القطاع العام في الجزائر.. مؤسسات الواجهات الدعائية

القطاع العام في الجزائر.. مؤسسات الواجهات الدعائية

لم يتبق من القطاع العام في الجزائر سوى بعض المؤسسات لتكون واجهات دعائية للنظام (رويترز)

كانت عبارة "قيام دولة اجتماعية"، التي تضمّنها بيان الأوّل من تشرين الثاني/نوفمبر المُمهّد لثورة التّحرير عام 1954، مؤشرًا مسبقًا على أنّ الخيار السياسيّ والاقتصاديّ الذّي ستتبنّاه حكومة الاستقلال سيكون "اشتراكيًا" أو على الأقل سيراعي العدالة الاجتماعية، وهذا الذي كان عام 1962. إذ أقدم الرئيس أحمد بن بلّة على طرح قانون "التّسيير الذّاتي" القاضي بأن تتولّى مجموعات الفلّاحين تسيير الأراضي الفلاحية مع تبعيتها المباشرة للدّولة.

مع تكريس بومدين لسياسة التأميم بما في ذلك المشاريع الصغيرة، نظر قطاع من الجزائريين إلى الخيار الاشتراكي بعين الرفض والبغضاء

غير أنّ هذه الإجراءات لم تكن كافيةً في نظر وزير الدّفاع يومها، هواري بومدين، على الأقلّ كما أعلنه للرّأي العام، فقام عام 1965 بانقلاب عسكري على حكم بن بلّة، مطلقًا على العملية اسم "التّصحيح الثّوري"، وأعلن نفسه رئيسًا للبلاد و"مجلس الثّورة"، المخوّل بمراقبة مدى احترام تطبيق التّوجهات الاشتراكية.

اقرأ/ي أيضًا: خمسة سلوكات شعبية تدلّ على "هوان" الدينار الجزائري

وشكّل عام 1971 ذروة انتصار بومدين للقطاع العام الجزائري، بإعلانه تأميم المحروقات، التي بقيت تحت هيمنة الشركات الفرنسية، فعادت إلى السيادة الجزائرية الكاملة. وتبعت ذلك إجراءات وقوانين قضت بأنّ الملكية خصوصية حكومية، فظهر ما عرف يومها بـ"القرية الاشتراكية"، التّي يسكنها الفلّاحون، الذين يشتغلون في الأراضي لصالح الدولة. إلى جانب إطلاق سلسلة من المصانع العملاقة يأتي في مقدّمتها مصنع الحجّار، الذي يتربّع على مساحة قدرها 800 هكتار، وينتج مليوني طنٍّ من الحديد سنويًا.

في هذه الفترة، ظهر مصطلع "البايلك" وتعزّز في الأدبيات الشّعبية، تمامًا كما كان يعني في العهد العثماني في الجزائر، حيث يشمل كلّ ما هو ملك للدّولة من طرقات ومساحات وحدائق وأبنية ومرافق ومؤسّسات. كما استفحلت ظاهرة مصادرة الأملاك الخاصّة، قصد محاربة البرجوازيات الصّغيرة، التي كان "مجلس الثورة" ينظر إليها بعين العداء.

كرس بومدين لسياسات تأميم شملت حتى المشاريع الصغيرة
كرس بومدين لسياسات تأميم شملت حتى المشاريع الصغيرة

جعلت التعسّفات التي تميّزت بها هذه المصادرات، قطاعًا واسعًا من الجزائريين ينظر إلى الخيار الاشتراكي بعين الرّفض والبغضاء. "ولأنّ التّعبير المباشر عن ذلك كان يؤدّي إلى صدام مباشر مع النّظام القائم، فقد عبّر الجزائريون عن ذلك رمزيًا بابتذالهم للمرفق العمومي، فكان اعتداء الواحد منهم على عمود الكهرباء مثلًا أو تخريب مقعد الحافلة العمومية موقفًا من الحكومة نفسها"، كما يقول الإعلامي والرّوائي حميد عبد القادر.

ويضيف عبد القادر، الذي ألّف رواية "توابل المدينة"، التي رصد فيها الثمار السّلبية لمحاربة نظامي بن بلّة وبومدين للبرجوازية الأصيلة: "لقد كان موقفًا انتقاميًا لوجوه قادمة من وسط فلاحي فقير من عائلات ملكت المال تاريخيًا وكانت لها طقوس برجوازية نبيلة. وتجسّدت هذه الرّوح الانتقامية في إفقارها واستباحة ممتلكاتها، ممّا كان مقدمة لترييف المدينة الجزائرية وإفراغها من محتواها الثّقافي والحضاري".

مع مرض الرّئيس بومدين عام 1978، أعلن التيّار الليبرالي عن نفسه وطموحه في تولّي زمام البلاد، فحدثت بينه وبين التيّار الاشتراكي تطاحنات حادّة، على مستوى المؤسّسات السّياسية والعسكرية معًا، فكان مجيء الرّئيس الشّاذلي بن جديد، الذي كان شخصية عسكرية وليبرالية مغمورة، مقدّمة لهيمنة التيار الليبرالي على المشهدين السّياسي والاقتصادي.

تجلّت هذه الهيمنة، بدايةً، في تسخير النّظام الجديد للمنظومة الإعلامية في ابتذال الخيار الاشتراكي، رغم أن الشعار الذي ساد حينها كان "الاشتراكية خيار لا رجعة فيه"، في خطوة وصفت أنها تصفية معلنة لإرث الرئيس الراحل، الذي قطع الأنفاس على الشّعب من خلال محاربته للملكيات الخاصّة، وعلى الأطراف الاقتصادية الأجنبية، في مقدمتها الطرف الفرنسي، الذّي أشارت تقارير كثيرة إلى أنّه كان وراء فرض هذا التحوّل.

قوبل هذا التّحوّل بمعارضة شرسة من الوجوه المحافظة داخل الحزب الحاكم والوحيد "حزب جبهة التّحرير الوطني"، وفي مقدّمة هذه الوجوه عضو "مجلس الثّورة" محمّد الصّالح يحياوي، الذي كان المرشّح الأوّل لخلافة هواري بومدين، غير أنّ مؤتمر الحزب عام 1984 منح الغلبة لخيار "الإصلاح"، فشرعت الحكومة في تمرير إجراءات وقوانين شكّلت مجزرةً في حقّ الخيار الاشتراكي، ومقدّمةً لتصفية القطاع العام، منها بيع الأراضي بالدّينار الرّمزي.

بمرور الوقت وهنت سلطة بوتفليقة على الموارد الاقتصادية ومؤسسات القطاع العام حيث فرض رجال المال والأعمال سطوتهم

اقتصرت الاستفادة من هذا الإجراء على الشّخصيات المتنفّذة في الحكومة والجيش وذات الامتداد الثوري المزكّية للخيار الجديد، بما مهّد لاستفحال ثقافة الاستيراد الاستهلاكي، حيث بدأ الشّارع الجزائري يعرف سلعًا جديدة عليه، ويفقد صلته بالسّلع المحلية، التي أفرزت المقارنة بينها وبين السّلع الوافدة نكتًا وسخرياتٍ انتشرت في الأوساط الشّعبية. وهو الوضع الذي ألحق الجزائر، التي كانت تحقّق الاكتفاء الذاتي في ما تأكل وتلبس بـ"جمهوريات الموز".

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر.. الصعود نحو الهاوية

يقول باحث الاقتصاد السّياسي سفيان فرّومي لـ"ألترا صوت"، إنّ التحوّل الاقتصاديّ الجديد في ثمانينات القرن العشرين اشترك مع المرحلة الاشتراكية التي سبقته، في كونهما مرحلتين لم تكونا خاضعتين لرؤية حقيقية وعارفة بطبيعة الاقتصاد العالمي والجزائري، موضحًا: "بل كانتا خاضعتين لأمزجة وتصوّرات أشخاص كرّسهم الصّراع أثناء الثورة وما بعدها". 

ويشرح سفيان فرومي فكرته بالتّساؤل: "ما الفرق بين أن تكون الثّروة في حوزة الدّولة لتذهب إلى الأشخاص الأكثر نفوذًا، وأن تكون في حوزة الأشخاص النّافذين بتزكية من الدّولة؟".

أقيل الرّئيس الشّاذلي بن جديد أو استقال عام 1992. وترتّب عن ذلك توقيف المسار الانتخابي، بما شكّل مقدمةً لصراع مسلّح ين الحكومة والإسلاميين، فتضاعفت النّفقات الحكومية بالموازاة مع تدنّي أسعار النّفط في الأسواق العالمية. وهو الوضع الذّي فرض خيار اللّجوء إلى صندوق النّقد الدّولي، الذي كانت إملاءاته الاقتصادية قاسيةً، وفي مقدّمتها تسريح أعداد كبيرة من العمّال، ووقف دعم المؤسسات العمومية الخاسرة والمؤهّلة للخسارة.

وخضوعًا لهذه الإملاءات، وفي ظلّ مؤسّسات سياسية انتقالية وحالة الطّوارئ المفروضة، حُلّت عشرات من مؤسسات القطاع العام، وبيعت أخرى بمبالغ رمزية لرجال أعمال أغلبهم طارئون في إطار ما عرف يومها بـ"أثرياء الحرب". حيث أصبح القطاع العامّ الجزائريّ يتعرّض لإرهاب غير معلن، من طرف لوبيات المال والأعمال، تمامًا كما كانت الحكومة تتعرّض لضربات الجماعات المسلّحة.

من بين المؤسسات القليلة التي نجت من سياسة الخصخصة، شركة "سوناطراك" البترولية
من بين المؤسسات القليلة التي نجت من سياسة الخصخصة، شركة "سوناطراك" البترولية

وأعلن الرّئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، عند مجيئه عام 1999 عن رفضه لهذا الواقع، وجعل إنعاش الاقتصاد الوطني واحدًا من تعهداته الثلاثة الكبرى، بالإضافة إلى تحقيق السّلم العام وتلميع صورة الجزائر في الخارج. فكان توفيقه في التعهدين الأخيرين واضحًا، بينما بقي التعهد المتعلّق بالاقتصاد يتراوح بين النّجاح والفشل.

وفي باب حمايته للقطاع العام، أفلح في إصدار قانون يمنع بيع الأراضي الفلاحية، وأجهض محاولات خصخصة الشّركات الكبرى، في مقدّمتها شركة "سوناطراك" البترولية، ومصنع الحجّار للحديد والصّلب، ما جعله محلّ إشادة الأحزاب اليسارية، منها "حزب العمّال"، الذي تقوده لويزة حنّون منافسته في الانتخابات الرّئاسية، لكنّه فشل، خاصّة بعد مرضه منذ عام 2012، في الحدّ من تحكم رجال المال والأعمال في مفاصل الاقتصاد الوطني خارج منطق المنافسة، وهيمنتهم على الصفقات الكبرى، ما أوهن الشّركات العمومية وهيّئها لأن تخوصص لصالحهم.

يلوح رجال بوتفليقة بإمكانية خسارة ما تبقى من القطاع العام متمثلًا في مجانية التعليم والصحة، في حال عدم انتخاب بوتفليقة لعهدة خامسة!

في ظلّ هذه التّجاذبات والتحوّلات كلّها، يقرّ الجزائريون للحكومات المتعاقبة بكونها لم تتخلَّ عن مجّانية التّعليم في كلّ أطواره، ومجّانية العلاج والحصول على سكن اجتماعي، والمنح المخصّصة للفئات الهشّة وذوي الاحتياجات الخاصّة. وهي المكاسب التّي يلوّح محيط الرّئيس بوتفليقة بإمكانية خسارتها في حالة عدم انتخابه لعهدة خامسة في النصف الأول من العام القادم!

 

اقرأ/ي أيضًا:

إلغاء التقاعد المبكر يقلق عمال الجزائر

الجزائر تسعى لجذب الاستثمارات.. هل آن الأوان للخروج من اقتصاد النفط؟