29-يناير-2020

أكد ما تسرب من كتاب بولتون رواية الديمقراطيين (Getty)

لا يبدو أن التصوّر السريع الذي وضعته أكثرية الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي يسير وفق المخطط المطلوب لإنهاء محاكمة عزل الرئيس دونالد ترامب في أقل من أسبوعين، بعدما تحولت الأنظار لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، الذي تصّدر مشهد إجراءات المحاكمة بما تضمنه كتابه الجديد من تأكيد على تجميد ترامب المساعدات الأمنية لأوكرانيا، ما قد يعقد من وعود الجمهوريين بأن تنتهي المحاكمة بسرعة كبيرة بسبب سيطرتهم على الغالبية في مجلس الشيوخ بـ53 مقعدًا.

لا يبدو أن التصوّر السريع الذي وضعته أكثرية الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي يسير وفق المخطط المطلوب لإنهاء محاكمة عزل ترامب في أقل من أسبوعين

بولتون يصدم الجمهوريين بتسريب من كتابه الجديد

شكّلت التفاصيل التي كشفتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عمّا يتضمنه الكتاب الجديد للصقر الجمهوري صدمةً في أوساط الجمهوريين أنفسهم، ودفعت بمجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ للحديث عن توجههم لمطالبة المجلس بطلب الشهود المرتبطين بقضية ما صار يعرف في أوساط الصحافة الأمريكية بـ"أوكرانيا غيت"، أسوةً بفضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعد عامين من التحقيقات في 1974.

اقرأ/ي أيضًا: بنود عزل ترامب تمر لمجلس الشيوخ.. ووثائق جديدة تؤكد ممارسة ضغوط على كييف

 كشفت الصحيفة الأمريكية في تقريرها بالاستناد لما ورد في كتاب بولتون الجديد، أن ترامب قال خلال نقاش جرى مع بولتون في آب/أغسطس الماضي، إنه يفضل عدم إرسال مساعدات لأوكرانيا إلى أن يسلم المسؤولون هناك كل المواد التي لديهم بشأن التحقيق الذي شمل بايدن، بالإضافة إلى مؤيدي المنافسة الديمقراطية لانتخابات الرئاسة السابقة هيلاري كلينتون في أوكرانيا، مشيرًة إلى أن كبار مساعدي ترامب، بمن فيهم وزير الخارجية مايك بومبيو، ووزير الدفاع مارك إسبر، قد حثوا الرئيس للإفراج عن المساعدات الأمنية التي اعتمدها الكابيتول هيل لأوكرانيا بقيمة 391 مليون دولار.

وكان بولتون قد رفض سابقًا المثول أمام لجان الكابيتول للإدلاء بشهادته في قضية معاملات ترامب مع أوكرانيا بذريعة أن ذلك سيطيل التصويت على إجراءات العزل لأسابيع، لكنه أظهر تحولًا في موقفه بعد تصويت مجلس الشيوخ بالغالبية على بدء إجراءات محاكمة العزل في 21 كانون الأول/ديسمبر الجاري، مؤكدًا في بيان صادر عنه أنه "إذا أصدر مجلس الشيوخ مذكرة استدعاء لطلب شهادتي فأنا مستعد للشهادة".

ويدعم ما ورد في كتاب بولتون الجديد التقارير السابقة التي تحدثت عن معارضته بشدة مساعي الضغط على كييف خارج القنوات الدبلوماسية العادية، مشبهًا الأمر بأنه "صفقة مخدرات"، ويأتي في وقت كان الجمهوريون قد اتخذوا إجراءًا خلال التصويت على الضوابط الإجرائية لسير عملية المحاكمة، ينص على أن تمنح الضوابط أعضاء المجلس حق استدعاء وثائق جديدة أو الاستماع لشهود جدد إذا صوتوا بالأغلبية لصالح ذلك مرتكزين على هذا الأساس بسيطرتهم على المجلس.

انقسام ديمقراطي – جمهوري في مجلس الشيوخ

شهدت جلسات المحاكمة التي انطلقت يوم الثلاثاء الماضي سجالًا حادًا بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل مجلس الشيوخ على خلفية الانقسام الدائر فيما يخص استدعاء الشهود، بعد إدانة الكابيتول هيل الذي يسيطر عليه الديمقراطيين للرئيس ترامب بتهمتي إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس.

ورفض الجمهوريون مطالب لجنة الادعاء التي يقودها الديمقراطي آدم شيف، وتنص على استدعاء شهود جدد إلى المحاكمة، بمن فيهم بولتون، وفضلًا عن ذلك فقد رفض الجمهوريون جلب أوراق ومستندات من البيت الأبيض، وطلب آخر مرتبط بإحضار وثائق من وزارة الخارجية، ومكتب الميزانية متعلقة بالمساعدة الأمنية لأوكرانيا، كما رفضوا استدعاء أربعة مسؤولين سابقين وحاليين على الأقل في الإدارة الأمريكية الحالية.

وفيما تجاهل فريق الدفاع عن الرئيس الأمريكي تقرير الصحيفة الأمريكية المرتبط بالكتاب الجديد للدبلوماسي الأمريكي، محولين جهودههم بدلًا من ذلك لمطالبة المشرعين الإسراع بـ"رفض هاتين التهمتين الباطلتين وتبرئة الرئيس"، واصفين ملخص التهمتين بأنهما "إهانة للدستور ومؤسساتنا الديمقراطية"، وأن التهمة التي وجهها الكونغرس للرئيس بعرقلة عمله "سخيفة وخطيرة".

غير أن تقرير نيويورك تايمز أعطى الديمقراطيين دفعةً قوية داخل مجلس الشيوخ جعلهم يشددون على طلب استدعاء الشهود للإدلاء بأقوالهم، وهو ما أكده زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر، عندما غرّد داعيًا الجمهوريين لمساندة الجهود الرامية لاستدعاء بولتون مع أسماء أخرى للإدلاء بشهاداتهم.

وبرفقة الصدمة التي أحدثها كتاب بولتون في أوساط الجمهوريين قبل الديمقراطيين، تداولت وسائل إعلام أمريكية خلال اليومين الماضيين تسريبًا صوتيًا لترامب يصدر أوامر بإقالة السفيرة الأمريكية في أوكرانيا ماري يوفانوفيتش من منصبها في عام 2018، وبحسب المقطع المسرب فإن ترامب طالب خلال مأدبة عشاء بحضور المحامي ليف بارناس بالتخلص من السفيرة يوفانوفيتش، على الرغم من نفي ترامب مرارًا أن يكون على معرفة مباشرة ببارناس.

وكان بارناس قد أكد في وقت سابق خلال مقابلة مع شبكة MSNBC الأمريكية أن ترامب كان على علم بتحركاته، وأنه لم يتصرف بأي شيء – فيما يخص الضغوط الممارسة على كييف – بدون موافقة الرئيس أو جولياني، لافتًا لتلقيه أوامر لحث المسؤولين الأوكرانيين على فتح تحقيق ضد جو بايدن، وأن إقالة يوفانوفيتش من منصبها في أيار/مايو من العام الماضي، كانت بسبب تدخلها بالجهود التي كانت تبذلها إدارة ترامب لفتح التحقيق المرتبط بنائب الرئيس الأمريكي الأسبق بايدن.

انقسام جمهوري – جمهوري على استدعاء الشهود

كانت توجهات الجمهوريين في مجلس الشيوخ بقيادة زعيمهم ميتش ماكونيل تتجه لإنهاء إجراءات المحاكمة بتوقيت قياسي، الأمر الذي اتضح من محاولة ماكونيل تحديد أربعة أيام مناصفة بين فريق الادعاء من الكابيتول هيل، وفريق الدفاع عن ترامب لتقديم البيانات الافتتاحية في جلسات المحاكمة، الأمر الذي كان من المفترض أن يسرع من إجراءات المحاكمة التي أراد لها الجمهوريون الانتهاء ببراءة ترامب قبل الخطاب الذي سيلقيه ترامب أمام أعضاء مجلسي الكونغرس والشيوخ بعد أقل من أسبوع.

في مقابل ذلك انحصرت جهود الديمقراطيين في محاولة البحث عن أربعة أعضاء جمهوريين يصوتون لصالح استدعاء الشهود، غير أن نيويورك تايمز الأمريكية بكشفها لأحد أهم الجزئيات المرتبطة بأوكرانيا غيت، من الممكن أن تساعد الديمقراطيين على تحقيق غايتهم بالضغط على مجلس الشيوخ لاستدعاء بولتون للشهادة، وهو ما ظهر واضحًا لدى معظم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ومن ضمنهم أعضاء يعرفون بتأييدهم الدائم لترامب.

وكان الجمهوريون قد عبروا عن مخاوفهم من أن الجهود التي يقودها ماكونيل لإسراع عملية المحاكمة قد تعطي الديمقراطيين فرصةً لاتهامهم بأن محاكمة ترامب غير عادلة، إضافةً لأن ذلك قد يضعف فرص إعادة انتخاب الجمهوريين الذين لا يتمتعون بنفوذ كبير في مجلس الشيوخ، الأمر الذي دفعهم قبل بدء جلسة يوم الثلاثاء لتعديل مدة الوقت المخصص للبيانات الافتتاحية من يومين إلى ثلاثة أيام، فضلًا عن تخفيفهم لقواعد تقديم الأدلة.

غير أن الجمهوريين الذين كانوا يدعمون توجهات فريق الدفاع عن الرئيس الأمريكي وجدوا أنفسهم في موقف محرج بعد ظهور المعلومات الواردة في كتاب بولتون للرأي العام الأمريكي، ما يعني إمكانية امتداد فترة المحاكمة لأسابيع، إلا أن ذلك قد يجعل البيت الأبيض في نهاية المطاف يدخل في تفاوض مباشر مع الديمقراطيين يطلب من خلاله استدعاء هانتر بايدن أو الشخص المبلغ عن المكالمة الهاتفية التي دارت بين ترامب ونظيره الأوكراني فولدومير زيلينسكي، مقابل استدعاء الشهود الذين يطلبهم الديمقراطيون، على أن يكون في رأس قائمة الأسماء المطلوبة للشهادة بولتون.

وظهر خلال اليومين الماضيين تحول واضح في موقف الجمهوريين من أوكرانيا غيت، انعكس بشكل عام في تصريحات أحد كبار الأعضاء في البيت الجمهوري، بإشارته إلى أن قيادة الحزب "لم تكن على علم بهذه المزاعم في وقت مبكر" في إشارة لكتاب بولتون، وسط إدراك للجمهوريين بأن التصويت على استدعاء الشهود سيكون له "تداعيات سياسية" بحسب النائب الجمهوري مارك ميدوز.

ويدعم هذا الموقف العديد من الجمهوريين داخل مجلس الشيوخ الذين ركزوا في مجهدوهم على ما ورد في كتاب بولتون الجديد، بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير منفصل، عندما أشارت إلى أن ما كشفه بولتون قد يغير استراتيجية مجلس الشيوخ بعد ظهور إمكانية لحصول الديمقراطيين على دعم أربعة أصوات جمهورية لاستدعاء الشهود إلى جلسات المحاكمة.

ويبرز في مقدمة الجمهوريين الراغبين ياستدعاء الشهود، السيناتور ميت رومني الذي تحدث عن وجود جمهوريين آخريين يرغبون بالانضمام لباقي الأعضاء الذين يريدون الاستماع لشهادة بولتون، مشددًا على أن هذا الخيار سيكون "حكيمًا وسياسيًا وموضوعيًا"، إضافة للسيناتور باتريك تومي الذي أشار لإمكانية دعمه استدعاء الشهود، طالما أنها ستشمل استدعاء أسماء يريدها ترامب مثل هانتر بايدن.

ووفقًا للصحيفة الأمريكية فإن فكرة استدعاء الشهود أصبحت تكتسب صدىً واسعًا بين الأعضاء الجمهوريين، حتى أن السيناتور لندسي غراهام المعروف عنه أنه أحد أكثر الحلفاء الموثوقين للرئيس ترامب، قال إنه يريد الاطلاع على مخطوطة بولتون، مضيفًا أنه سيكون "شاهدًا ذا صلة" في قضية أوكرانيا غيت، غير أن أعضاء آخرين قللوا مما ورد في كتاب بولتون، كما الحال مع الجمهوري عن ولاية تكساس منذ عام 2002 جون كورنين، الذي أوضح بأن ما ورد في الكتاب "لا يختلف عمّا سمعناه بالفعل".

لكن ماذا عن الجهة التي وقفت وراء تسريب الحوار بين ترامب وبولتون؟

في تعليقها على الجهة التي وقفت وراء تسريب ما ورد في كتاب بولتون من إشارة لإيقاف ترامب المساعدات الأمنية لأوكرانيا، تقول مجلة بوليتيكو الأمريكية إنه على الرغم من اتفاق البيت الأبيض ومحامي بولتون على عدم وقوفهم وراء التسريب الذي حصلت عليه نيويورك تايمز، فإن القضية برمتها تسلط الضوء على أن الأشخاص الذي منحوا المعلومة للصحيفة الأمريكية يملكون مجموعة من الدوافع للتأثير على محاكمة عزل ترامب في مجلس الشيوخ، دفعت بزعيم الأغلبية في المجلس ماكونيل لإصدار بيان يؤكد على أنه "لم يكن لديه أي إشعار مسبق" بمحتويات كتاب بولتون.

وفيما أشارت نيويورك تايمز إلى منح بولتون مخطوط كتابه للأشخاص المقربين منه، وأن المعلومات الواردة تتطابق مع روايات أخرى لمسؤولين تصف رؤية بولتون في أوكرانيا غيت، فإن المتحدث باسم المجلس القومي أوضح أن بولتون قدم مخطوط كتابه للمجلس لمراجعتها قبل النشر، مؤكدًا على عدم استعراض المخطوط على موظفي البيت الأبيض خارج المجلس، في حين اعتبر أحد المقربين من بولتون أن الأخير يريد من خلال هذا التسريب تأكيد وجوده "بطريقة مثيرة للجدل" لأنه لا يزال "يرى نفسه زعيمًا" للحزب الجمهوري.

ويشدد الدبلوماسي الأمريكي السابق فريد فليتز في مقال نشر في شبكة فوكس نيوز الأمريكية على أنه لا يجب على بولتون إصدار كتابه قبل انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، إلا أنه في الوقت عينه يؤكد على عدم وقوف بولتون أو موظفيه وراء تسريب المخطوط للصحافة الأمريكية، رغم اعتقاده بمسؤوليتهم عن ذلك بسبب إرسالهم المخطوط للمراجعة الأمنية خلال فترة محاكمة ترامب في كانون الأول/ديسمبر من العام 2019، وإعلانهم إمكانية نشره في ربيع 2020.

ويُعتبر بولتون الذي أُقيل أو استقال من منصبه بعد تزايد الخلاف مع السياسة الخارجية لترامب في أيلول/سبتمبر الماضي، واحدًا من الشهود الأقوياء الذين قد يحدثوا تحولًا جذريًا في سير إجراءات محاكمة العزل التي كان مقررًا لها أن تكون روتينية، وتأتي أهمية شهادته نظرًا لأنه غير محسوب على الديمقراطيين، وتصنيفه في المشهد السياسي الأمريكي الداخلي ضمن الصقور المحافظة التي تتمتع بمصداقية منذ سنوات في الوسط الجمهوري.

وتسود توقعات بأن الجهود التي يقودها بولتون بهدف استدعائه للشهادة تندرج في إطار قلقه من "سياسة الظل" التي لعبها محامي ترامب الشخصي رودي جولياني في السياسة الأمريكية الخارجية فيما يتعلق بأوكرانيا غيت، كما أنه رفض بشدة سياسة ترامب الخارجية التي أنتهجها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيثُ يعتقد بأن الهدف النهائي لزعيم الكرملين إعادة توحيد أكبر عدد ممكن من دول الكتلة الشرقية التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي بعد انهياره في عام 1990، وبحسب الصحافة الأمريكية فإن بولتون شخص دقيق في تسجيله لانطباعاته وتفاصيل الاجتماعات التي يحضرها.

اقرأ/ي أيضًا: من الرفض إلى القبول.. فرص محاولات الكونغرس عزل ترامب

وكان استطلاع للرأي أجرته شبكة ABC نيوز بالاشتراك مع صحيفة واشنطن بوست ما بين 20 – 23 كانون الثاني/يناير الجاري، قد أظهر موافقة 66 بالمائة من الأمريكيين على استدعاء مجلس الشيوخ لشهود جدد للإدلاء بشهادتهم، وجاءت نسبة المؤيدين في الحزبين لذلك الإجراء في الاستطلاع الذي شارك به 1004 أشخاص، 45 بالمائة من الجمهوريين مقابل 65 بالمائة من المستقلين، فيما كانت النسبة الأعلى لدى الديمقراطيين بـ87 بالمائة.

تسود توقعات بأن الجهود التي يقودها بولتون بهدف استدعائه للشهادة تندرج في إطار قلقه من "سياسة الظل" التي لعبها محامي ترامب الشخصي رودي جولياني في السياسة الأمريكية الخارجية

فيما وافق 44 بالمائة من المشاركين في الاستطلاع على ما يقدمه ترامب من أداء في منصبه، مقابل 51 بالمائة لا يوافقون على ذلك، وبحسب ABC نيوز فإن ترامب أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة لا يحصل إطلاقًا على موافقة الأغلبية، رغم ارتفاع نسبة التوافق عليه 6 بالمائة منذ تشرين الأول/أكتوبر بسبب دعمه للاقتصاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تحول في موقف الجمهوريين من عزل ترامب.. هل تنجح ضغوطات الكابيتول هيل؟

الكابيتول هيل يصوت لمساءلة ترامب.. هل ينجح الديمقراطيون بعزله؟