وترددت هل تتجاوز السلك الشائك الذي يحيط بها كسيدة موت، لا يجب أن تنخرط بأفعال البشر؟!

ما حدث مع إيريكا، كان انخراطا وتعرٍ كامل، تخلت فيه عن صورة السيدة موت، تخلت عن عزلتها، تورطت واستسلمت، حتى صارت نقطة وحيدة واضحة ومكشوفة على تلك الأرض البيضاء تحت أقدام والتر، في المشهد الذي طردها فيه من ملعب الهوكي، وأخبرها أنها مقرفة!

لكن الفرق بين إيريكا والسيدة موت كان مطالب الجسد ورغباته، فموت لا تملك جسدًا وموت لا تجد مشكلة في الاقتراب ممن تحب، لأن الحب عند موت لا يتورط بالصراع بين مطالب الجسد ورغباته وبين تصورها المثالي -أو تصور من تحبه- عن الحب.

هنا نختبر مقولة جاك لاكان Man’s desire is the desire of the Other "الرغبة هي رغبة الآخر". وعندما لا تتسق تصوارتنا عن أنفسنا مع تصورات ورغبات الآخر -حتى ولو حضر الحب-، فـ"الحب ليس كل شيء" كما قال والتر.

"لأن العالم مملوء بالجمال الذي يوجع القلب كطعنة"
أما ريفن، وعلى العكس من هانيكه، فقد تناول الجمال من وجهة النظر المضادة تمامًا، حيث تكون الذات موضوعًا للمتعة المطلقة. جيسي هي الجمال العظيم الذي يثير فيك الرغبة بابتلاعه. ثم تقيئه وابتلاعه مجددًا، وابتلاعه مرة أخرى.

الدور الذي لعبته الجميلة Elle Fanning ضمن نسيج لا يقل جمالًا، صنعه ريفن بذكاء متفرد، ابتداءًا من الأرضية التي تدور عليها الأحداث؛ مجتمع العارضات "models" الذي يكون فيه الجمال تأشيرتك الوحيدة للدخول، ومرورًا بالإضاءة والديكور والألوان، ووصولًا لموسيقى الفيلم لـCliff Martinez التي أضفت طابع الحذر والسحر، هذه العناصر مجتمعة أعطت إيحاءًا مميزًا للمشاهد بأنه أمام عالم كامل للجمال يمكنه الفرجة عليه من الخارج فقط، دون أن يمنعه ذلك من الولع به. إلا أنه بنفس الوقت جمالٌ بارد مخيف لكل من يقترب.

"نرسيس ليس جميلًا
كما ظن. لكن صناعه
ورطوه بمرآته. فأطال تأمله
في الهواء المقطر بالماء..
لو كان في وسعه أن يرى غيره
لأحب فتاة تحملق فيه،
وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان...
ولو كان أذكى قليلًا
لحطم مرآته
ورأى كم هو الآخرون..
ولو كان حرًا لما صار أسطورة"

من بداية المشاهد الأولى نلاحظ كيف تعمد نيكولا ريفن أن تحضر المرايا حضورًا كثيفًا، لا يمكن لنا إلا التعامل معه كمدخل رئيسي لفهم الفيلم، ما قد يحيلنا إلى المفهوم الرئيسي أيضًا في كتابات جاك لاكان: مرحلة المرآة.

يعبر لاكان عن تلك المرحلة بوصفها "المرحلة التي يتكون فيها الـ"أنا"، من خلال تعرّف الفرد على نفسه عبر صورته في المرآة specular image، وتتم هذه الظاهرة فيما قبل نضج الطفل، حيث لا يزال الطفل بعمر الستة أشهر، فاقدًا للتناسق الجسدي، برغم التقدم النسبي لقدراته البصرية، وقبل تحقق سيطرته على حركة الجسد. إلا أن رؤيته لجسد مكتمل فزيائيًا، يشعره بالتناقض. لأن الصورة الكاملة تمثل تهديدًا لما يتصوره عن ذاته كذات مبعثرة fragmented subject عاش معها قبل المرآة (كامتداد للموجودات من حوله)، حيث يتكون توترًا عدوانيًا بين الذات وصورتها، ولحل هذا التوتر، تتعارف الذات على الصورة. وبهذا التعارف المبدئي مع النظير تنخلق الـ"أنا"، حيث تفترض الذات أن هذا النظير هو صورتها الخاصة، ويصف لاكان تلك اللحظة بكونها لحظة ابتهاج a moment of jubilation لما ينتج عنها من شعور متخيل بالتمكن، وانتصار وهمي يتوقع خلاله الطفل درجة من التناسق العضلي لم تتحقق بعد".

جيسي في فيلم The Neon Demonهي الجمال العظيم الذي يثير فيك الرغبة بابتلاعه. ثم تقيئه وابتلاعه مجددًا، وابتلاعه مرة أخرى

هذه المرحلة ترتبط أيضا بكونها لحظة نرجسية، يحاول فيها الطفل جاهدًا تجاهل المقارنة بين إحساسه بالتمكن، وكلية القدرة التي يمتلكها الآخر الكبير، حيث أن المقارنة لن تكون بصالحه، لذلك وباللحظة التي تفترض فيها الذات أن الصورة بالمرآة صورتها، يتلفت الطفل حوله منتظرًا من الآخر الكبير أن يصدق له على تلك الصورة.

وبتصور جيسي ابنة للمجتمع، فإن لحظة الالتفات للآخر الكبير كي يصدق على الصورة، قد صُحبت بألف عين تحدق وتصفق للجمال الباهر. حيث يحسب لريفن هنا اختيار أن يقع عمر البطلة في السادسة عشرة بالتحديد، وأن يتجاهل قصتها الأسرية "على العكس تمامًا من إيريكا"، لتكون جيسي المراهقة التي خرجت للعالم، وصارت فجأة طفلة له. وقفت عارية أمام الكاميرا على أرض بيضاء مثل إيريكا وانكشفت للعالم. لكنها بعكس إيريكا، وقفت بالمواجهة مع الكاميرا لأن انكشافها سيمجده الجميع.

جيسي منزوعة الأنا
وبرغم توفر كل المقومات لتنغرس الأنا وتنمو، إلا أن الأمر يأخذ منحىً مختلفًا. يميز جاك لاكان بين مصطلحين هما الآخر بحرف o صغير other، والآخر بحرف O كبير Other.

حيث الآخر الصغير ليس آخرًا بالمعنى الحقيقي، وإنما هو انعكاس وامتداد للأنا، ومعبرًا بالوقت ذاته عن النظير والصورة في المرآة specular image، فيما يكون الآخر الكبير عند لاكان هو خطاب اللاوعي.

لقد عرفت جيسي أنها جميلة، وعلى الأرجح اختبرت ذلك بأعين الأسرة والمدرسة والأصدقاء، لكن بتحول تلك النظرة إلى كاميرا وشركات عملاقة ومال وشهرة واحتفاء من قبل هذه المنظومة الضخمة، فإن الخطاب ينغرس في اللاوعي باعتباره موجهًا من الآخر الكبير؛ شيطان النيون الذي تلبَّس جيسي وأغواها.

وبين الآخر الصغير والكبير تقف جيسي أمام المرآة مستبدلة أناها، التي كان من المفترض أن تنخلق بتلك اللحظة، بفجوة محشوة فقط بما يتبناه الآخر الكبير"المنظومة" من قيمة للآخر الصغير"الصورة في المرآة"، فتقع هي الأخرى بغرام صورتها، حيث تصبح موضوعًا للرغبة والمتعة في آن واحد، ما يشبه عملية طويلة للاستمناء الذاتي، تنحسر فيها الذات والأنا، لصالح الصورة، رافضة أن يخترق دائرتها الجنسية أي شخص آخر. وكأن هناك جانبا من جيسي نفسها أصبح رجلا يحمل نفس الإعجاب الذي تراه بعيون الرجال.

يقول ريفن بإحدى المقابلات
"مع فيلم Drive وصلت لمستوى من الذكورة المطلقة، بهوس يصل لدرجة الإيروتيكية المثلية، بعد ذلك ومع فيلم Only God Forgives، كان بمثابة تفكيك لكل شيء بالعودة إلى رحم الأم، وبالطبع شيطان النيون عن رجل مسلسل في رحم أمه، يريد الزحف للداخل نحو الأم، الأمر المضاد تمامًا للذكورة، لكنه مكنني من الإتيان بفكرة: الآن وقد رجعت لداخل أمي، أستطيع أن أولد مرة أخرى كفتاة بعمر السادسة عشر".

اقرأ/ي أيضًا: الرحلة في ثلاثية الشمال الإيراني لعباس كيارستمي

ما يفسر المشهد الرائع الذي نُسخت فيه صورة جيسي لثلاث صور تقبل كل واحدة منها الأخرى. ويفسر أيضًا رفضها العنيف لممارسة الجنس، وكأن هذا الرجل الذي تحدث عنه ريفن لا يزال يحتل جانبًا من الفتاة ذات السادسة عشر، يحمل وجهة نظر مذكرة تجاه صورتها إلا أنها وجهة نظر جيسي ذاتها التي ترضيها وتحقق بها اكتفاء ذاتيًا كأنها ترفض إلا أن تكون شيئًا كاملًا خارج الصفة الاعتيادية للبشر.

لعبة نرجسية تمامًا، صورها ريفن في مفارقة رمزية بين نرسيس الذي احتاج الماء ليرى انعكاسه، وجيسي التي تستطيع رؤية انعكاسها من داخلها، حتى وهي تقف على منط حمام السباحة الفارغ من الماء، فهي استوطنت الصورة واستوطنتها، ولم يعد هناك وجود لأية ذات أو أنا.

إيركا وجيسي.. هل تصبح علاقة جيدة؟
بفقدان الأنا -ورغم كل النرجسية الظاهرة- نصبح أمام هشاشة وفراغ مخيفين، ذلك ما يصوره ريفن حتى مع بداية الفيلم بمشهد بسيط، تقف فيه جيسي على جبل عال من تحتها المدينة، تتحرك بانسيابية على حافة الجبل، وتحكي لصديقها أنها لم تملك أي موهبة سوى الجمال.

حيث يضعنا من خلال هذا المشهد والمشهد الذي وقفت فيه على منط حمام السباحة الفارغ، وجهًا لوجه مع هذه الهشاشة والفراغ، فأي شخص قد يفيده أن يملك العالم ليقف منه على حافة الانهيار؟!

صنع ريفن بذكاء متفرد فيلم The Neon Demon، حيث عرض بإبداع مجتمع العارضات "models" الذي يكون فيه الجمال تأشيرتك الوحيدة للدخول

الانهيار الذي لا يفرق بين جيسي وإيريكا، حتى أن جيسي قد تتقاطع هي الأخرى مع السيدة موت برواية سرماجو، فتحرس عزلتها كأنها إلهة للجمال والموت معًا، تمامًا كآلهات الميثولوجيا القديمة اللاتي بغرابة جمعن الحب بالحرب، وتركن العالم يتصارع من أجلهن، لتعيش وحيدة أو ميتة كما أوحى لنا ريفن في مشهده الافتتاحي.

أو أن يكون الأمر مختلفًا لجيسي فيصبح ذلك الانهيار مؤشرًا إيجابيًا، تكتشف من خلاله أنها شخص غير كامل، وتحقق بذلك الإخصاء الرمزي "بالتعبير اللاكاني" لهذا الرجل الذي بداخلها، مكتشفةً حاجتها لشخص آخر.

ربما هي أقرب في هذه اللحظة لاختيار شخص يحتفي بجمالها بشكل استثنائي، وقد يصل الأمر لأن تمارس عليه سيطرة جنسية كاملة وسادية. ما يجعل علاقة متخيلة بين إيريكا وجيسي، علاقة مميزة، لن تكون مستقرة أو متزنة بالتأكيد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"18 يوم".. فيلم متواضع أشعل في نفوس المصريين ذكرى الثورة والميدان

كلاسيكيات: فيلم "5 أصابع".. تجسس وكوميديا وأموال مزورة