الهوية الجزائرية.. من الاحتلال إلى الإهمال

الهوية الجزائرية.. من الاحتلال إلى الإهمال

دراويش الجزائر 1890 (Getty)

في الوقت الذي كان العالم مشغولًا فيه بتركيا من زاوية ساحة تقسيم، ثمّ من زاوية الانقلاب الفاشل، كانت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في إسطنبول تخطّط لفتح ثمانية مكاتب لنشر الوعي بالإسلام في ثمانية بلدانٍ أفريقيةٍ منها أثيوبيا وغانا ومالي وموريتانيا من منظور تركي. والمقصود بهذا المنظور نشر من المذهب الحنفي والتصوّف التركي واللغة التركية واللباس التركي حتى يصير لتركيا امتداد ثقافي وديني في هذه القارّة الكبيرة، على غرار الامتداد السعودي من خلال التيار السّلفي، وهو الامتداد الذي يمهد طبيعيًا للامتدادين السياسي والاقتصادي.

أدركت تركيا أنها تستطيع بالفن والنشاط الثقافي والدّيني في العالمين العربي والإسلامي أن ترفد حضورها في تجلياته

لقد أدركت تركيا مع مطلع القرن الواحد والعشرين أنها تستطيع بالفن والنشاط الثقافي والدّيني في العالمين العربي والإسلامي أن ترفد حضورها في تجلياته المختلفة بما يُغنيها عن سنواتٍ من الجري الفاشل لخلق امتداد أوروبي، فسخّرت أكثر من قناة ثقافية في تحقيق ذلك، كانت أنجحها وأقواها الدراما.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائريون.. سكارى وما هم بسكارى

يحدث كلُّ هذا، في ظلّ إهمال جزائري صارخ في هذا الإطار. فقد أكّد أكثر من خبير استراتيجي، ومنهم محمد بن بريكة الخبير الدولي في علوم التصوف أن الجزائر تستطيع أن تستقطب ما لا يقلّ عن مليون سائح سنويًا، في إطار السياحة الروحية، بحكم أنها حاضنة لمشيخاتِ أكثرَ من طريقةٍ صوفيةٍ ذاتِ امتدادٍ عالميٍّ، في مقدّمتها الطريقة التيجانية، التي تحصي 250 مليون تابع لها عبر القارّات الخمس، بل إنّ هناك أتباعًا لها وصلوا إلى مناصب الرئاسة والحكومة في بلدانهم.

فكم تتوفّر منطقة الأغواط التي تحتضن المقرّ العام لهذه الزاوية على سرير ومطعم ومرفق سياحي؟ إن الأفواج التي تزور المنطقة من شتى بقاع العالم لدواعٍ تتعلق بانتمائها إلى هذه الزّاوية كانت ستجد نفسها تحت رحمة الجوع والعراء، لافتقاد المنطقة لأيِّ مشروع سياحي، لولا تكفل الزاوية وأهل المنطقة بهم. والحديث قياس على زوايا أخرى في مناطق أخرى.

ولم يبقَ الإهمال مقتصرًا على عدم إضافة مرافق جديدة، في هذه المناطق القادرة على تعويض البترول أو سدّ الحاجات التي خلّفها هبوطه على الأقلّ، بل تعدّاه إلى إهمال المرافق القائمة أصلًا. فهي تنهار قصرًا فقصرًا وجدارًا فجدارًا وقصبةً فقصبة وزقاقًا فزقاقًا، ممّا جعل عبارة "للبيع" مهيمنة على زوايا المكان، ومانحةً فرصة لأصحاب الأموال غير المثقفة لأن يشتروها ويهدموها لينجزوا مكانها أبنية إسمنتية بلا روح ولا مضمون حضاري وثقافي وإنساني.

لماذا نجحت الحكومة الجزائرية في توفير الأمن وفشلت في توفير الأمن الثقافي والفقهي؟

إن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف عندنا فشلت حتى في تسيير ملف الحجّ والعمرة، وحماية صندوق الزّكاة من العبث به، وتحصين الشارع الجزائري من الغزو الفقهي القادم من شتى بقاع العالم الإسلامي لأغراضٍ سياسية بالدرجة الأولى، فكيف ننتظر منها أن تخطط للامتداد الإفريقي؟ إلا إذا انقلب المنطق فصار فاقد الشيء يعطيه؟ ومن ثمار هذا التقاعس أن حلّت أزياء غريبة عن الجزائريين مكان أزيائهم الموروثة تاريخيًا، ورؤى فقهية مكان رؤاهم النابعة من خصوصياتهم، وبنيات في السلوك والتفكير، عملت على تفكيكهم وزرع الشقاق بينهم.

اقرأ/ي أيضًا: الاحتجاجات في الجزائر.. السلطة تطمئن والشارع متخوف

لماذا نجحت الحكومة الجزائرية في توفير الأمن القومي العسكري، إذ فشلت كلّ محاولات اختراق الفضاء الجزائري، من طرف الجماعات المسلّحة المنفذة لأجندات معيّنة، علمًا أن الحدود الجزائرية تتجاوز 7000 كلم، تعدّ كلّها أحزمة نارية، خاصّة الحدود مع ليبيا وتونس ومالي والنّيجر، وفشلت في توفير الأمن القومي الثقافي والفقهي، إذ توشك على أن تفقد ملامحها الحضارية والثقافية والدّينية، التي فشلت آلة الاحتلال الفرنسي في أن تطمسها على مدار 132 عامًا.

أتصوّر أحيانًا أنّ القائمين على شؤون الثقافة والفن والدّين في الجزائر يرفعون أيديهم بهذا الدّعاء: اللهمّ اجعل الطبيعة تؤمن بالفراغ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كونوا مثل الفرنسيين.. أو موتوا مثل البشر!

"البليدة" الجزائرية.. مدينة الورود الساحرة