إلغاء التقاعد المبكر يقلق عمال الجزائر

إلغاء التقاعد المبكر يقلق عمال الجزائر

إلغاء التقاعد المبكر يقلق عمال الجزائر(سكوت بترسون/Getty)

كان قرار إلغاء إمكانية التقاعد في الجزائر قبل بلوغ سن 60 سنة، مفاجأة غير سارة للآلاف من العمال، قرار أعلن عنه رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال خلال أعمال الدورة 19 للثلاثية التي تضم الحكومة واتحاد العمال ورجال الأعمال الجزائريين، ويأتي، بحسب المتتبعين، في سياق تصحيح موقف سابق اتخذته الحكومة الجزائرية في ظروف اقتصادية وسياسية مغايرة، ويأتي في سياق تدابير معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعرفها الجزائر بسبب هبوط أسعار النفط في السوق الدولية. ويبلغ عدد المتقاعدين في الجزائر ما يربو عن 2,7 مليون شخص ويكلفون الصندوق الوطني للتقاعد ما يقارب 770 مليون دينار جزائري كل سنة، بحسب أرقام رسمية.

يأتي قرار إلغاء إمكانية التقاعد في الجزائر قبل بلوغ سن 60 في سياق تدابير معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعرفها الجزائر بسبب هبوط أسعار النفط

القرار كان مفاجأة صادمة للآلاف من الجزائريين ممن انتظروا قبول ملفات حصولهم على وثيقة التقاعد المبكر، الذي كان قبل اليوم وبقوة القانون الساري المفعول، لغاية كتابة هذه الأسطر، يمنحهم حق الخروج من الوظائف بتقاعد نسبي/مبكر. وبحسب الخبير الاقتصادي عبد العزيز أومدور، في تصريح لـ"الترا صوت" فإن "التقاعد النسبي عبارة عن امتياز استفاد منه الموظفون والعمال للحصول على نسبة تصل إلى 80% من قيمة الأجرة الشهرية للتقاعد، لكن البعض كان يعتمده خاصة كحيلة قانونية للاستفادة من منصب عمل آخر في مؤسسة أخرى وهو ما لم يتح للمتخرجين الجدد من الجامعات ومراكز التكوين الحصول على وظائف". ويضيف أومدور أن "إلغاء هذا القرار سيسمح بتوفير مناصب شغل، وامتصاص البطالة ويوقف نزيف السيولة المالية من صندوق التقاعد".

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات الجزائر.. العيش الكريم أولًا ودائمًا

بفضل الإجراء السابق تمكن الآلاف من العمال في عديد القطاعات في الجزائر من الذهاب إلى مرحلة التقاعد قبل سن الستين، أو ما يسمى بـ"التقاعد المسبق" أو "التقاعد المبكر" حيث يسمح القانون لكل مساهم في صندوق التقاعد أن يتوقف عن العمل دون انتظار السن القانوني لذلك، ويسمح هذا القانون للرجال الذين تجاوزت أعمارهم 50 عامًا والنساء اللواتي تجاوزن 45 سنة بطلب التقاعد النسبي.

وتشير أرقام الحكومة إلى أن نصف العمال المتقاعدين في الجزائر تحصلوا على التقاعد قبل بلوغهم سن الستين، وهذه الأرقام برأي المتتبعين هي ما يبرر القرار القاضي بتعديل نظام التقاعد في الجزائر، على اعتبار أنه يؤثر على الميزانية المالية، فالتقاعد المسبق برأي النقابي حسين بكورة "يضر بالتوازنات المالية لصندوق التقاعد من جهة، ويكلف المؤسسات الجزائرية خسارة الكفاءات والكوادر والمواد البشرية، فيما يذهب الآلاف بعد التقاعد في الوظيفة العمومية نحو العمل في القطاع الخاص".

من جهتهم، القائمون على القطاع يرون في قرار الحكومة إلغاء قانون التقاعد النسبي "قرارًا إيجابيًا" لأنه يخدم مصلحة الأجيال القادمة، حسب رأيهم، حيث كشف المدير العام للضمان الاجتماعي بوزارة العمل الجزائرية جواد بوركايب أنه "يهدف إلى ضمان الاستمرار في تمويل التقاعد بين الأجيال، بمعنى أن كل جيل يساهم في دفع حقوق تقاعد الجيل الذي سبقه".

يبلغ عدد المتقاعدين في الجزائر ما يربو عن 2,7 مليون شخص ويكلفون الصندوق الوطني للتقاعد ما يقارب 770 مليون دينار جزائري كل سنة

اقرأ/ي أيضًا: عن قصص كفاح في "الوقت الضائع"..

الحكومة اعترفت بعجز الصندوق الوطني للتقاعد، بعد أن بات يكلف الدولة المليارات بسبب التقاعد المسبق حيث أن اشتراك خمسة عمال يضمن تقاعد شخص واحد، وبما أن سوق العمل يفقد في كل سنة الآلاف من المتقاعدين فإن الصندوق يفقد اشتراكات جديدة لا تتوافق مع الأجور التي تدفع للمتقاعدين، فضلاً عن خسارة الكفاءات المكونة في الإدارات الجزائرية وهي لا تزال قادرة على العطاء وتقديم الإضافة.

القرار أحدث جدلًا كبيرًا في أوساط الآلاف من الجزائريين ممن يرغبون في توديع مؤسساتهم والتخلي عن العمل والركون للتقاعد والراحة قبل سن الستين، ولكل شخص أسبابه الشخصية خصوصًا بالنسبة للوظائف التي أرهقت منتسبيها بعد آداء مهني تجاوز ربع قرن.

تقول صليحة لعرابي، أستاذة بمركز التكوين المهني بمحافظة سعيدة لـ"الترا صوت" إنها "قررت الانسحاب من الوظيفة السنة الماضية والانخراط في نظام التقاعد النسبي بعد بلوغها سن 46 سنة"، مضيفة أن "العمل كان مضنيًا ومتعبًا طيلة 25 سنة، حيث أصيبت بداء التهاب المفاصل والصداع النصفي، الأمر الذي سبب لها الكثير من المتاعب اليومية ودفعها إلى البحث عن الركون للراحة نهائيًا ولو بتقاعد نسبي".

عبد السلام رحماني، هو الآخر موظف في صندوق الضمان الاجتماعي، وتدرج في رتب مهنته، طيلة 29 سنة من الخدمة، واستفاد العام الماضي من التقاعد النسبي، إذ تمكن من الإفلات من القانون الذي سيطبق خلال الأسابيع القادمة على الآلاف من العمال، يقول لـ"الترا صوت": "التقاعد النسبي مهم جدًا للكثيرين ممن أرهقتهم الوظيفة، قدمت ملفي الطبي كاملًا والذي يتضمن تعرضي إلى نوبات الضغط الدموي من الضغوطات اليومية أثناء العمل وتراكمات السنوات". ويضيف: "الكثيرون خاب أملهم في إمكانية الحصول على التقاعد المسبق، بالنظر إلى ظروفهم الصعبة واستحالة استمرارهم في إكمال السنوات المتبقية من عمر المهنة".

هذا ويبقى الملف مفتوحًا، بترقب ردود الأفعال على المشروع برمته، خاصة وأن البلاد، وقطاع العمال بشكل خاص، تمر بأزمات متراكبة ومتزامنة نظرًا لتقلبات سوق النفط من ناحية، وفي ظل سياسات الحكومة وما يشوبها من سوء إدارة وتخطيط وفساد من ناحية أخرى يزداد تراكم التعب على كاهل المواطن الجزائري في غياب أي آفاق لحلول، حتى من النوع الوسط، بينما تتراكم الأزمات في ساحة الإعلام والطلبة والكل له حق/حقوق يطالب ويعى لأجلها لدى الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا:

البطالة تدفع شباب الجزائر إلى الصحراء

الجزائر.. "من وين أجيب المهر؟"