دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

من الصور الاستعمارية

حملت جيوش الاستعمار الفرنسي عددًا من المصورين إلى الجزائر، هؤلاء المصورون كانوا يستأجرون فتيات ويلبسونهن بالطريقة التي تحلو لهم، لتتحول الصور إلى بطاقات بريدية. هذه  الصور مادة لكتاب "حريم الاستعمار" للكاتب الجزائري مالك علولة. المقال التالي المترجم عن "نيويوركر" يعرض الكتاب.


عندما وصلت جيوش فرنسا الاستعمارية إلى الجزائر أوائل القرن العشرين، اصطحبت معها عددًا من المصورين الفوتوغرافيين، وكانت فرنسا قد احتلت الجزائر في الفترة من 1830 - 1962، وقد أراد هؤلاء المصورون التقاط صورًا للنساء الجزائريات حسب ما كان يجولُ في مخيلتهم، كتسكُعهن في منازل الحريم، وتدخينهن الشيشة، وعدم قدرتهن على مُغادرة منازلهن، وتعرية صدورهن، وقُبُولهن للجنس في أي وقت، إلا أنه عندما وطأت أقدامهم البلاد، فوجِئوا بنساء مُحتشمات لا يُظهرن من أجسادهن شيئًا، فقد كانت المرأة الجزائرية ترتدي حجابًا يكسوها من رأسها حتى أخمص قدميها، لا يظهر منه سوى عينيها، وبالتالي لم تستطِع أعين المصورين الوصول إلى بغيتهم، أو ما كان يدور في مخيلاتهم لدى النساء الجزائريات.

عندما وصلت جيوش فرنسا الاستعمارية إلى الجزائر أوائل القرن العشرين، اصطحبت معها عددًا من المصورين الفوتوغرافيين

لم ييأس المصورون رغم اصطدامهم بالواقع؛ هذا ما دفعهم إلى استئجار بعض الفتيات اللاتي لا يُمثِّلن صميم وروح المجتمع الجزائري، ودفعوا لهن الأموال كي يرتدين أزياءهن التقليدية، ويظهرن في أوضاعٍ مُحددة. وقد استخدم المصورون دعامات وخلفيات على هيئة صورٍ داخلية لغُرفِ نومٍ، بالإضافة إلى صُنعِ لوحاتٍ مرسوم عليها الشيشة وأواني القهوة والسجاد حتى يبدو وكأنه نُزُل مُخصَّصة للحريم، كما وضعوا قُضبانًا حديدية على النوافذ للإيحاء للمُشاهد أنه سجن، وإنه لم تخلع المرأة الجزائرية حجابها طواعيةً، سوف يضطرها المصورون إلى فعل ذلك رغمًا عنها.

اقرأ/ي أيضًا: فرانز فانون.. وجه للمستعمَرين

هذه الصُور الوهمية - والتي تحولت فيما بعد إلى بطاقات بريدية مصورة -  أصبحت مادة لكتاب "حريم الاستعمار" لمؤلفهِ الشاعر والناقد الأدبي الجزائري مالك علولة، الذي تُوفي في منفاه بباريس عام 2015.

نُشر كتاب "حريم الاستعمار"- والذي أُهدي إلى رولان بارت - للمرة الأولى في فرنسا عام 1981، وتُرجم إلى الإنجليزية على يد ميرنا ووالد غودزيتش بعد خمس سنوات، وعلى الرغم من عدم واقعية الصور التي أرفقها وحللها مالك علولة في كتابه، إلا أنها اتخذت بمثابة توثيقٍ واقعي للحياة في الجزائر، فعلى سبيل المثال، جاءت إحدى الصور تظهر فيها سيدتان تنظران من خلال نافذةٍ مُغلقة بقُضبانٍ حديدية تحت عنوان المرأة المغربية في المنزل، فكان هناك ثلاث صور مختلفة لامرأة واحدة ترتدي نفس الزي، عُلِق عليها وكأنها تعبر عن ثلاث سيدات مختلفات في ثلاثة أماكن مختلفة، وجاءت التعليقات كالتالي: "فتاة بدوية"  و"فتاة من الجنوب" و"فتاة قبائلية"، إضافةً إلى صورة لامرأة متزينة بالجواهر وتضع تاج من الجواهر على رأسها، وترتدي فستانًا فُتح من أعلى ليظهر صدرها، كُتب عليها "امرأة مغربية في رداء المنزل" هذه الصور لا تُصور المرأة الجزائرية، بل تعبر عن تخيلات المُصور الاستعماري عنها. وما هذه الصور إلا محض أوهام.

في عرضها لكتاب "حريم الاستعمار"، قالت الباحثة في مجال حقوق الإنسان، باربرا هارلو، والتي تُوفيت شباط/فبراير الماضي، مُقتبسةً قول الناشط والباحث النظري فرانز فانون "كان المحتل مُصممًا على إزالة حجاب الجزائر". تذكرت مقولة فرانز فانون وكتاب مالك علولة عندما قرأت مقالة في صحيفة "واشنطن بوست" آب/أغسطس الماضي، وعلمت أنه من أجل إقناع الرئيس ترامب بإرسال قوات إضافية إلى أفغانستان، قام مستشار الأمن القومي، هربرت رايموند ماكماستر  بإهداء ترامب صورة بالأبيض والأسود اُلتقطت عام 1972 لعدد من النساء الأفغانيات تتجولن في أنحاء كابل مرتديات تنورات قصيرة، وكان هدفه من وراء ذلك استخدام هذه الصورة في إقناع ترامب أن المفاهيم الغربية كانت سائدة هناك من قبل، ويُمكن أن تعود مرة أخرى.

لطالما كانت المرأة على مر العصور ركيزةً لصانعي الحروب، وغالبًا ما يُشارُ إلى معاناة النساء في البلاد التي يجتاحها الغزو أو الاحتلال

لطالما كانت المرأة على مر العصور ركيزةً لصانعي الحروب، وغالبًا ما يُشارُ إلى معاناة النساء في البلاد التي يجتاحها الغزو أو الاحتلال كأحد مبررات استهداف هذه الدول والانقضاض عليها. قالت لورا بوش عندما تسلمت مسؤولية الحديث الإذاعي الأسبوعي لزوجها عام 2001، لحث الأمريكيين على دعم حربهم في أفغانستان: "إن الإرهابيين وعناصر حركة طالبان فقط من يهددون بخلع أظافر النساء بسبب وضع طلاء الأظافر"، وعلى غِرار صورة ماكمستر للنساء اللاتي ترتدين تنورات قصيرة، يُجسد خطاب بوش نوعًا من الشفقة على النساء اللواتي يستخدمن في تبرير الغزو، وهو ما تُطلق عليه المنظرة الأدبية والناشطة النسوية لما بعد الاستعمار غاياتري سبيفاك إنقاذ الرجل الأبيض للمرأة السمراء من الرجل الأسمر، وهو منطق إمبريالي يتجاهل التعصب الجنسي في الداخل من أجل محاربته في الخارج، والذي يغُض الطرف عن أهلية المرأة السمراء وفهمها لذاتها. فكيف للمرأة أن تُدرك ماهية الوضع الذي تعيشه، على سبيل المثال، إنهم ينظرون إلى الحجاب على أنه ممارسة قمعية، أو رمز للمقاومة، أو ممارسة دينية مجردة، ما لم يكن مرتبطًا بالواقع. بينما يقدمون المفاهيم الإمبريالية على أنها خطوة ضرورية من أجل التحرر. وكأن لسان حالهم يقول، إنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع نسائهم، لذا من واجبنا – ومن واجبنا الأخلاقي – تحريرهم.

اقرأ/ي أيضًا: حيفا ويافا.. بحر الغائبين وبرّهم

كان هدف مالك علولة في كتاب "حريم الاستعمار" شخصيًا بدرجة كبيرة، فقد وُلد علولة عام 1937 في مدينة وهران الساحلية، نشأ وترعرع خلال الحقبة الاستعمارية، وتلقى دراسته في المدارس الفرنسية بالجزائر. كان يتحدث اللغة العربية في المنزل فقط، لأنه كان مسموحًا باستخدام اللغة الفرنسية فقط في المدرسة. قال مالك علولة: "لقد كانت اللغة العربية بمثابة لغة أجنبية في بلادنا"، وقد كتب مالك علولة كتابه "حريم الاستعمار" بالفرنسية خلال فترة حياته التي قضاها في فرنسا، والذي يدور موضوعه حول البطاقات البريدية المصورة التي اُلتقطت لبلاده التي كان تواقًا لها. ولم يُترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية حتى الآن. ويصف مالك علولة حالته أثناء كتابة هذا الكتاب أنها بمثابة طرد للأرواح الشريرة، كما يؤكد أن كتابه  لن يكون له أي جدوى إذا توافرت صور تُظهر وجهة نظر المُستعمَر عن المُستعمِر، إلا أنه لم يستطع العثور على أي صور التقطها الجزائريون لمستعمريهم الفرنسيين. وفي ظل فجوة غياب ما يُصور وجهة النظر المقابلة، يحاول الكتاب توضيح الصورة الحقيقية للجزائر وفضح تزوير وخداع وعنف المستعمر.

يُعيد مالك علولة في كل فصل من فصول كتابه سرد تسلسُل الصور المتشابهة، والتي تتضمن صورًا لنساء محجبات، وأُخريات في السجن، ونساء في بيوتهن، وأزواج وعائلات، ونساء في بيت الحريم، ومغنيات، وأزواج من النساء، ونساء عاريات الصدر. ومن خلال مُشاهدة الصور المكررة في هذا الكتاب، تذكرت ذاك الطالب الذي صنع مقطع فيديو مُكوّن من مقاطع الإعلانات التلفزيونية، والذي يُظهر سيدة تأتي مرة تِلو أخرى لتقضم كسرةً من لوح شُوكولا، أو وضع أصوات جميلة في خلفية الفيديو التي تظهر فيه تلك المرأة أثناء غسل شعرها بشامبو مُفعم بعطر الأزهار، أو السعادة التي تظهر على وجهها حين تُنظف الفوضى التي أحدثها زوجها وأطفالها، أو شّمها للطعام بدلًا من تناوله، أو مقيدةً، أو محبوسةً، أو مُصورةً على غطاء السيارات. إن تجميع المشاهد المتشابهة بجانب بعضها بعضًا، يكشف عن تسلسل الصور، كما أن التعصب الجنسي ليس حدثًا استثنائيًا كما يوضح هذا الترتيب، بل هو عمل مُنمَّق ومنتظِم. وتُعد عملية تنظيم المُحتوى وسيلة لإعادة صياغة الصور التي صُمِّمت في الأساس لإلحاق الضرر بك - وهو ما قام به مالك علولة في كتابه حريم الاستعمار.  فمن خلال إعادة ترتيبه للصور، أثبت علولة أن النساء اللاتي يظهرن على البطاقات البريدية المُصورة لا يُعبرن عن النساء الجزائريات، بل هي الصورة الوهمية التي لدى الرجل الفرنسي عن المرأة الشرقية.

كان الغرض من هذه البطاقات البريدية بطبيعة الحال، إظهار صورة شخصٍ ما غير موجود في موقع يُشبِه المكان الحقيقي، كالمدينة والريف والحياة البرية، ومشاركتها مع الآخرين. وبالتالي فإن البطاقة البريدية ترتبط بجهتين أساسيتين، جهة تُمثِّلها، وجهة أخرى تصل إليها، حسب ما كتب مالك علولة.  ويقول إن البطاقة البريدية المصورة شديدة الابتذال التي ابتدعها المستعمر على غير عكس الحقيقة، وما تحمله من وصفٍ صريحٍ لبلد أجنبي وشعب يعيش في هذا البلد، ساهم في إقناع المشاهد الفرنسي بواقعية هذه الصور. إلا أن هذه الصور لم تحمل أوصافًا صريحةً بالكامل، بل كانت مُصممة لإقناع الذين يعيشون في فرنسا، أن الجزائر ونسائها عاريات الصدر السجينات، أفضل حالًا في وجود الاستعمار، يقول مالك علولة: "إن هذه البطاقات البريدية الاستعمارية ما هي إلا جزء من الخطاب الزائف للاستعمار، إنها خدعة المرآة التي تطرح نفسها على أنها انعكاس صادق للواقع، إن البطاقات البريدية الاستعمارية تستند وتعمل وفق معادلة كاذبة، طرفيها الوهم والواقع، وتُسقط الرغبات الزائفة على الواقع".

البطاقات البريدية الاستعمارية ما هي إلا جزء من الخطاب الزائف للاستعمار، إنها خدعة المرآة التي تطرح نفسها على أنها انعكاس صادق للواقع

في الواقع السياسي الحالي، ينشأ التنابُز بالأخبار والاتهامات الكاذبة بين وجهات النظر المتعارضة، هو ما يؤكد صحة رؤيتي للواقع، ويصعُب إثبات خطأها، إن كتاب "حريم الاستعمار" يُذكرنا بأن بواعث هذا التنابُز ليست جديدة. فبالنسبة لعلولة، البطاقات البريدية الاستعمارية ما هي إلا فن التكلم من البطن، إذ قال في كتابه: "إنها لا تتكلم، بل يُتكلَم بها". ويضيف: "هذه البطاقات البريدية، حتى في حالة الادعاء أنها تعكس المظاهر الشاذة، فلا تعدو كونها شكل من أشكال التبرير الجمالي للعُنف الاستعماري".

اقرأ/ي أيضًا: هوية أفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال

لقد كنت مهتمًا لفترة طويلة بكيفية تفسير الصور التي اُتخذت بغرض الإيذاء أو الإضرار بأصحابها، فإن لم تُفسر الصور الرقمية التي اُلتقطت في سجن أبو غريب على أنها إمعان وانتشار لتعذيب السجناء، فما الداعي لمشاهدتها؟ يساعد كتاب مالك علولة على رؤية الفرد للصور من خلال ما لا يمكن التغاضي عنه - سواء كانت قوة أو إنسانية أو خلودًا أو ضعفًا أو جمالًا - في موضوع الصورة، بغض النظر عن ما يريد المصور إظهاره. ويُرشدك كتاب "حريم الاستعمار" إلى الطريقة التي تستطيع من خلالها التعرف على الصور التي التقطت لتبرير عنف الاستعمار عن طريق تحديد ما تظهره هذه الصورة لك، وإنكار الواقع التي تهدف هذه الصور إثباته زورًا، وكما قال مالك علولة في كتابه: "لقد عاد هذا الكم الهائل من البطاقات البريدية إلى مُرسِلها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

اختراع العدو

أجزاء ناقصة من صورة الاستقلال الجزائري