الكلاسيكيات

الكلاسيكيات "العالمية" في الغرب.. نسخة عن عالم واحد

تعكس اختيارات بنغوين تحيّزًا للمركزية الغربية (Indy100)

يكاد الناظر في الكلاسيكيات المترجمة في اللغة الإنجليزية يخلص إلى أنّ ما يُسبغ عليه صفة "العالميّة"، في غالبه الأعمّ، هو تلك الأعمال المتسقة عمومًا مع الشكل الأجنبي المكرّس في الكتابة الأدبية، لا سيما في حقلي الرواية والشعر. لكن ذلك يتمّ بأصالة نسبية لمحتوى محليّ، يضمن الغرابة الجاذبة للقارئ، في عمليّات تستبطن، إن لم تكن تعلن صراحة، على صعيد الاختيار وإستراتيجيات الترجمة تراتبيّة راسخة قائمة على أساس توزيع غير متساوٍ لرأس المال الرمزي بين لغات العالم وآدابه.

ثمّة تحكّم في العلاقات الأدبية بين اللغات والثقافات المختلفة، يعيد إنتاج هذه التراتبية ويعزّزها، فمعروف أنّ ما هو عالميّ اليوم لا يأخذ هذه الصفة إلا عبر بوابة الترجمة إلى واحدة من اللغات المهيمنة كالإنجليزية والفرنسيّة، والجوائز الأدبية المرتبطة بها، ولا يسبق ذلك سوى الالتزام بشروط إنتاج شكل أدبي مقبول بمعايير تلك اللغة المترجم إليها، يمتاز إجمالًا بمحتواه المحليّ المثير للقارئ في اللغة المنقول إليها، ويتسق مع الأخيلة المسبقة العامّة عن الآخر وأدبه.

وفي هذه المادة المترجمة بتصرف عن موقع arablit.org المختص بالأدب العربي المترجم، نظرة على خريطة دار "بنغوين" الشهيرة للكلاسيكيات العالمية المترجمة، والتي بدأت عام 1946 بنشر ترجمة للأوديسة، وقدمت لقراء اللغة الإنجليزية أكثر من 1000 عنوان كلاسيكي حتى الآن. لكن السؤال الذي يستوجب النظر والتدقيق، بحسب كاتب المقالة، أي كلاسيكيات تلك هي التي تنقلها "بنغوين"، وما الذي تقوله خريطة هذه السلسلة للكلاسيكيات العالمية واختيارات محرريها عن نظرتهم إلى الأدب العالمي؟


لو أردتَ أخذ فكرة عن الأدب العالمي من خلال الاطلاع على خارطة بنغوين للكلاسيكيات، فما أسهل أن تصل إلى افتراض ساذج بأن ما كُتب في تاريخ البشرية لم يخرج في معظمه إلا من أوروبا الغربية.

ويبدو أن هذه الخريطة، والتي ظهرت قبل عدة سنوات ولم يجر التحديث عليها حتى اليوم، تقدم فكرة واضحة عن نطاق اهتمام محرري سلسلة الكلاسيكيات في بنغوين.

توحي خارطة بنغوين للكلاسيكيات أن ما كتب في تاريخ البشرية لم يخرج في معظمه إلا من أوروبا الغربية

ففي هذه الخريطة التفاعلية، تجد عنوانين من مصر، هما كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" لشهاب الدين النويري، بترجمة إلياس مهنا، ومجموعة من قصائد قسطنطين كفافي. أما من سوريا فهنالك عنوان وحيد، وهو "كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ، بترجمة بول كوب.

اقرأ/ي أيضًا: الفن الحديث كان سلاحًا للمخابرات الأمريكية

ليس هنالك أي عنوان من فلسطين، رغم اشتمال القائمة على كتاب "التاريخ الكنسي" ليوسيبيوس، أسقف قيصرية فلسطين، ونلاحظ أيضًا أن عمل ابن فضلان، البغدادي، قد وضع على خارطة إيران.

هذه الخارطة ليس كاملة، لا سيما أنه من المرتقب صدور ترجمة "عودة الروح" لتوفيق الحكيم في شهر تموز/يوليو المقبل، لذلك فإن هذه الخريطة ليس مكتملة وغير محدّثة.


خريطة بنغوين التوضيحية للكلاسيكيات العالمية

أمم مغيبة.. العرب وأفريقيا

يلاحظ الناظر في هذه الخريطة والمواقع التي عينت عليها أن معظم الأدب الذي نقلته هذه السلسلة من الأربعينات إلى يومنا هذا قادم من أوروبا الغربية، ولو أتبعت ذلك نظرة إلى القائمة الأطول من منشورات السلسلة، لخرجت بحكم واضح عن ميولها الكولونيالية.

ففي القارة الإفريقية، إضافة إلى العنوانين الوحيدين من مصر، هنالك تشينوا أتشيبي من نيجيريا، ومن كينيا هنالك نغوغي وا ثيينغو، وإلزبيث هكسلي (رغم أنه ولد ومات في المملكة المتحدة)، وثلاثة أسماء من جنوب أفريقيا. وعلى خليج الكاميرون، ستجد الحرف "A"، للدلالة على عناوين من أفريقيا، الكثير منها لسانت أوغسطين، ولكن هنالك أسماء مثل أولادا إكويانو، وبانا كانوتي، وبامبا سوسو. إكويانو ولد في حدود ما يعرف اليوم بنيجيريا، وكان قد خطف وعاش عبدًا، ثم مات في إنجلترا، ولا يعرف السبب الذي جعل محرري السلسلة لا يضعون اسمه في نيجيريا. صحيح أن العديد من هذه الأسماء قد ماتت قبل أن يصبح للبلاد التي ولدت وعاشت فيها حدود واضحة، لكن الأمر نفسه ينطبق على توماس الأكويني، والذي لم يكن على الأغلب يعتبر نفسه أنه إيطالي بالشكل الذي تقترحه خريطة بنغوين.

إضافة إلى الخريطة، فقد وضعت كلاسيكيات بنغوين قائمة كاملة مفصلة بالعناوين والمؤلفين، ويعود آخر تحديث لها إلى العام 2016. تحت قسم "مؤلفون حسب المنطقة الجغرافية"، تبدأ القائمة بأسماء مؤلفين من "العالم القديم". فتجد في القائمة أسماء مثل سانت أوغسطين، ثم تجد اسمه يتكرر في قائمة "أفريقيا"، ربما لإضفاء شيء من "القيمة" على هذه الفئة. أما المحزن حقًا، فهو قائمة "العالم العربي"، والذي لا يضم سوى اسمين فقط، ابن فضلان، وأسامة بن منقذ.

كان كتّاب أمريكا اللاتينية أفضل ظهورًا في القائمة بنغوين للكلاسيكيات، وذلك يعود بالتأكيد لبضعة أسماء وصلت العالمية مثل بورخيس ونيرودا وأمادو

تستمر القائمة حسب البلدان بالترتيب الأيبيسيدي، لكن القائمة الأطول كانت من نصيب إنجلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، مع تخصيص مساحة كبيرة لكتب مؤلفين من أمثال بي تي بارنوم وزين غراي.

اقرأ/ي أيضًا: رمزية الحجاب في المخيلة الأوروبية المعاصرة

تظهر جزر البحر الكاريبي أيضًا كمنطقة قائمة بذاتها، بمؤلفين هما نايبول، والذي ولد في ترينيداد، والكاتبة الجامايكية ماري سيكول. أما فلسطين، فجاء تحتها اسم وحيد متوقع، وهو إيسيبيوس (263-339 للميلاد).

أما الإهمال فكان نصيب العديد من الآداب المهمة، مثل الهند التي اختير منها ثمانية أسماء فقط، وتركيا، بمؤلف واحد، أما ماليزيا وأندونيسيا فلم تحظ بأي اختيار، وكذا الصين التي اختير منها 12 اسمًا فقط، وما يزال الأكثر غرابة في القائمة بالتأكيد هو ذلك الاستخفاف بالآداب العربية والإفريقية، بوضعهما في مؤخرة قائمة الكلاسيكيات، تحت فئة "العالم العربي" وأخرى باسم "أفريقيا".

أما كتاب أمريكا الجنوبية فكانوا أفضل ظهورًا في القائمة، وذلك يعود بالتأكيد لبضعة أسماء دخلت العالمية (عبر الترجمة والجوائز) مثل بورخيس ونيرودا وأمادو.

التعاون بين الشروق وبنغوين

في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، أطلقت دار الشروق المصرية، ودار بنغوين للكتب في المملكة المتحدة، شراكة من قصر المنيل، في مشروع يهدف إلى نشر كلاسيكيات بنغوين باللغة العربية. وقد أشار بيان صحفي رسمي حينها إلى أن الشراكة تستهدف نشر 12 عنوانًا من كلاسيكيات بنغوين بالعربية، وثمانية كلاسيكيات عربية، باسم الشروق وبنغوين سنويًا.

وليس الهدف من هذه الشراكة توفير كلاسيكيات بنغوين بالعربية للمرة الأولى. فالعديد من كلاسيكيات بنغوين قد ظهر بالفعل بترجمات عربية، ولكن الهدف كما جاء على لسان جون ماكيسون، مدير بنغوين العالمية، هو نشر طبعات باسم بنغوين-الشروق، تتميّز بجودة الترجمة العالية وقيمتها الأدبية إضافة إلى جودة الكتب المطبوعة.

يتّضح أن بنغوين لا تعكس سوى التصورات الأنغلوفونية عمّا يمكن أن يرقى لاعتباره أدبًا كلاسيكيًا عالميًا

وأشار ماكيسون إلى أن المشروع سينقل العديد من الأعمال الأدبية العربية الكلاسيكية إلى الإنجليزية، مدّعيًا حينها أن ذلك سيضيف إلى "القائمة الغنيّة" من الأعمال العربية المترجمة إلى الإنجليزية، ويبدو أنّه نسي أن كلاسيكيات بنغوين لم تترجم سوى عملين اثنين وحسب من العربية. كما قال ماكيسون يومها أن هذا المشروع يعنى بمدّ جسر من التفاهم والحوار بين العرب وقرّاء اللغة الإنجليزية في العالم، وهو على حدّ وصفه حوار كثيرًا ما شابه القصور في الفهم والتقدير.

اقرأ/ي أيضًا: استشراق/استغراب.. الرقص على قدم واحدة

لكن يبدو أن هذا الفهم يسير باتجاه واحد وحسب. فكلاسيكيات بنغوين ستتوفر بالعربية، بطبعات تعاونية بين الشروق وبنغوين، حيث تحصل الأخيرة على حصتها من الأرباح لاستخدام علامتها التجارية على الكتب. في المقابل هنالك كتاب وحيد سيظهر بالإنجليزية الشهر المقبل كثمرة لهذا التعاون، وهو "عودة الروح" للحكيم، ولكنه عنوان سبق وترجم إلى الإنجليزية، منذ قرابة عشرين عامًا.

ما مدى الحاجة إلى كلاسيكيات بنغوين؟

هنالك العديد من مشاريع الترجمة التي تنقل الآداب الكلاسيكية غير الأوروبية إلى الإنجليزية، لعل أبرزها مشروع "مكتبة الأدب العربي" (Library of Arabic Literature)، والذي يواصل تحقيق نجاحات متزايدة في نقل الأعمال العربية الكلاسيكية إلى الإنجليزية. أما بالنسبة للآداب الهندية، فهنالك مشروع ترجمة الروايات الهندية (Indian Novels Collective)، والذي يطمح لترجمة 100 رواية من 13 لغة هندية إلى اللغة الإنجليزية. وهو مشروع انطلق عام 2017.

أخيرًا، يتّضح أن هذه الخريطة من بنغوين لا تعكس سوى التصورات الأنغلوفونية عمّا يمكن أن يرقى لاعتباره أدبًا كلاسيكيًا عالميًا، كما تمثّل نظرة الدار ومحرري السلسلة إلى العالم والصورة التي يمكن أن يجسدها ويجب أن يمتثل إليها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دنيس جونسون ديفز وذكرياته في الترجمة

الترجمة وخلق القيمة في عالم الأدب