كلاسيكيات: فيلم

كلاسيكيات: فيلم "5 أصابع".. تجسس وكوميديا وأموال مزورة

لقطة من الفيلم

من المؤكد أن معظم أفلام الجاسوسية تقتبس عن حكايات خيالية ابتدعتها أقلام وأفكار المبدعين المتخصصين في هذا النوع من الأدب، ولكن من المعروف في الوقت نفسه أن هذه الأفلام حين تقتبس من حكايات واقعية، تكون أقوى وأكثر جاذبية، حتى وإن كانت التفاصيل معروفة سلفًا، من قبل تحقيق الفيلم.

معظم أفلام الجاسوسية تقتبس عن حكايات خيالية ابتدعتها أقلام وأفكار المبدعين المتخصصين في هذا النوع من الأدب

ذلك لأن عبارة "مبني على أحداث حقيقية" هي عبارة سحرية دومًا، فكيف إن كانت تطاول حكاية تجسس من ذلك النوع الذي يفتن الجمهور الباحث عن وجبة سينمائية مشبعة وممتعة. ثم كيف لا ينجح العمل في نهاية الأمر، إن توفرت له الإمكانات الفنية اللازمة والقادرة على جعل كل طاقم العمل يخرج أفضل ما لديه؟

كل ذلك ينطبق على واحد من أجمل وأقوى أفلام الجاسوسية التي عرفتها السينما الامريكية، والذي لم يحظ إلى الآن بالتقدير المناسب لقيمته، أخرجه الأمريكي الكبير جوزيف مانكفتش.

إنه فيلم "5 أصابع"، المعروف أيضًا بـ"عملية شيشرون"، والذي خرج إلى النور قبل 65 عامًا. قصة الفيلم عن جاسوس حقيقي عاش وعمل في العاصمة التركية أنقرة خلال الحرب العالمية الثانية، وهناك اشتغل لصالح الألمان النازيين. الجاسوس هو اليسا بازنا، ولكن اسمه سيتغيّر في الفيلم، لأن الفيلم لم يؤخذ عن رواية موثوقة، بل من نص جمع بين الوثائقي والخيالي، ولكن تبديل الأسماء لن يؤثر كثيرًا في حقيقة الوقائع والظروف.

اقرأ/ي أيضًا: 3 مشاكل ستواجه هنيدي إذا قرر عمل "صعيدي في الجامعة الأمريكية 2"

والجدير بالذكر هنا، أن بازنا نفسه نشر مذكراته بعد عقد من ظهور فيلم "5 أصابع" الذي روى حكايته في كتاب بعنوان "أنا شيشرون"، فجاءت مختلفة بعض الشيء عن النص الأول للفيلم، لكن الغريب أن كثيرًا من الخبراء والمؤرخين قالوا بأن الفيلم أصدق مما رواه بازنا نفسه!

وبعيدًا عن الجدل التاريخي حول دقة الحكاية الأصلية، ينطلق فيلم "5 أصابع" من حكاية بازنا، الذي يسمّى هنا أوليس دييلو (جيمس ماسون)، ومن أنقرة تحديدًا، التي كانت محايدة خلال الحرب العالمية الثانية، مما يعني أنها كانت مركز عمل العديد من أجهزة الاستخبارات العالمية، ولا سيما مركز عمل النازيين في اتصالهم المباشر والدائم مع زعامات حركات التحرر في الشرق الأوسط.

ومنذ المشاهد الافتتاحية للفيلم، يقدّم إلينا دييلو بصفته وصيفًا للسفير البريطاني في أنقرة، وانطلاقًا من من هنا يتوجّه دييلو ذات يوم إلى النازيين عارضًا عليهم أن يبيعهم وثائق سرية إنجليزية مصورة على ميكروفيلم. وبسرعة تروق الفكرة للألمان، ويتولى الملحق العسكري في سفارتهم ترتيب الأمور، فيفتح خط اتصال مع دييلو ويعطيه اسمًا حركيًا هو "شيشرون".

بعد هذا، يعرف المشاهد أن دييلو سبق له العمل مسبقًا وصيفًا لدى الكونتيسة البولندية الجميلة آنا سلافيسكا (دانييل داريو)، المهاجرة بدورها إلى أنقرة نتيجة الحرب. وإذ يبدو واضحًا أن ثمة تواطؤًا واستلطافًا متبادلًا بين دييلو والكونتيسة، نراه يزورها طالبًا منها الاحتفاظ بمبالغ مالية يسلمها إليها تباعًا، وهو ما يسمح بظهور مسار جديد لحكاية الجاسوس الذي ينوى جمع ثروة ما خلال فترة بسيطة ليهرب بعد ذلك ناسيًا الحلفاء والألمان وكل شيء.

المال لا السياسة هو ما يهم دييلو، وفيلم "5 أصابع" يؤكد على ذلك من خلال تركيزه على غرام دييلو بالكونتيسة وسعيه للسفر إلى مكان بعيد مثل أمريكا الجنوبية مصطحبًا معه حبيبته الهاربة من ويلات الحرب. وهكذا، خلال فترة يواظب دييلو على تصوير الوثائق التي يصحبها معه معلمه السفير الإنجليزي إلى البيت، ومن ثم يسلّم الصور للألمان الذين يسارعون باعطائه المال المتفق عليه، فيقوم هو بدوره بإيداع المال لدى آنا.

ولإننا في فيلم جاسوسية، فلا بد أن تأتي لحظة ينكشف فيها ظهر البطل. تسير الأمور بصورة جيدة لبعض الوقت بالنسبة إلى دييلو، لكن الإنجليز يبدأون بملاحظة تسريبات خطيرة في المعلومات السرية، خاصة تلك المتعلقة بالعمليات الحربية لقوات الحلفاء، فما كان منهم إلا أن أرسلوا محققًا من لندن لمعرفة ماذا يحدث بالضبط. وإذ يعلم دييلو بأمر المحقق، يضاعف من احتياطاته الحذرة، لكن أموره تزداد سوءًا حين يعلم بهروب الكونتيسة إلى سويسرا بأمواله، فيجن جنونه.

لكنه سرعان ما يستدرك وضعه ويعرض على الألمان إعطاءه 100 ألف جنيه استرليني مقابل إمدادهم بالمخطط السري لعملية "أوفرلورد" التي يزمع الحلفاء القيام بها (إنزال النورماندي الشهير)، فيوافقون، غير أنه في أثناء انكبابه على تصوير الوثائق الإنجليزية، يشتغل جهاز إنذار سري يكشف أمره، لكنه يتمكن من الفرار، وفي جعبته الميكروفيلم الذي صوّره، وهنا يجد نفسه مطاردًا من قبل الإنجليز كما من قبل الألمان.

رغم ذلك الحصار المزدوج، يتمكن دييلو من مغادرة تركيا وفي جعبته الـ 100 ألف جنيه استرليني، أما بالنسبة لمن أعطوه المال فالوضع يصبح كوميديًا للغاية، إذ أن الألمان اعتقدوا - بعد هروب دييلو- أن الوثائق تضليلية أرسلها الإنجليز إليهم عمدًا عن طريقه، فدمّروها، وهكذا حين يتم الإنزال في نورماندي بنجاح تكون بداية النهاية لأسطورة النازي.

اقرأ/ي أيضًا: 4 من أجمل أفلام المخرج بول توماس أندرسون عليك مشاهدتها

في ذلك الوقت، يكون دييلو قد وصل لاجئًا إلى البرازيل، وهناك تكون المفاجئة صاعقة بالنسبة إليه، حين يكتشف أن كل الأموال التي في حوزته مزوّرة. لكنه لم يكن الضحية الوحيدة للألمان، ففي منزل الكونتيسة الجديد في سويسرا سيتم العثور على كمية كبيرة من العملة المزورة.

حكاية فيلم "5 أصابع" والأسلوب الذي اختاره المخرج جوزيف مانكفتش لفيلمه، جعل المنتج النهائي خليطًا من أنواع فيلمية متعددة، فهو فيلم نوار (film noir) يدور في أجواء الجاسوسية ومؤامرات الحرب، وإذا أردته فيلمًا كوميديًا فستجد طلبك متوافرًا بداخله، وهو كذلك فيلم رومانسية وخيانات لا تنتهي، كما اعتبره بعض النقاد.

بعيدًا عن الجدل التاريخي ينطلق فيلم الجاسوسية "5 أصابع" من أنقرة، والتي كانت محايدة خلال الحرب العالمية الثانية

ولعل ذلك التصنيف الأخير ما أثار حفيظة "شيشرون" الحقيقي، وهو المسلم الألباني، ودفعه إلى إصدار كتابه الذي حاول فيه تصحيح صورته كما ظهرت في السينما، ولكن عبثًا، حيث إن الناس فضّلوا حكاية الفيلم على حكايته، وذلك لأن الفيلم أتى أكثر تلوينًا وإبهارًا من الكتاب الجاف، والذي ينسب فيه بازنا إلى نفسه مواقف وبطولات لا تصدّق.

ترى هل كان بمقدور صورة من هذا النوع أن تبدو مقنعة في مواجهة فيلم يحوي إلى جانب الكوميديا والغرام خططًا عسكرية وصراعًا بين الغستابو (الذي يدمر الوثائق الأصلية بغباء شديد) والدبلوماسيين الإنجليز، ناهيك عن حكاية المال المزوّر؟ مرة أخرى، نحن هنا أمام "معجزة السينما"، وقدرتها على الإقناع، حتى أكثر من الواقع نفسه، أليس كذلك؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

عوالم صلاح أبوسيف الواقعية في فيلم "لا تطفئ الشمس"

كل شيء مُتوقع في فيلم "جواب اعتقال"