"الكرنك" القرمزي

محطة شارل الحلو في بيروت

رائحة بول المسافرين في الزوايا المعتمة، حنين سرياليّ لأماكن مدحوسة في البال. حقائب الأديداس المزيّفة، سطول الدهان الفارغة، الدراجات الهوائية الصغيرة، الموكيت الموضب بعناية مفرطة، صناديق بسكويت الغندور، صوت المحرّكات، أسماء المدن بلون أزرق على خلفية صفراء صارخة، معلّقة على أعمدة إسمنتية يقف تحتها ماسحو الأحذية، يتأبّطون علبة سمن فارغة، ومن اليد الأخرى يتدلى صندوق خشبيّ بحزام محكم بمسامير على طرفيه. سيارات الدوج الصفراء، وعلى أبوابها ملصق دائري "دمشق/بيروت"، الكرنك القرمزي، ورجل أربعينيّ يعلّق برقبته حقيبة دبلوماسية مفتوحة بداخلها ساعات رخيصة بعقارب وأرقام حقيقية، ويصيح: "ساعات ساعات ضد الماي". أول ما يقلع الكرنك القرمزي يبدو كفتاة مكتنزة بكامل زينتها، وتتمايل بغنجٍ، يستقر حجاج البلاد في مقاعدهم، بثياب نصف جديدة لكنها نظيفة، وبأحذية لامعة، وبصمتٍ كمن يمارس طقس يوغا.

مع ساعات اشتداد الشمس في الصباح تغلق الستائر الغامقة على الجهة اليمنى من الكرنك، باتجاه أشعة الشمس، عدا المقاعد التي يستقلها الأطفال، فإنهم سوف يدخلون رؤوسهم بين زجاج النوافذ المغلقة والستائر حتى وإن كانت شمس آب اللاهبة تصفع وجوههم البيضاء مؤقتا، ولا يلبثون أن يناموا بعد ثالث مطبٍّ على شبكة الطرق المعبدة المهمة، التي يمتلكها لبنان حسب ما ذكر في كتب الجغرافيا.

يبدأ معاون السائق، الذي غالبًا ما يكون صاحب "كيف ومشكلجي"، بفتح صندوق على الجهة اليمنى من سقف الكرنك، يخرج منه دزينة كؤوس بلاستيكة بيضاء طرية، يوزعها على الركاب، وبمعدل ساعتين تقريبًا، يحمل قارورة ماء ويتكئ بخصره على المقاعد ويملأ كؤوس الركاب، نصفها أو ربعها أو حتى ملؤها، حسب اهتزاز الكرنك، سيضع في مشغل الفيديو فيلم عمر المختار، أو فيلمًا كوميديًا مصريًا لعادل إمام، يجمع البطاقات الشخصية مع الكارت اللبناني وقسيمة الدخول، ينزوي في مقعده إلى جانب السائق، يخرج ترمس الشاي، يملأ كأس زجاج طويلة مخصصة للماء بالشاي الحلو الثقيل، يدخّن بشراهة، ويتكلم كثيرًا عن مغامراته، وكيف مرّر الكرنك بربع ساعة على الحدود، غالبًا ما يكرر عبارات مثل "زبطتو للضابط، بدك تدفع، أبو سومر صاحبي، وأنا ولدت عالحدود، بدك تدفع، ولما بكون أنا موجود البيكاج مابينفتح، الكرنك ما بيوقف عالتفتيش، بدك تدفع". وبعد أربع ساعات من الانتظار على الحدود، يصعد غاضبًا إلى الكرنك، ويبدأ بشتم العناصر "ماكانوا هيك، اليوم عم يدققوا".

بعد اجتياز الحدود، يملأ السائق كأسه بالشاي الأسود البارد الثقيل، يضع المعاون الفلاشة ويشغل أغاني الياس خضر، يشعر جميع الركاب (حجاج البلاد) بالراحة، الرجل الخمسيني أبو رامي الذي يجلس جانبي، ويعمل بلّاطًا، منحنِي الظهر بشعر شائب يصبغ شواربه الكثيفة، التي تجر "كرنكًا" بركابه، يضع كيسًا صغيرًا في حضنه يرتفع الكيس كلّما تقلّصت المسافة، المسافة المتبقية لها مفعول الحبوب الزرقاء، أبو رامي له سبعة أولاد، ولا يزال شابًا في الخمسين، يحج إلى بيته مرة كل ستة أشهر، حاله حال جميع العمال السوريين، عدا قلة يصطحبون عائلاتهم معهم في العطلة الصيفية، حين يصل أبو رامي وبقية الحجاج، سيتوجهون إلى الصاغة ليصرّفوا الدولارات القليلة التي صمّدوها في سفرهم، يظّلون يطوفون حول أسرّتهم، ويسعون بين السوق والبيت.

في حمص يعلن المعاون عن استراحة قصيرة وينبّه الركاب بأنها قصيرة؛ عشر دقائق، ينزل الحجاج إلى استراحة الخيمة، يشترون حلاوة الجبن والحلاوة الحمصية، يتناولون سندويشات البطاطا، يقضون حاجاتهم، ويدفعون لمن يجلس أمام حمّامات الاستراحة عشر ليرات للشخص الواحد، يبتسمون، يشعرون بالفرح مرة أو مرتين في العام.

المعاون يطلب من عامل في الاستراحة خرطوم ماء ليغسل الزجاج الأمامي للكرنك، يجلس مع السائق على طاولة مفتوحة، يأكلون ويشربون، ويأخذون قوارير ماء وكل ذلك مجانًا، حسب ماهو متعارف عليه في الاستراحات، بعد نصف ساعة يدور محرك الكرنك، يتفقدون الركاب، يطلق السائق زمورين متتاليين معلنًا انتهاء الاستراحة، يضع المعاون فيديو لصباح فخري حفلات جار القمر، تظهر تلك الفتاة التي ترقص على رقعة الشطرنج بفستانها دق الليرة الأسود القصير (عليه دوائر بيضاء بحجم الليرة)، تتسمّر عيون أبو رامي وبقية الحجاج بالشاشة الصغيرة أعلى منتصف الكرنك.

لن يطول حجهم ينفقون أموالهم على تصليحات البيت، ودفع فواتير الماء والكهرباء، ومصاريف المدارس، يعيشون عشرة أيام أو أكثر قليلًا مع أسرهم وحين يفلسون يحين وقت العودة إلى لبنان إلى الورش، سيبدؤون نوبة جديدة من حراسة أحلامهم، يقضونها انتظارًا.

يذهب وزوجته في اليوم الأخير إلى نفس الصائغ الذي صرّف عنده الدولارات القليلة قبل عشرة أيام، ستُخرج زوجته من جيبها كيسًا صغيرًا ملفوفًا بعناية، وبعقد كثيرة، بداخله علبة مجوهرات صغيرة تحوي إيصالًا وقطنة زهرية، ستخلع خاتمها من إصبعها، تدفعه إلى زوجها وتبتسم، يهمس بأذنها "رح جبلك أحسن منو المرة القادمة"، تبتسم مجددًا فهي تدرك تمامًا أنّ الحال لن يتغير أبدًا إلا نحو الأسوأ. سيمضيان إلى الكرنك القرمزي يضعان حقيبة الأديداس السوداء المزيفة، ويحجزان تذكرة. استغلّا خروج أولادهم إلى المدرسة، حفاظًا على مشاعرهم، غدًا في الصباح لن يودع أولاده سيوهمهم أنّه ذاهب إلى السوق، وسيطول ذهابه. ينتظرونه، وكلّما طرق الباب سيصرخون: "إجى بابا". جارتهم أم سامر بالباب زوجة الموظف السمينة الطيبة، تقول لأبنائه المتجمعين عند الباب، سافر أبوكم بالسلامة؟ سيبكون وسينسونه بعد قليل.

في لبنان، يقطن العمال السوريون في مناطق عشوائية، وبإيجارت مرتفعة، في كل غرفة يسكن من أربعة إلى ستة عمال، يتقاسمون الإيجار والمصروف، يعملون في ورش البناء، برواتب ضئيلة، وبساعات دوام طويلة، يستيقظون في الخامسة صباحًا، يرتدون ثياب العمل، ويتجهون إلى الورش، تبدأ استراحة الغداء في تمام الثانية عشرة ظهرًا، ولنصف ساعة، يتناولون فيها المعلبات "السردين، التونة، المرتديلا"، في الرابعة تمامًا يتوقفون عن العمل، يجمعون أدوات العمل يغسلونها، يبدلون ثيابهم، ويتجهون إلى غرفهم البعيدة، فرحين بانتهاء يوم عمل شاق.

مجددًا، رائحة بول المسافرين القديم، في الزوايا المعتمة، هدوء يخيّم على محطة شارل حلو "البور"، سيارات الكيا البيضاء، وعلى أبوابها ملصق دائري "دمشق/بيروت"، كرنك أبيض وحيد، وسائقون ممدّدون بالقرب من سياراتهم، لقد تغيّر كل شيء، وحدها أسماء المدن السورية باللون الأزرق، على خلفية صفراء صارخة معلقة على أعمدة إسمنتية، تحتها تابوت خشبي لـ أبو رامي، وعدد من أقاربه، ينتظرون قريب لهم، ذهب إلى السفارة السورية ليختم ورقة خروج لجثمان أبو رامي مرفق بتقرير طبي.

إلى من يهمه الأمر: 
وفاة صابر جمّوعة إثر وقوعه من الطابق السابع عشر، أثناء عمله في ورشة بناء في بيروت، أدّى إلى وفاته على الفور. سيقلع الكرنك هذه المرة وحده، كعجوز يضع يديه خلف ظهره، ويصعد إلى اللاشيء. ذهب أبو رامي حاجًّا أبديّا إلى حارته، لن يرافقه أحد، سيكون باستقباله هناك زوجته وأولاده وجاره أبو سمير وأقاربه. سيتذكر أبو سمير عندما يفتح التابوت، حديث أبو رامي له عندما سألوه متى ستستقر يا أبو رامي؟ وقتها ضحك أبو رامي، وقال: "لن نرتاح من سفرنا هذا، حتى يضعوا لنا القطنة البيضاء".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حكايا "الجرية": حبّ الآنسة ميديا

مرثية لفتح النور بن إبراهيم