المغربية الشعيبية طلال.. فلاحة الفن التشكيلي

المغربية الشعيبية طلال.. فلاحة الفن التشكيلي

الفنانة المغربية الراحلة الشعيبية طلال (مرايانا)

تمتلك الفنانة المغربية، العصامية، الشعيبية طلال، سيرة ذاتية فريدة في منطقتها وبظروفها، متكررة على مستوى عدد من كبار الفنانين في التاريخ.

رغم الطفولة الصعبة، وحرمانها من تلقي التعليم، استطاعت الشعيبية طلال أن تخلق عالمها الفني الخاص: عالم الإبداع في التشكيل والأصباغ

ورغم الطفولة الصعبة، وحرمانها من تلقي التعليم، استطاعت الشعيبية أن تخلق عالمها الفني الخاص: عالم الإبداع في التشكيل والأصباغ، حتى صارت واحدة من رائدات الفن الفطري في المغرب، بأعمال طافت أرجاء العالم.

اقرأ/ي أيضًا: خالد البوهالي.. المطبخ هو المرسم

يتم وفقر في الطفولة

في قرية أشتوكة بنواحي مدينة أزمور في حاضر إقليم الجديدة، ولدت الفنانة الشعيبية طلال، عام 1929. عاشت طفولة صعبة باليتم والفقر، اللذان لم يسعفاها لدخول صفوف الدراسة. لكن الإبداع راودها منذ سن مبكرة.

"كنا نعيش في خيمة، وكانت والدتي تفرش لي ولإخوتي شيئًا من الغصون بها ورود، وكنت أمضي الليل في قطف هذه الزهور وتشكيلها، ممّا كان يجلب علي غضب أمي"، تروي الشعيبية في حوار تلفزيوني معها.

بورتبريه للشعيبية طلال
بورتبريه للشعيبية طلال

وصفت في طفولتها بـ"المهبولة" أو "المجنونة"، لأنها كانت تمضي معظم اليوم في الجري بين الحقول وجمع الورود والأزهار، واللعب بتجمعات المياه. كانت مولعة بالطبيعة، ويبدو أنها أورثتها مخزونًا كافيًا من الإبداع.

لم تعرف الشعيبية الطفلة حياةً مستقرة، فما أن قاربت سن العاشرة حتى نُقلت إلى مدينة الدار البيضاء للعيش لدى أحد أخوالها. وفي الـ13 من عمرها زُوّجت من شيخ مسن، لم يلبث أن توفي بعد نحو سنتين من الزواج، مخلفًا الشعيبية، طفلةً أرملة، في حجرها رضيع، هو ابنها الحسين طلال، الذي سيصبح بدوره فنانًا تشكيليًا ذائع الصيت.

يقول الحسين طلال: "توفي والدي، وأمي الشعيبية كانت في الـ15 من عمرها. حتى أنني لا أتوفر على صور له". وبالنظر لعصاميتها المبكرة، لم تتزوج الشعيبية طلال مرة أخرى، وقررت تكريس حياتها لتربية وتعليم ابنها الوحيد.

حياة ثانية

بدأت الشعيبية طلال بمزاولة الرسم منذ سنة 1955، بشكل فطري دون دراسة أكاديمية. تعتبر الشعيبية الفن "موهبة من عند الله"، على عكس ابنها الذي سعى لتلقي تكوينًا أكاديميًا في الفن التشكيلي بفرنسا.

اكتُشفت موهبة الشعيبية أول مرة من قبل الناقد الفرنسي بيير كودير، وكذا الفنان التشكيلي الألماني فيرنر كيردت. وأول مرة رسمت فيها كانت بإحدى أسواق الدار البيضاء حين وجدت رجلًا أجنبيًا يرسم هو الآخر، فشدها منظره، ووقفت تتأمله، حتى انته لها، فناداها، ففرت هاربة ولم تعقّب.

في بدايات اشتغالها بالرسم، كانت الشعيبية تته إلى الأسواق لمشاهدة النساء وهن يخطن بالآلات، والأرامل مع أطفالهن، ومن هنا باتت للمرأة مكانة خاصة في أعمالها: أم وزوجة وفلاحة ومعلمة وخياطة وعاملة في المنازل؛ وجميعهن شخصيات عايشتها الشعيبية قبل أن ترسمها.

قوبلت أعمال الشعيبية بترحيب كبير في أوروبا وغيرها، في الوقت الذي واجهت فيه موقفًا محتقرًا من بعض النقاد الفنيين المغاربة، الذين اعتبروا لوحاتها "فاقدة للمعنى التشكيلي" كونها لم تتلقى تكوينًا أكاديميًا.

أما اليوم، وفي كل مكان، تعتبر لوحات الشعيبية من أغلى اللوحات الفنية من المغرب. وقد بيعت إحدى لوحاتها، وهي لوحة "قريتي أشتوكة"، في 2010، بأكثر من 150 ألف دولار أمريكي. وفي 2014 بيعت لوحتها "حفلة زفاف" بنفس المبلغ.

لوحة قريتي أشتوكة
لوحة "قريتي أشتوكة"

ومنذ عام 1966، بدأت الشعيبية مرحلة جديدة في حياتها، حيث أقامت أول معرض فني لأعمالها، بتشجيع من الفنان التشكيلي المغربي الراحل أحمد الشرقاوي. وفي نفس المعرض بيعت أولى لوحاتها الفنية.

وتوالت معارضها الفنية داخل وخارج المغرب، فأقامت معارض فنية في كوبنهاغن وإسبانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا، وعرضت لوحاتها عام 1993 في متحف سانت أنغريت بألمانيا.

فرادة فنّها أهلها للحصول على عدة جوائز وأوسمة فنية رفيعة، مثل الميدالية الذهبية من الجمعية الأكاديمية الفرنسية للتربية. كما أدرج اسمها ضمن قوائم أبرز الفنانين في العالم بقواميس لاروس وأكسفورد وبيزينيت.

وفي 2016، أخرج المغربي يوسف بريطل، فيلمًا روي سيرة الشعيبية تحت عنوان "الشعيبية فلاحة الفنون"، جسدت فيه الممثلة المغربية السعدية أزكون شخصية الشعيبية.

أسلوب فريد

يصف الصحفي والباحث في السيميائيات، عبد الناصر الكواي، لوحات الشعيبية، بأنها "تعبير عن إحساس مخيّلتها"، قائلًا: "إنها (أي الشعيبية) لا تقتصر على الرسم، وإنما تحكي في كل لوحة قصة عالم مستوحى من واقعها المعيش، أعادت تشكيلها بأسلوبها الخاص".

ويضيف عبد الناصر الكواي لـ"الترا صوت"، أن الشعيبية "لم تتقيد بالمعايير المعتمدة في مجال الفن التشكيلي، بل كانت تجهلها بحكم أنها لم تلج المدرسة قط، ثم تجاهلتها حينما احتكت بكبار الرسامين والنقاد العالميين، حيث كانت تحاول دائمًا الحفاظ على عفويتها". 

تدفع أعمال الشعيبية، بالكواي إلى استدعاء مقولة أحد الفنانين التشكيليين: "الفن عمومًا والفن التشكيلي خصوصًا، ليس شيئًا نفعله من أجل المتعة فقط، بل إنه يدفعنا للتفكير".

وفي حين يقول الناقد الفني عزيز أزغاي في دراسة له بعنوان "التشكيل وخطاباته"، إن الفنان المغربي "عاش لقرون سجين حالة فرضت عليه الإبداع في حدود محصورة وضيقة"؛ استطاعت الشعيبية الخروج بالفن إلى مجال أرحب. 

ولذلك وبحسب ما جاء في تصريحات صحفية، يعتبر الفنان التشكيلي أحمد جريد، أن الشعيبية بمثابة "مدخل أساسي للفن التشكيلي المعاصر منذ منتصف القرن الماضي"، واصفًا إياها بأنها كانت "من الرواد الأوائل الذين اقتحموا المتاحف الدولية وصالات العرض المرموقة في العالم".

استطاعت الفنانة المغربية "الفلاحة البسيطة"، كما توصف على نطاق واسع بين الفنانين، أن تقتحم عالم الفن محليًا وعالميًا بفنها الفطري وأسلوبها في الدفاع عن نمطها التشكيلي.

 استطاعت الشعيبية طلال، "الفلاحة البسيطة" كما توصف على نطاق واسع بين الفنانين، أن تقتحم عالم الفن محليًا وعالميًا بفنها الفطري

كان بيتها معرضًا فنيًا ودارًا ثقافية مفتوحة للجميع. وقد عرفت بخفة الظل، وكانت ابنة نكتة، قربت كل من عرفها منها، حتى وافتها المنية في 2004، عن عمر يناهز 75 عامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نضال سيجري.. سيرة عامل في الفن

شربل داغر.. تأصيل شامل للوحة العربية وسياقاتها