المرأة الجزائرية.. هل تكفي القوانين للحماية من التنميط؟

المرأة الجزائرية.. هل تكفي القوانين للحماية من التنميط؟

لم تغتنم المرأة الجزائرية الأثمان التي دفعتها في الثورة (Getty)

لم تفرّق الإدارة الاستعمارية الفرنسية، في قمعها وتنكيلها وتعسّفاتها بين الرجل والمرأة في الجزائر على مدار 132 سنة. فقد نفت عام 1847 مع الأمير عبد القادر إلى فرنسا ثمّ إلى الشّام نخبة من النساء عرفن بـ"نساء قصر الأنبواز"، مكونة من 21 امرأة، حيث سجنّ معه في هذا القصر لأربع سنوات. كما أن تجربة جميلة بوحيرد مع التّعذيب الوحشي في خمسينيات القرن العشرين لم تكن إلا الشّطر الظّاهر من جبل الجليد.

إنّ النساء اللواتي تركن بصمة لا تنكر في ثورة التحرير، مثل جميلة بوحيرد وجميلة بوعزّة وجميلة بوباشة وزهرة ظريف، تمّ تهميشهنّ

بعد افتكاك الاستقلال الوطني عام 1962، ورغم أن المرأة الجزائرية كانت في طليعة من تبرّع لصندوق الدّولة، الذي أطلقه الرئيس أحمد بن بلّة، حيث امتلأ بمجوهرات الجزائريات، اللواتي تعاملن مع الأمر على أنه استكمال للمسعى الثوري، إلا أن حضورها في المؤسّسات المدنية والعسكرية النّاشئة كان صفريًا. فقد انتظرت المرأة الجزائرية لتستوزر مثلًا حتى عام 1982، حيث تولت الأديبة زهور ونيسي وزارة التّربية.

بل إنّ النساء اللواتي تركن بصمة لا تنكر في ثورة التحرير، مثل جميلة بوحيرد وجميلة بوعزّة وجميلة بوباشة وزهرة ظريف بيطاط شقيقة "أسد الثورة" العربي بن مهيدي، تمّ تهميشهنّ في هذه الفترة، فلم يعدن إلى الواجهة الإعلامية إلا لاحقًا. ذلك أنّ المنطق الذكوريّ كان شطرًا من التصور العام للدّولة.

اقرأ/ي أيضًا: "مكاني أينما أريد لا في المطبخ".. جزائريات يركضن ضد التحرش والتنميط

ورغم أن تأسيس "الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات" كان مبكّرًا في زمن الاستقلال، إلا أن تبعيته المباشرة للسّلطة السّياسية الحاكمة، واقتصار معظم نشاطاته على تزكية خطاباتها والتّبشير بمقولاتها وخياراتها جعل تأثيره أقلّ بكثير من تأثير "جمعية النّساء الجزائريات المسلمات"، التي أسّستها الطبيبة نفيسة حمّود عام 1947، رغم أنها كانت تحت مناخات الاحتلال.

شهدت فترة ثمانينات القرن العشرين، في إطار الانفتاح الليبرالي، الذي أقرّه الرئيس الشاذلي بن جديد انقلابًا في هذا الاتجاه، بالنظر إلى عوامل موضوعية منها النزعة الانتقامية التي تبنتها المرحلة الجديدة في حقّ مرحلة هوّاري بومدين، ومرور عقدين من الاستقلال وتبني سياسة التعليم المجّاني والإجباري، التي بدأت تفرز نخبًا نسائية متعلّمة ومنخرطة في الشّأن العام.

يقول الناشط الحقوقي عبد الحميد براهيمي لـ"الترا صوت"، إن الإقصاء الذي تعرّضت له المرأة الجزائرية مباشرة بعد الاستقلال الوطني، في مؤسّسات الحكم المختلفة، رغم مشاركتها المفصلية في ثورة التّحرير، خلق وعيًا نسائيًا عامًّا، بضرورة السّعي إلى افتكاك الحقوق والتأسيس لحضور يقوم على النّدية مع الرجل من خلال الانخراط في المدرسة، "وما حدث أن هذا الخيار أثمر اكتساحًا نسويًا للإدارة ومؤسّسات المجتمع المدني، ذلك أن ظاهرة التسرّب المدرسي تكاد تكون مقتصرة على الذكور في الجزائر".

"كسر هذا الحضور"، يقول عبد الحميد براهيمي، "النظرة الاجتماعية القائمة على الإيمان بأن الشّرف مرتبط بالمرأة الماكثة في البيت، فتعلّم الجزائريّ كيف يتصالح على مضض مع المرأة المعلمة والشرطية وقائدة الطائرة والصحفية والكاتبة والقائدة العسكرية والبرلمانية والسفيرة والوزيرة والمديرة، وصولًا إلى مرحلة المترشّحة الرئاسية، من خلال تجربة لويزة حنون".

من جهتها تلتقط الإعلامية سعاد بولقناطر بعض الإشارات الدّالة على وضع المرأة الجزائرية على الفضاء العام، "فهي تصرف على البيت بالتساوي مع الرجل إذا كانت متزوّجة، وتساهم في نفقات الأسرة إذا كانت عزباء، بل إنها باتت توفر لأخيها البطّال مصروف الجيب". وتلفت بولقناطر إلى معطى مسكوت عنه: "لقد تغلغلت المرأة الجزائرية في الإدارة والتّسيير، وفي مجال المال والأعمال، مع ذلك لم نجد في ملفات الفساد، التي كشف عنها القضاء والإعلام وجهًا نسائيًا". وتشرح: "لقد أضافت الجزائرية في مسعاها إلى إثبات ذاتها صفة النّزاهة إلى صفة العلم".

ظلت الإنجازات التي حققتها المرأة الجزائرية محكومة بالنظرة الدّونية إليها من طرف الآلة الذكورية المهيمنة على منافذ القرار

ظلت هذه الفتوحات التي حققتها المرأة الجزائرية محكومة بالنظرة الدّونية إليها من طرف الآلة الذكورية المهيمنة على منافذ القرار، في تحالف طارئ مع المحافظة الدينية، التي قفزت على رصيد تاريخي كبير كانت المرأة فيه ضمن القيام بالفعل، وراحت تكرّس ثقافة المرأة العورة، ممّا دفع ببعض المستنيرين في الحكومة والبرلمان عام 2012 إلى إقرار قانون يقضي بألا يقلّ تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة عن 33 بالمئة.

اقرأ/ي أيضًا: حين تتحدّث الفتاة الجزائرية..

يقول رجل الحقوق عقبة بوشاقور لـ"الترا صوت"، إنّ هنالك ترسانة كاملة من القوانين الرّامية إلى حماية حقوق وحضور المرأة الجزائرية، "سواء تلك المتعلقة بحماية ذمتها المالية والمجسدة في القوانين المنظمة للميراث والمستمدة من الشريعة أو تلك المتعلقة بحماية حقها في التصرف في حياتها الشخصية، كحقها في خلع نفسها من زوجها متى شاءت حتى ولو لم يتوفر سبب حقيقي لطلبها فك الرابطة الزوجية عن طريق الخلع. كما أن هنالك قوانين منظمة للحياة العامة تضمن حقها في ممارسة حياتها بطريقة تزاحم من خلالها الرجل أو حتى تكون لها الأولوية في بعض الأحيان".

غير أن بوشاقور يتدارك: "المشكلة ليست في القوانين، بل في النظرة الدونية للمرأة كجسد محصور في بعض المهام". ويسأل: "أليس محبطًا أن تخرج امرأة لتركض في الشاطئ، فيضربها إنسان لا علاقة له بها، بحجة أن مكانها الطبيعي هو المطبخ؟ ثم تشكوه إلى رجل الأمن، فيقول لها الكلام نفسه؟ بعد ستين عامًا من الاستقلال، لا تزال الجزائرية تناضل من أجل ألا يكون المطبخ مكانها الوحيد".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجمهورية الجزائرية المتناقضة

المرأة والنص.. تاريخ التجاهل والتطور