صندوق النقد الدولي.. عقيدة إفقار الفقراء وتجويعهم

صندوق النقد الدولي.. عقيدة إفقار الفقراء وتجويعهم

يفرض صندوق النقد الدولي وصايته على الدول الفقيرة من خلال إقراضها (Getty)

في عام 2011 وجهت السيدة نفيساتو ديالو، التي تعمل كخادمة غرف في فندق، اتهامًا لمدير صندوق النقد الدولي السابق، دومينيك ستراوس، بمحاولة اغتصابها. أخذت القضية أبعادًا أخرى و كبرت كرة الثلج ودخلت أطراف عدة على خط القضية. وفي ذلك الوقت نشرت صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية تقريرًا قالت فيه بسخرية سوداء، إنه "لا بد أنه (ستراوس) رأى في هذه السيدة بلدًا فقيرًا في حاجة إلى مساعدة مالية".

هل وظيفة صندوق النقد الدولي هي حقًا تنمية الدول الفقيرة ومساعدتها على تجاوز العقبات؟ يبدو أن التجارب أثبتت عكس ذلك

يحملنا تساؤل الصحيفة البريطانية إلى تساؤلات أخرى أعم حول دور صندوق النقد الدولي في التحكم في سياسات الدول الفقيرة، لكن قبل هذا يطفو تساؤل آخر أولي على السطح ليس أقل أهمية: هل وظيفة صندوق النقد الدولي هي حقًا تنمية الدول الفقيرة ومساعدتها على تجاوز العقبات؟ يبدو أن التجارب أثبتت عكس ذلك.

وجه جوزيف ستيجلز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد نقدًا لاذعًا لصندوق النقد الدولي قال فيه، إنه هذا "الصندوق ليس مهتمًا بالتنمية ولا بانتشال الدول من الفقر بل بمصالح المؤسسات المالية". ولم تكن انتقادات السيد ستيجلز الوحيدة، حيث أعقبتها انتقادات أخرى أهمها ما قاله الخبير المستقل ألفراد دي زاياس، عن "أن الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي في مقابل الحصول على قروض لا تخلف سوى ارتفاعًا في معدلات البطالة، وتدهورًا في سوق الشغل وفي القطاع الصحي وفي البيئة".

اقرأ/ي أيضًا: الأردن تحت لعنة صندوق النقد.. "الشعب عارف طريقه"

 قليلة هي البلدان التي تمكنت من النجاة من براثن صندوق النقد الدولي وكثيرة هي البلدان التي تسببت شروط صندوق النقد الدولي في تدمير ركائز اقتصاداتها، حتى أصبحت في تبعية مطلقة، إلى  أن وصل الحد ببعضها إلى انتظار صرف شرائح القروض من أجل خلاص أجور الموظفين، مثلما حصل في تونس مؤخرًا.

صندوق النقد الدولي.. زيادة الفقراء فقرًا

تأسس صندوق النقد الدولي عام 1944 بعد اجتماع ممثلي ما يقارب 44 دولة في مدينة بريتن ودز الأمريكية، كما تم تأسيس البنك الدولي في نفس الاجتماع، وذلك لتلافي أزمة اقتصادية أخرى قد تعصف بالعالم بعد أزمة عام1929. وأنشئت هذه المؤسسات بأهداف معلنة تمثلت في مساعدة الدول الفقيرة على تجاوز أزماتها والمحافظة على الاسقرار المالي في العالم، ووضع الدولار الأمريكي في قلب النظام المالي.

وتأتي معظم موارد صندوق النقد المخصصة للإقراض من الحصص التي يقدمها الأعضاء وعددهم أكثر من 180 دولة عضوًا، وتستأثر الولايات المتحدة الأمريكية بنصيب الأسد، إذ إن حصتها تبلغ حوالي 18% من إجمالي حصص الصندوق.

لقد كانت قائمة الأهداف غير المعلنة سببًا في دمار دول كثيرة. في غانا مثلًا وبعد التجائها إلى الصندوق ورغم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها، أصر الصندوق على فرض رسوم على المدارس وكانت النتيجة كارثية إلى أبعد الحدود، حيث انخفض عدد التلاميذ إلى الثلث. بينما وصلت وحشية الصندوق إلى أقصاها في زامبيا بعدما أصر على الحد من الإنفاق على الصحة، وهو ما تسبب في تضاعف عدد الوفيات مرتين. لم يقتصر الأمر على الدول الأفريقية بل تجاوز ذلك إلى فتح جبهات في عدة دول في العالم مثل بوليفيا، التي اشترط عليها صندوق النقد شروطًا تعسفية لإقراضها، وكان من نتائجها الكارثية عجز الأسر الفقيرة عن شراء مياه الشرب.

وكذلك تايلند، التي أدت الإجراءات التصحيحية التي فرضها عليها الصندوق إلى التسبب في تعميق أزمتها الاقتصادية وانهيار نظامها المصرفي. وذات الدمار والخراب جراء تلك السياسة لحق ببلغاريا ورومانيا والأرجنتين، ويوغسلافيا التي احتلت المرتبة السابعة في قائمة الدول الأعلى مديونية في العالم.

وكان لدول عربية نصيب من هذه المجازر الاقتصادية أيضًا، أهمها الأردن التي شهدت احتجاجات منذ فترة بسبب غلاء المعيشة وتراجع الوضع الاقتصادي، حيث تمكن الصندوق والمؤسسات المالية على مدى أكثر من 30 سنة من إغراق المملكة في دوامة قروض وفوائد بلغت 35 مليار دولار، تصاعفت بسببها أسعار الخبز وارتفعت أسعار الوقود 5 مرات والكهرباء 55%، فيما بلغت نسبة الفقر نحو20 %. كما أجبر الصندوق مصر على تعويم الجنيه المصري مما تسبب في زيادة كبيرة في الأسعار وارتفاع سعر الدولار في مقابل الجنيه المصري، من 6 جنيهات للدولار الواحد إلى 17.99 جنيهًا في بداية العام 2018 ، وانعكس هذا الارتفاع بطبيعة الحال مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن بسبب ارتفاع أسعار المواد المستوردة، وحتى المواد الأخرى الأساسية منها وغير الأساسية، حيث ارتفع سعر اللتر من البنزين من1.85 جنيهًا إلى 6.75 جنيهًا، كما ارتفع سعر اسطوانة الغاز من 8 جنهيات إلى ما يقارب 50 جنيهًا.

وللاستفادة من قروض صندوق النقد الدولي، يجب على الدولة المقترضة الخضوع لعدة شروط مجحفة منها إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال برنامج يفرضه الصندوق  لسنوات طويلة، ودائمًا ما يتضمن البرنامج نقاطًا  تمس بالتمشي العام لاقتصاد الدولة، فيجبرها على تغيير مسارها الاقتصادي وتحرير السياسة التجارية والاستثمارية، التي تبدو كأداة للاستعمار المعاصر. كما يشترط عليها تخفيض قيمة العملة الوطنية لجعل الصادرات أرخص، وفتح الأسواق الحرة لصرف العملات الأجنبية، وإزالة القيود والعقبات عن أي تعامل بالعملات الأجنبية، وإعفاء الاستثمارات الأجنبية من الضرائب والرسوم الجمركية.

ثم ينتقل إلى إلغاء الدعم الحكومي الذي يعتبر صمام الأمان بالنسبة للدولة التي في طور النمو، مثلما يحصل في تونس والمغرب والأردن ومصر، ةتجميد الأجور والتخفيض في الإنفاق على القطاعات المركزية والتفريط في المؤسسات العمومية، من خلال إقرار قوانين تفتح الباب على مصرعيه لتسرب القطاع الخاص شيئًا فشيئًا إلى القطاع العام (مثلما حصل في تونس من خلال المصادقة على قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص). ويعتمد صندوق النقد الدولي على استراتيجية المراحل، إذ إن تقديم القرض لا يتم دفعة واحدة،  ولكن عن طريق دفعات و كل دفعة تكون مشروطة بمدى الالتزام بتطبيق "الإصلاحات المطلوبة".

للاستفادة من قروض صندوق النقد الدولي، يجب على الدولة المقترضة الخضوع لعدة شروط مجحفة

وفي تونس مثلًا، يسعى الصندوق من التسعينات إلى تدمير معالم الاقتصاد، وبدأ ذلك فعلًا من خلال برنامج إعادة الهيكلة الذي وافقت عليه تونس في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، هذا البرنامج الذي تسبب في دمار القطاع الفلاحي وتعويضه بقطاع هش كالسياحة من أجل أن تبقى البلاد دائمًا في حاجة إلى الدول المسيطرة، حتى من خلال مواطنيها الذي يأتون سياحًا. ويعتبر آخر القروض التي حصلت عليها تونس أضخم القروض بقيمة 2.5 مليار يورو على 9 دفعات، واشترط الصندوق في مقابل هذا القرض إلغاء الدعم، وتعويم الدينار التونسي الذي فقد أكثر من 50 % من قيمته، والتفويت في المؤسسات العمومية، وتجميد الانتدابات، وتخفيض كتلة الأجور، هذا بالإضافة إلى الضغط على الحكومة من أجل الضغط على مجلس النواب لأصدار قوانين تساعد على تنفيذ المخطط، أهمها قانون البنك المركزي الذي يعطي حرية مشبوهة لهذه المؤسسة، ويخرجها نوعًا ما من سيطرة الدولة التونسية. وقد دفعت كل هذه الشروط المجحفة بالحكومة التونسية إلى إقرار قانون مالي كارثي لسنة2018 ، تضمن زيادات ستضعف القدرة الشرائية للتونسيين بنسبة 20% حسب خبراء.

اقرأ/ي أيضًا: الأسعار ترتفع في مصر مجددًا.. جوع بأمر صندوق النقد

هل نجت دول من مصيدة صندوق النقد الدولي؟

نعم. تمكنت دول عديدة بعد إقرار إصلاحات صعبة من النجاة من مصيدة صندوق النقد الدولي، أهمها على سبيل المثال ماليزيا التي فضلت بعد الأزمة التي عصفت بدول شرق وجنوب شرق آسيا، اختيار الطريق وفرض إصلاحات اقتصادية مثل فرض ضوابط على العملة على حساب رأس المال وإلغاء التداول بالعملة الوطنية خارج ماليزيا، وإجراءات أخرى عديدة. وبهذه الإجراءات الصعبة، قاد رئيس الوزراء مهاتير محمد بلاده إلى بر الأمان، بل وصنع منها قوة اقتصادية دون اللجوء إلى قروض النقد الدولي، كما غرقت البرازيل في دوامة ديون صندوق النقد الدولي في ثمانينيات القرن الماضي، فاضطرت إلى تسريح آلاف الموظفين وتراجعت الطبقة الوسطى ووصل الأمر بصندوق النقد الدولي، إلى التدخل في الدستور، لكن في 2002 وبعد انتخاب رئيس جديد، انتهجت البلاد سياسة جديدة تقوم على دعم الصناعة المحلية ودعم القطاع الفلاحي، وهي إجراءات مكنت البرازيل من سداد 15.5 مليار دولار من ديونها.

ولا يزال اليوم صندوق النقد الدولي ينفذ سياساته التعسفية في حق عدد كبير من الدول الأفريقية إلى جانب قائمة من الدول العربية مثل الأردن ومصر وتونس، وفيما انتهت قضية نفيساتو ديالو بعد اتفاق مع مدير صندوق النقد الدولي السابق، على تسوية القضية خارج أسوار المحكمة بتعويض قدره 6 مليون دولار، لا تزال تتواصل العمليات الممنهجة لتدمير اقتصادات الدول الفقيرة من أجل الحفاظ على موازين القوى في العالم.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أفقر أيام مصر.. صندوق النقد مع السيسي ضد الشعب

"قوانين صندوق النقد الدولي" تؤرق البرلمان التونسي