23-يونيو-2017

أورهان باموق (1952)

تمثل رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" (دار المدى، 2008) عملًا مكرسًا بكامله لإلقاء إطلالة على مدينة لا تحتمل النظرة السريعة، خاصة أن أورهان باموق (1952)، أحد كُتاب المدينة الذين استطاعوا سرد صراعها مع نفسها، من خلال تأملات وأسئلة وجودية، كسؤال لماذا ولدنا هنا؟ وهل نستحق العيش في هذا المكان؟

"إسطنبول" باموق مدينة تعج بالناس والتناقضات، وبسؤال الهوية القاتل

يمضي الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب وهو يعرض تناقضات تدعونا لأن نشاركه في هذا البحث الروائي. ونجد في الرواية بحثًا طويلًا ومفصّلًا وصورة بانورامية نادرة الدقة لمدينة تعج بالناس والتناقضات، بالفرح والحزن وبسؤال الهوية القاتل.

اقرأ/ي أيضًا: أورهان باموق.. من مطبخ الكتابة

هي هوية لا تزال إلى يومنا هذا هاربة من انتماء غربي كامل أو شرقي متحقق، تعبّر عن نفسها بأنها مدينة فريدة بين قارتين يلتقيان ببعضهما البعض وتحتضن تناقضات العلاقة بينهما.

إسطنبول كـ"سيرة مدينة" كانت خائفة ومربكة في نصف القرن الماضي. ولعل صاحب "اسمي أحمر"، ابن أحد أحيائها العتيقة، من أفضل القابضين على تسلسل تلك الحقب الزمنية في المدينة، والقادرين على وصفها بكل خباياها والكثير من جمالياتها.

في رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" بحث عميق في المدينة بشرطٍ روائي، يتضمن رؤيته لها حينًا، أو رؤية عائلته التي شغلت حيزًا أساسيًا وإطارًا لعلاقته معها حينًا آخر، وفي أحايين أخرى؛ رؤى كُتّاب أتراك آخرين يستشهد بهم الكاتب لعكس روح المدينة في تلك المرحلة، وفنانين ومستشرقين وثقوا المدينة في فنون تشكيلية ورسومات استغرق الكاتب في تحليلها وقراءتها، رغبة منه على ما يبدو بإظهار علاقة الغرب بإسطنبول.

رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" هي سيرة باموق الطفل والشاب والكاتب في فضاء شكلت إسطنبول المدينة حدوده زمانيًا ومكانيًا، رصد مساراتها لعقود تاريخية وسياسية وفنية، وأحيانًا كثيرة من موقعه كمواطن تركي عانى ما عاناه كل أهالي المدينة التي كانت مهلكة في تلك الحقبة من الزمن. فيظهر لنا حقيقة انتمائه لعائلة برجوازية صاحبة ثروة تتآكل، الأمر الذي يدفع القارئ لإدراك أن التعب والإرهاق يتخلخل في عظام جميع الطبقات الاجتماعية، عدا تلك التي لها علاقة مع الغرب. ورغم ذلك فإن المدينة التي لطالما وصفها بالسوداوية خلال رحلته، لم تفقد أي ذرة من جمالها المتعلق بالعشوائية أو بموقعها الجغرافي بين الشرق والغرب.

تختلط في هذا العمل ملامح السيرة الذاتية لـ باموق وللمدينة، فيها يتداخل الخاص مع العام لنرى التماهي الشخصي مع ظروف وملامح المدينة، فنراه طفلًا ونراقب نموه مع المدينة وكيف تختلف المدينة في عينه من طفل إلى راشد. هي انطباعاته عن المكان الذي يشبه عائلته الثرية التي تسكن في إحدى الإحياء الغنية، وتفقد ثروتها يوما بعد الآخر، وانطباعاته عن إسطنبول التي تفقد بهاءها في عينه  بشكل مضطرد تمامًا كحال عائلته، وهي روابط وإسقاطات مبهمة عن العلاقة بين المدينة والعائلة، وأحيانًا أخرى هي تناقضات ما بين قيم العائلة والمحيط الواقعي للكاتب.

"إسطنبول.. الذكريات والمدينة" هي سيرة باموق الطفل والشاب والكاتب في فضاء شكلت المدينة حدوده زمانيًا ومكانيًا

في الفصل العاشر من رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" وبعد سرده لتفاصيل المدينة في عينيه كطفل، ومنظوره الطفولي لواقع حال عائلته ومحيطه الصغير، يبدأ باموق فصله ذاك بتوصيف إسطنبول المدينة السوداوية الحزينة، بكل تفاصيلها. فيطل بشرح كلمة حزن المأخوذة من اللغة العربية واستخدامها ذي المعنى التراجيدي العميق في اللغة التركية. فإسطنبول في تلك الحقبة، حقبة ما بعد الإمبراطوريات، داكنة ومليئة بالتراجيديا والفقر، وحزينة حزنًا أدى بالكاتب لتسمية فصله العاشر باسمه، وسنفهم أنه كان نتيجة للفقر الشديد الذي كانت تقع فيه تلك المدينة الخلابة بتضاريسها.

اقرأ/ي أيضًا: "حوارات لقرن جديد".. الروايات وأسرارها

الحزن الذي يصفه باموق واقع في تناقض ما بعد مجد الإمبراطوريات. حيث نرى بداية صراع الناس مع أمجاد تاريخهم وانخفاض حسهم بالفخر ببقايا العمران التاريخي، وشبح الغرب الذي كان يهدد بتغير جزء كبير من هوية المجتمع. وبالتالي فإن النص يحدثنا عن إسطنبول الحائرة في فترة تلك العقود.

 لم يكتف باموق بنظرته المباشرة للمجتمع الحزين والمتعب، بل استعان بالموسيقى في تلك الحقبة، وبمطربي المستوى الثالث على سبيل المثال، الذين كانوا يحاولون تقليد الغرب بموسيقاهم، كحالة هروب من واقع الحال ورؤية الغرب بحالة تدعو إلى اللجوء إليه.

وعلى الكفة الأخرى في رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" هناك سرد بلغة كانت لاذعة إلى حد ما، عن الطبقة المخملية في إسطنبول، وكيف شكلت تلك الطبقة ثروتها الضخمة، وعن إحساسهم الغريب بالأمان عندما يذهبون إلى بلاد الغرب، وانعدام إحساسهم بالأمن في بيوتهم الإسطنبولية المطلة على البوسفور. وعن أحاديثهم التي تدور عن حنكتهم في وضع أموالهم في البنوك السويسرية وعن مدى سوء الوجبة الأخيرة التي قدمت لهم في الطائرة في طريق العودة من جنيف. لنرى تباينًا وقحًا بين ما كانت تغرق فيه المدينة من أزمة اجتماعية واقتصادية، وتلك الطبقة المخملية التي توجد في كل المدن حتى المتعبة والمهلكة إلى حد التراجيديا.

كما استعان باموق بالسينما التركية كوسيلة لتوثيق زمن معين وعرض ملامحه الاجتماعية، وما يمكننا ملاحظته من منظور باموق للسينما التركية، أن ذلك الحزن الذي تكلم عنه كان يطغى على أمل الممثلين بشكل واضح، ففي جميع السيناريوهات المتعلقة بالأبطال الأتراك في الأفلام في تلك الفترة، كان هناك انطباع الإحباط. وبشكل شبه تهكمي استحضر دلالة كان لا بد منها في دور الأبطال في الفيلم التركي، إذ إنهم لا يبدون تواقين للمال أو لمحبوباتهم، فالحزن كان يعطيهم رخصة شعرية لحالتهم.

ندرك أن ذلك الحزن لم يتوقف كحالة تعبيرية عن الحال المزري للمدينة، لكنه كان ثقافة سائدة كأداة لتخفيف ألم المأساة المنتشرة والتشجيع للاقتناع بالقليل. وبالنسبة لرؤية باموق لأبطال الأفلام التركية، فإنه لا توجد أمامهم إلا وسيلتان لمواجهة المأزق، إما الذهاب للتمشي على شاطئ البوسفور أو التوجه إلى الشوارع الخلفية للمدينة للتحديق في أنقاضها.

إسطنبول التي لطالما وصفها باموق بالسوداوية خلال رحلته، لم تفقد أي ذرة من جمالها المتعلق بالعشوائية

وفي سياق السرد والاستعانة بالفنون والأدب، يستحضر الكاتب أبطاله الشعراء والروائيين، مثل حمدي طانبنار ويحيى كمال وعبد الحق شناسي، والاستسلام للقصائد السوداوية عن الفقد والتدمير، وأين عثروا على صوتهم الخاص، في فضاء الشعر والأدب في ذلك الوقت. وبنظر الكاتب فإن المجتمع والمدينة والسوداوية الملازمة لها كان ما يوحدهم.

اقرأ/ي أيضًا: الحياة العاطفية للفلاسفة

هي تناقضات منقطعة النظير، تناقضات المدينة مع سكانها وتناقضات الماضي والتاريخ مع أزمة المرحلة اقتصاديًا والتراجيدية على جميع الأصعدة الاجتماعية.

حتى في بداية رواية "إسطنبول.. الذكريات والمدينة" فإن سرد الكاتب وحواره مع صورته المعلقة على حائط بيت العائلة ولماذا هو هنا وليس في مكان آخر، يدخلنا في أسئلة وجودية عن العلاقة بين المحيط والشخص، وتأثير المدينة على الشخص.

لنصل لذلك الشعور المربك بين الحب غير العادي لمدينة ربما هي قاسية علينا إلى حد السوداوية والكراهية، إذ تتجلى التساؤلات المتعلقة بحب جدلي بيننا وبين مدننا الحزينة حينًا والمنهكة في أغلب الأحيان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن أيامٍ عربيةٍ جميلة في إسطنبول

نهاية الحفلة