"بزنس" التبرعات في مصر.. مستشفى 57357 نموذجًا صارخًا

تنفق مستشفى 57357 ميزانية ضخمة على الإعلانات تصل إلى 133 مليون جنيه (يوتيوب)

يبدأ رمضان ومعه تبدأ إعلانات التبرعات التي لا تنتهي، واحدة لمستشفى قلب وأخرى لمستشفى حروق، فضلًا عن مستشفيات الأورام وعلاج السرطان، والقطاعات الصحية بالجمعيات الخيرية في ظل غياب شبه كامل للدولة التي سحبت يدها بهدوء من قطاع الصحة، إذ تذكر تقارير صحفية أن الدولة خفضت الدعم الحكومي المخصص لشراء الأدوية والتأمين الصحي، مما يطال بشكل مباشر حق الناس في الدواء، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة. كما سيؤثر هذا الخفض على تقليل وجود لبن الأطفال المدعم، وسيطال أيضًا بعض الأدوية الحيوية.

مع كل رمضان يبدأ موسم إعلانات التبرعات للمستشفيات والجمعيات الخيرية التي كونت ثروة هائلة من الحملات الدعائية

وجدير بالذكر في هذا الصدد أن الدعم الحكومي لقطاع الصحة أقل من 3% من الموازنة العامة، وهو أمر يخالف النص الدستوري من الأساس، ومع ذلك أوصلته الحكومة في الموازنة الجديدة إلى 2%.

اقرأ/ي أيضًا: تثيرنا وتستعبدنا.. إلى أين تقودنا الإعلانات التجارية؟

وفي الوقت الذي تنسحب فيه الدولة من دورها في الرعاية الصحية، ثمة مستشفيات تتفوق ميزانيات تشغيلها ميزانيات الدعم الحكومي، أي أن هذه المستشفيات تعمل بميزانيات "دول" لو صح التعبير، على مستوى الأجور والمعاشات. وبالطبع تلعب التبرعات دورًا مهمًا في تضخم رأسمال هذه المؤسسات. 

بزنس التبرعات

المعلومات عن ميزانيات التبرعات في مصر عزيزة، غير أن بعض التقارير ما بين الحين والآخر تخرج ببعض المعلومات عنها. مستشفى 57357 نموذج واضح على السيل الجارف لظاهرة "بزنس" الإعلانات. تتناقل الصحف المصرية أن المستشفى تدفع 133 مليون جنيه للإعلانات، في موازنة عامة للمستشفى تصل إلى 920 مليون جنيه، أي ما يقرب من مليار جنيه، من التبرعات الأهلية، في حين يتضح أنه في موازنة عام 2016 مثلاً بلغت المبالغ التي يتم صرفها على الأجور في المستشفى 280 مليون جنيه، بينما يتم الصرف على العلاج بما قيمته 160 مليون جنيه.

ولا يمكننا قراءة هذه الأرقام بمنأى عن كم المرضى الذين تعالجهم المستشفى، وكم الأسِرة التي توفرها للمرضى، بالإضافة إلى السياسة العلاجية بها. مستشفى سرطان الأطفال تستقبل 1200 حالة سنوياً فقط، طبقاً لما تتناقله الصحف المصرية، كما توجد ستة آلاف حالة تتردد على المستشفى للمتابعة.

تنفق مستشفى 57357 أكثر من 133 مليون جنيه إعلانات في حين تبلغ ميزانية صرف العلاج 160 مليون جنيه (يوتيوب)
تنفق مستشفى 57357 أكثر من 133 مليون جنيه إعلانات في حين تبلغ ميزانية صرف العلاج 160 مليون جنيه (يوتيوب)

ولا تقبل المستشفى الذين سبق لهم تلقي العلاج الكيماوي خارجها، لتحافظ على نسب شفاء عالية ضمن تقديراتها السنوية، بينما مثلاً تقدم مستشفيات أخرى مثل مستشفى أبو الريش الخدمة العلاجية من خلال 420 سريراً، وتستقبل أبو الريش الحكومية صاحبة التبرعات الهزيلة، التي لم تتعدَ الـ20 مليون جنيه سنوياً، آلاف الحالات من الأطفال وكبار السن وكل الفئات العمرية، دون شروط تقيد وتُعجز. وهو "البزنس" الذي تباشره الدولة وترعاه كونها تراه بديلاً يُخلي بشكل أو بآخر مسؤوليتها عن قطاع الرعاية الصحية.

"تعاطفك لوحده مش كفاية"!

أشد ما يلفت الانتباه في نموذج مستشفى 57357 هو العدد الكبير من الإعلانات التي تتوالى، مطالبة المصريين بالتبرع، متحدثة عن مستشفى تتجاوز كونها يقدم الخدمة الصحية إلى أنها أيضًا "مركز أبحاث عالمي" وغيرها من الأمور الجذابة. ربما لا يرى أحد مشكلة في التبرعات في حد ذاتها، لكن أن يتم مأسستها، وأن تكون مورداً أساسياً، وأن يُصرف في سبيلها مئات الملايين للدعاية والإعلانات لجمع التبرعات، هو ما تتجلى فيه المشكلة حيث تحولت التبرعات وفعل الخير إلى "بزنس" كامل، من ورائه مستفيدون، وآخر المستفيدين منه هم المستحقون، وإلا ما كانت المستشفى لتقبل 1200 حالة فقط للحفاظ على سمعة لا تشوبها الشوائب. 

يُضاف إلى ذلك أن التبرعات تخلي الدولة من مسؤولياتها. ثمة العشرات من المشاريع "الخيرية" والمستشفيات التي تطلب التبرعات بكل لون دعائي، ما دفع المتابعين لطرح تساؤل مشروع: أين الدولة في كل القطاعات التي يُجمع لها مئات الملايين سنويًا تبرعات؟

ووجد أحد التقارير الصحفية المصرية التي تناولت السباق الرمضاني لجمع التبرعات "الصحية"، أن هناك 28 مؤسسة صحية تنافست على إعلانات التبرعات، حتى تخطت ميزانيات إعلاناتها مجتمعة خلال العشر الأول من رمضان، ربع مليار جنيه. وذكر التقرير أن مستشفى 57357 استحوذت على 43% من القيمة الإجمالية، إذ ظهرت إعلاناتها خلال نفس المدة، 3692 مرة!

استحوذت مستشفى 57357 على 43% من إجمالي قيمة إعلانات التبرعات للمؤسسات الصحية والتي بلغت ربع مليار جنيه في الـ10 الأوائل من رمضان!

وبالإضافة إلى مطالب الشفافية في هذا المضمار، وضرورة الرقابة على هذه التبرعات والحملات الدعائية لجمعها، ثمة أسئلة مؤثرة، تتعلق بمعاني التضامن في ظل نظام عام تنسحب فيه الدولة من أداء دورها المنوط بها، في حين تتحول المشاريع "الخيرية" إلى بزنس تحكمه صراعات السوق وتنافساته الدعائية!

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف خلقت تبرعات المصريين أهم خدماتهم عبر التاريخ؟

لماذا ستستمر لعبة التبرعات إلى الأبد؟