رمزية الحجاب في المخيلة الأوروبية المعاصرة

رمزية الحجاب في المخيلة الأوروبية المعاصرة

فتاة ألمانيا أمام غرافيتي عن الحجاب (Getty)

أثارمعرض الموضة الإسلامية لمصممة الأزياء الأمريكة ذات الأصول الايرانية رابية زارغابور، الذي أعلن معرض فرانكفورت للفنون التطبيقية عن استضافته في شهر نيسان/أبريل الماضي موجةً عارمة من الاستهجان والاستنكار من قبل الجماعات النسوية وبعض النساء المسلمات في المدينة على حد سواء، حتى قبل أن يشاهدن معروضاته، متذرعات بأن المعرض ما هو إلا وسيلة مفضوحة لتمجيد الزي الإسلامي لدواعي سياسية.

في النصف الثاني من القرن العشرين، مهدت أعمال عالم الأناسة الفرنسي ليفي شتراوس لفتح ثغرة في جدار العنصرية العرقية والثقافية الأوروبية

انسجامًا مع التصورات النمطية السلبية عن غطاء الرأس الإسلامي في الثقافة الألمانية والأوروبية عمومًا، وجد ماتيس فاغنر مدير المتحف نفسه مضطرًا لنفي التهمة عنه لجهة تورط متحفه في الترويج لرمز إسلامي، الحجاب، ذي الدلالة السلبية في وعي المرأة الأوروبية، من خلال إعلانه أن الجهة الراعية لهذه الاحتفالية الثقافية هي بنك ومؤسسة في ألمانيا لا شيء يربطهما من قريب أو بعيد ببيوتات المال السعودية الموجهة لخدمة أهداف دعائية ذات طبيعة عقائدية، وأن المعرض في جوهره لم يكن محاولة للترويج للحجاب وتزينيه في وجه مستخدماته من المسلمات، بدليل أن 25 من المويلات المعروضة من أصل الـ 45 موديلًا كانت تحمل غطاء لشعر الرأس فقط دون تغطية العنق، الأمر الذي يخرجها بالمجمل عن كونها حجابًا على الطريقة الإسلامية.

اقرأ/ي أيضًا: حرب حجاب حلا شيحا.. تراشق بالدموع

المفارقة في الأمر أن المعرض من حيث الأساس لم يكن معدًا لتعزيز قيم التسامح اتجاه التمايزات الثقافية في المجتمع الألماني، بقدر ما كان دعوة لشركات الألبسة الألمانية للاستثمار في قطاع الملابس الإسلامية التي يبلغ حجم قطاع الأعمال فيه ما يقارب الـ 44 مليار دولار، وأن تحذو حذو شركة " نايك" التي نجحت في تصميم وصناعة ملابس غطاء رأس رياضية تتلائم مع الثقافة الإسلامية المتجذرة في الوجدان الشعبي، كما حذت بعض الشركات الإيطالية التي تصمم وتصدر معظم إنتاجها إلى دول الخليج العربي.

في محاولة لفهم طبيعة موقف الجماعات النسوية المتشنج من معرض فرنكفورت للموضة الإسلامية المعاصرة، الذي أرادت به مصممته زارغابور أن يساهم في كسر الصورة النمطية عن المرأة المسلمة، التي ظلت تطل من خلاله على العالم سواء البرقع الخليجي أو الشادور الإسلامي لصالح امرأة أكثر عصرية ترغب بالتعامل مع اللباس كغطاء يخفي التفاصيل القريبة للجسد لاعتبارات ثقافية خاصة، دون أن يؤدي ذلك لاختفاء صاحبته من حيز الوجود العام في العمل والحياة، يقدم لنا "نهاية التاريخ" للمفكر الأمريكي فوكوياما مدخلًا مناسبا لتحليل طبيعة هذا الفهم. فمفهوم نهاية التاريخ عند فوكومايا لا يعني القبول بتوقف التطور الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية عند مرحلة تاريخية محددة كالرأسمالية الأمريكية مثلًا، ونفي تطورها إلى تشكيلات أخرى كالاشتراكية كما أسيئ فهمه دومًا، وإنما يعني رغبة الحضارة المهيمنة، وهي في واقعنا المعاصر الحضارة الغربية بنسختها الأمريكية، بأن تجعل من نفسها مقياس كل شيء، سواء في السياسية أو طريقة التفكير أو النظرة الأخلاقية، الأمر الذي يجعلها لا تقيم اعتبارًا كبيرًا لقيم الشعوب والحضارات الأخرى، حيث يتم التعامل معها كحضارات قاصرة تحتاج إلى فترة من التدجين والترويض بقصد دمجها في منظموتها الأخلاقية.

في النصف الثاني من القرن العشرين، مهدت أعمال عالم الأناسة الفرنسي ليفي شتراوس لفتح ثغرة في جدار العنصرية العرقية والثقافية التي سبق التأسيس لها في عصر الأنوار، تلك الأنوار التي اعتبرت الحضارة الأوروبية هي مركز العالم والأشياء والقيم ومن ثم مهدت بالتالي لاستعباد الشعوب وبداية حقبة الأستعمار. ففي كتابه "العرق والتاريخ" قدم شتراوس نقدًا عميقًا للنزعة الكونية في الأنوار، التي كانت تتعامل مع أوروبا كمركز حضاري ومع بقية حضارت العالم العالم كشعوب متخلفة عنه معلنًا انحيازه إلى "نسبوية مطلقة"، ترى في كل ثقافة أو حضارة قيمة بذاتها لا يجوز عقد المقارنة بينها وبين الحضارات الأخرى بقصد التعرف عليها كحضارات أقل مرتبة أومتخلفة أو دونية، تستوجب التدجين والترويض حتى يكتب لها العبور إلى مصاف حضارة الكائن السوي والعقلاني، المتفوق الأوروبي.  فالقيم الثقافية أو الحضارية التي درسها شتراوس لدى الشعوب الأخرى غير الأوروبية التي آثر أن يطلق عليها في كتابه "الفكر البري" المتوحشة بدلًا من البدائية التي تحيل إلى مرتبة وجودية أدنى و أرقى، ليست قيم متخلفة عن الأصل الأوروبي بقدر ما هي مغايرة.

على الرغم من التصور الجديد الذي افتتحته أعمال شتراوس في الفضاء الأوروبي لناحية قابلية الاعتراف بقيم وأنماط سوك الأشخاص المختلفين ثقافيًا وحضاريًا، إلا أن مشاعر التفهم والقبول لأنماط السلوك الوافدة مع المهاجرين المسلمين الجدد إلى الفضاء الأوروبي، خاصة تلك المتعلقة بغطاء الرأس أو غطاء الجسد والعلاقات الحافة به، ليست ضعيفة وحسب، بل تثير على المستوى النفسي ضروبًا مختلفة من الدهشة التي تلقي بصاحبها إلى الحيرة أمام المنطق التي يحكم سلوك أصحابها، وهو الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار السياقات التاريخية التي حكمت وما تزال علاقة الأوروبي بالجسد الإنساني. فغطاء الرأس والجسد الإسلاميين يعيدان إلى ذاكرة الأوروبي مرحلة غاربة من الإقصاء الاجتماعي الذي كانت تقابل به المرأة في ظل سيادة الثقافة الكنسية المحافظة، التي عملت على تخفض وجودها الإجتماعي إلى مستوى الذكورة المشوهة، فالمرأة وفق هذا التصور ليست كائنًا محترمًا، بل صورة مشوهة عن الذكر الجدير الوحيد بالوجود الحقيقي، المعرض لغواية دائمة من قبل المرأة الشهوة التي لا تكف عن إمكانية إفساد طبيعته الروحية عبر الجنس المدنس، الأمر الذ ي تطلب دومًا حجب جسدها على المستوى الرمزي والواقعي، عبر التغطية تارة، وتخفيض الوجود إلى درجة المحو تارة أخرى.

يأتي الموقف الأوربي المتشنج تجاه الحجاب الإسلامي من الخوف من التشويش على المكتسبات التي أقرتها الحداثة للمرأة

إن الموقف الأوربي المتشنج من الحجاب على المستوى النفسي لا يتأتى فقط من الذكرى الأليمة لتجربة الإقصاء وتخيفض الوجودي للمرأة إلى مستوى الدنس، بل يتمد إلى الخوف من التشويش على المكتسبات التي أقرتها الحداثة لها، والتي اعترفت بموجبها بالنساء ككائنات وجودية لها نفس القيمة الوجودية للرجال، الأمر الذي تم تجسيده في فكرة المواطنة المتساوية، كما اعترفت لهن بالحق في حيازة التعامل الحر مع أجسادهن، سواء على مستوى الجنس أو على مستوى اختيار طبيعة العلاقات الاجتماعية التي قد تربطهن بالرجل، كصديق أو كزوج أو كشريك عابر.

اقرأ/ي أيضًا: "فتيات شارع الثورة": الإيرانيات في المجلة الألمانية "EMMA"

في مقابل تفهم تلك المشاعر المتفجرة الذي يثيرها غطاء الرأس الإسلامي في نفوس الرجال والنساء في أوروبا على حد سواء باعتباره تذكيرًا بمرحلة من الحجب، حجب المشاركة عن الحيز العام وحجب التمتع الحسي في الحيز الخاص للجسد القائم على قاعة القبول الشخصي أوالرفض وحده، فإنه لا يمكن تفهم حالة الهياج الهستيري الذي تثيرها أحزاب اليمين المتطرف تجاه بعض أنماط السلوك الإسلامي المختلفة، التي قد تسهم في تغيير الطابع الثقافي للمجتمع الأوروبي، ذلك أن المهاجرين الجدد لا يعيشون في أحياء معزولة عن المجتمع، فهم يخضعون لنفس القوانين التي تنظم حياة أبناء المجتمع الأوروبي نفسه، الأمر الذي يمنع ثقافة موازية لثقافة المجتمع الاوربي المسيطر.

أفكار اليمين المتطرف ذو النزعة المركزية الأوروبية التي تصنف الثقافات إلى ثقافات متقدمة وأخرى متخلفة، مضافًا لها ذلك التبرم الشعبي من أنماط سلوك لم يألفوها من قبل والتي تذكرهم بصور سلبية عن الحجاب في الوعي الأوروبي، لا ترغب بأن تلحظ مقدار التحولات الدلالية التي قد تصيب غطاء رأس المرأة المسلمة في مجتمع أوروبي يقوم على حقوق متساوية للجنسين. فالحجاب الذي يشير رمزيًا إلى حجب المرأة عن الحيز العام في المجتمع الإسلامي، سرعان ما يفقد هذه الدلالة في مجتمع أوروبي يحرص على تواجد المرأة في صلب الحياة العامة، سواء في سوق العمل أو المدرسة أو المجتمع.  

تعامل فئات واسعة من المجتمع الأوربي مع الحجاب كنوع من الهوية الثقافية التي تحاول تشويه صفاء الثقافة الأوروبية هو تعامل عدمي

إن الصورة السلبية للحجاب التي تشير إلى تبعية المرأة المسلمة اقتصاديًا للرجل، إلى الدرجة التي قد تجد نفساها خارج إطار رحمته الاقتصادية متى شاء، كما الصورة التي تمنح الرجل الزواج بأكثر من امرأة مع حق تفاضلي لصالحه في قضايا الطلاق والزواج والنفقة والتدخل في شؤون حياتها اليومية، لن يُكتب لها النجاح أو الاستمرارية في مجتمع يحرص أشد الحرص على استقلال المرأة الاقتصادي، ودعمها في قضية رعاية الأطفال، ومنحها الحق الحصري بالتصرف بحياتها الشخصية وفق لقواعد قانونية واضحة لا لبس فيها.

اقرأ/ي أيضًا: "فوغ آرابيا".. مزيد من تنميط المرأة العربية

إن تعامل فئات واسعة من المجتمع الأوربي مع الحجاب كنوع من الهوية الثقافية التي تحاول تشويه صفاء الثقافة الأوروبية، هو تعامل عدمي لجهتين؛ أولًا: لجهة عدم توقع التغيرات التي قد تدخل على دلالة الحجاب الاسلامي من حامل لقيم المجتمع الذكوري ذي البنية الفروسية القائمة على الغزو إلى كونه نوعًا من الفلكور الثقافي المصاحب لجماعة عرقية ما. وثانيًا: لجهة عدم التعامل معها كمصدر غنى وتنوع بدلًا من التعامل كمصدر تهديد وإفناء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن أحجبة الاستهلاك وطبائع الاستملاك

غضب افتراضي من سعودية نزعت حجابها ونشرت الصور