القصّة الكاملة للجدل حول أسترازينيكا: هل يجب حقًا التخلي عن اللقاح؟

القصّة الكاملة للجدل حول أسترازينيكا: هل يجب حقًا التخلي عن اللقاح؟

ما يزال اللقاح موضوع جدل واسع، إلا أن منافع الحصول عليه تفوق مخاطره المحتملة (Getty)

يبدو العالم اليوم متمسّكًا بلقاح أسترازينيكا، حتى صارت المنافحة عنه والدفاع عن سمعته موضوعًا شائعًا في وسائل الإعلام اليوم، وبين المدافعين عن اللقاحات وأهميتها لمواجهة جائحة كوفيد-19. كيف لا وهو أحد أوّل اللقاحات التي صرّح باستخدامها في العالم وأرخصها تكلفة، كما أنّه عصب أساسي لبرنامج منظمة الصحة العالمية الهادف إلى تأمين ملياري جرعة من اللقاحات لصالح 92 دولة بنهاية العام الجاري. في هذه المقالة المترجمة بتصرف عن موقع مجلة "ذا أتلانتيك" نتناول القصة الكاملة لتعليق استخدام اللقاح في أوروبا والأسباب المحددة وراء ذلك، والرأي السائد أوروبيًا للموازنة بين مخاطر اللقاح المحتملة وقدرته على المساهمة في وضع حدّ للجائحة والوصول إلى المناعة المجتمعية ضدّها.


يعدّ لقاح أسترازينيكا واحدًا من اللقاحات المعدودة التي يجري تصنيعها وتوزيعها على نطاق واسع عالميًا، وأحد المرشّحين الأساسيين للمساهمة بوضع حد لهذه الجائحة على المدى القريب. وهذا هو بالتحديد ما جعل الأسابيع القليلة الماضية تبدو كارثية جدًا.

على خلاف الرواية السائدة في وسائل الإعلام، فإن السبب الذي دفع الحكومات لتعليق استخدام وتوزيع لقاح أسترازينيكا أو تقييد وصوله لفئات عمرية معينة على قدر وجيه من التعقيد

فالأخبار السلبية عن اللقاح ما تزال تتفشّى، رغم تكهّنات البعض في البداية بأنها لن تعدو عن أن تكون زوبعة في فنجان. ففي مطلع آذار/مارس، علقت أكثر من 20 دولة أوروبية توزيع لقاح أسترازينيكا، وعللت بعض وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية ذلك بحدوث "تجلطات دموية" لدى بعض من تلقوا اللقاح. لكن وبعد أيام قليلة، أعلنت وكالة الأدوية الأوروبية عبر لجنة خاصة فيها أنها ما تزال توصي بالاستمرار باستخدام اللقاح. وفي ظل الارتفاع المتزايد للحالات في أوروبا وتسجيل أكثر من ثلاثة آلاف حالة وفاة يوميًا، فإن اللجنة خلصت إلى أن منافع اللقاح تفوق أي مخاطر محتملة.

لكن حتّى تلك البرهة من التردّد الأوروبي إزاء لقاح أسترازينيكا قد جوبهت بموجة عارمة مضادّة من الإحباط والاستنكار، فظهرت مقالات من معلقين وخبراء في الصحة العامة يصفون ما حصل بالغباء، ويحذرون من مغبّة الاستمرار بالتشكيك باللقاح، حتى أن أحدهم قد قال إن ذلك "مثال صارخ على الفشل الأوروبي". الإشكال بحسب هؤلاء يتلخّص في كون الأدلة على الضرر وارتباطه باللقاح جدّ ضئيلة، أو حتّى غير قائمة. فثمة 25 شخصًا على الأكثر أصيبوا بتجلطات بالدم بالتزامن مع تلقي لقاح أسترازينيكا، من بين 20 مليون إنسان تلقوا اللقاح ذاته، وهي نسبة ضئيلة جدًا، لا يمكن بحسب الإحصائيين الاعتماد عليها لتأكيد وجود ارتباط بين تلك الحوادث وبين اللقاح.

لكن في الوقت ذاته، لن نسمع أحدًا يقول بأن علينا أن نتجاهل تلك الحالات المعدودة تمامًا، وإنما جادلوا بأنه ووفقًا للبيانات المتوفرة لدينا فإن المخاطر المترتبة على الإصابة بكوفيد-19 تفوق بأضعاف عديدة المخاطر المحتملة لتلقي اللقاح، وأن تكلفة أي تعليق مؤقت لبرامج التطعيم لا تقارن ولا تحتمل، خاصّة وأنها ستزرع المزيد من بذور الشكّ لدى الناس بشأن اللقاح، في القارة الأوروبية وخارجها. وهذا ما حصل فعلًا. فثمة دراسة تقول إن 60% من البالغين الفرنسيين حاليًا يقولون إنهم لا يثقون بلقاح أسترازينيكا، وهي حالة تتكرر في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وربما يمتدّ أثر ذلك إلى دول عديدة أخرى في أوروبا وخارجها.

إلا أن التحديات التي يواجهها اللقاح أكبر وأعمق من هذا كله، فثمة تخوف لا يمكن كبحه إزاء لقاحٍ غير مأمون المضاعفات، حتى لو كان ذلك نادرًا جدًا، والحقيقة هي أن الهيئات الأوروبية المختصّة لم تكن مبالغة في ردّة فعلها، ولا متحيّزة سياسيًا ولا جاهلة رياضيًا بالاحتمالات المتعلقة بذلك. بل إن ما وقفت تلك الهيئات أمامه وجهًا لوجه ليس إلا سيناريو مرعبًا. فنحن في خضمّ جائحة عالمية وأزمة صحّة عامّة مربكة، ولا بدّ للمسؤولين والمختصين التعاطي مع أي احتمالية (حتى لو لم تثبت) بأن واحدًا من بين مليون شخص يتلقى اللقاح قد يكون عرضة لمضاعفات مميتة، لاسيما وأن أوروبا وحدها توزع يوميًا أكثر من مليون جرعة من اللقاحات.

المعضلة هنا هي أن أي حديث سلبي من قبل الهيئات المختصة حول اللقاح سيؤدي إلى تراجع الثقة به، وهو ما ستكون محصلته أيضًا المزيد من الضحايا بسبب عدم امتلاك المناعة ضد المرض، كما أن اللجوء إلى الصمت المطبق حيال احتمال وجود أعراض جانبية خطيرة للقاح، ولو نادرة، لن يكون كفيلًا بحل المشكلة، بل سيضفي المزيد من المصداقية على الدعوات التي تبثّ الخوف والذعر بين الناس من اللقاحات وتحذرهم منها.

السبب المحدد لتعليق استخدام أسترازينيكا

على خلاف الرواية السائدة في وسائل الإعلام، فإن السبب الذي دفع الحكومات لتعليق استخدام وتوزيع لقاح أسترازينيكا أو تقييد وصوله لفئات عمرية معينة على قدر وجيه من التعقيد. لقد صدر التصريح بلقاح أسترازينيكا لأول مرة في أوروبا في نهاية كانون الثاني/يناير، وتم البدء بتوزيعه في شباط/فبراير. ثم وفي السابع من آذار/مارس، أعلنت السلطات في النمسا عن بدء تحقيق في حالة وفاة قد تكون مرتبطة بتلقي اللقاح. ثم وبعد أيام على تلك الواقعة، أعلنت هولندا عن تحقيق مشابه، ولحقتها النرويج بحالة مماثلة. في 15 آذار/مارس، أوقفت ألمانيا استخدام لقاح أسترازينيكا، بانتظار نتائج التحقيق بحالات الوفاة الثلاثة، وأربعة حالات أخرى عانت مضاعفات شديدة عقب تلقي اللقاح.

بحسب تصريحات هيئة اللقاحات الألمانية، فإن ظهور سبعة تقارير جعلت الأمر يتجاوز الأعداد المتوقعة، خاصة وأن الحالات السبعة جميعًا حصلت لأفراد لا يعانون من مشاكل صحية سابقة، وأعمارهم بين العشرين والخمسين. المسؤولون في الهيئات الألمانية المختصة قدموا توصياتهم للحكومة الألمانية، وقالوا إنه لا يجدر الاكتفاء بالنظر إلى تلك الأرقام واعتبار ما حدث مجرّد مصادفة تزامنية، وأن ثمة بالفعل احتمالًا، ولو كان ضئيلًا، بتعرض المزيد من الأشخاص في تلك الفئة العمرية ممن ليسوا معرضين بالعادة لمخاطر الوفاة بكوفيد-19 إلى مخاطر غير مباشرة بسبب اللقاح.

بعد ذلك بيومين، أي في 17 آذار/مارس، أشار مقال نشر في مجلة "Science" إلى حصول سبع حالات وفاة من مضاعفات متشابهة، وست حالات مرضية تم شفاؤها، وذلك من بين 17 مليون شخص تلقوا لقاح أسترازينيكا في أوروبا. جميع أولئك الضحايا كانوا يتمتعون بصحة جيدة قبل أن تظهر لديهم حالة مرضية غريبة ترتبط باعتلالات دموية، عبر ظهور تجلطات في الجسم وتدني عدد الصفائح الدموية. في اليوم التالي، نشرت مقالة لاحقة في نفس الموضوع، نقلت عن باحث ألماني وصف ما حصل مع أولئك المرضى بأنه متلازمة من نوع (Vaccine-induced Prothrombotic Immune Thrombocytopenia) وهي متلازمة نقص الصفيحات التخثرية بسبب اللقاح. في المقابل، أعرب أخصائي أمراض دم في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية عن عدم قناعته حتى الآن بأن ذلك حاصل بتحفيز من اللقاح، ولكنه أكّد رغم ذلك أن الحالات التي حصلت كفيلة بإثارة القلق بشأن احتمالية أن يكون للقاح أسترازينكيا أعراض جانبية خطيرة على الحياة، على عدد ضئيل من المرضى.

وفي الوقت الذي ظهرت فيه تلك المقالة العلمية المهمّة الأولى حول تلك المتلازمة، كان الحديث عن الحالات في وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية يختزل ما حصل بكونه مجرّد "تجلطات دموية" وحسب، ما جعل قرار تعليق اللقاح ملغزًا لدى كثيرين، بل اعتبره البعض قرارًا عاطفيًا وغير مدفوع بالبيانات المتوفرة. هذا الانطباع أسهم في تعزيزه وكالة الأدوية الأوروبية نفسها، والتي أصدرت بيانًا صحفيًا في 10 آذار/مارس، قارنت فيه بين عدد من ظهرت لديه تلك التجلطات الدموية مع المعدل الأساس من مجموع من حصلوا على اللقاح، وهي مقارنة عكف العديدون على تكرارها، وقد تقاطعت بشكل واضح مع البيان الصحفي الذي أصدرته أسترازينيكا نفسها واعتمدت فيه على المنطق ذاته، حيث قالت الشركة إن عدد الحالات التي حصلت "أقل مما يمكن توقع حصوله بشكل طبيعي بين عينة بذلك الحجم"، أي من مجموع من حصلوا على اللقاح.

إلا أن تلك التصريحات والمقارنات العامة التي تتحدث عن "تجلطات دموية" كانت بعيدة عن توصيف المخاطر المحددة المحتملة التي كانت تخشاها العديد من الدول. فوكالة الأدوية الأوروبية عادت في 18 آذار/مارس لتقول إنها قد وجدت على رابط محتمل بين تلقي اللقاح و25 حالة أخرى طورت اعتلالات مقلقة في الدم، بما في ذلك تسعة أشخاص تعرضوا للوفاة بسبب ذلك، وجميع تلك الحالات عانت من انخفاض في الصفائح الدموية، وسبعة منهم حدثت معهم تجلطات عبر الأوعية الدموية، وهي حالة تعرف باسم "التخثر المنتشر داخل الأوعية" (DIC)، والتي ظهرت هنا بمعدل يفوق المتوقع بخمسة أضعاف. أما البقية فعانوا من تجلطات دموية حالت دون تصريف الدم من الدماغ، وهي حالة تعرف باسم "خثار الجيب الوريدي المخي" (CVST)، والتي حدثت بمعدل يفوق المعتاد بتسعة أضعاف. وفي 18 آذار/مارس أيضًا، أعلنت هيئة اللقاحات في المملكة المتحدة أنها تحقق في خمس حالات لأفراد عانوا من تجلطات دموية وتدنيًا في الصفائح بعد تلقي اللقاح.

ربما تم التراجع الآن عن تعليق استخدام لقاح أسترازينيكا في العديد من البلدان، إلا أن التحقيقات والأبحاث ما تزال جارية، وما تزال الهيئات المختصة في بعض الدول تقترح إجراءات جديدة للتعامل مع اللقاح. ففي فرنسا مثلًا، تم الإعلان عن تسع حالات ظهرت لديها اعتلالات مشابهة (من بينها حالتا وفاة)، من بين 1.4 مليون شخص تلقوا اللقاح، ووصفت الوكالة الوطنية لسلامة الأدوية والمنتجات الصحية ذلك بأنه مرتبط باللقاح. وفي الدنمارك، تم تمديد تعليق استخدام أسترازينيكا، بينما قررت دول أخرى أن تقتصر على تقديم اللقاح لكبار السنّ فقط، على اعتبار أن معظم الحالات التي عانت من المضاعفات بعد تلقي أسترازينيكا كانوا تحت سن الخمسين عامًا.

ما يزال المجتمع العلمي حتى الآن غير قادر على تحديد ما إذا كانت تلك الاعتلالات التي تصيب الدم مرتبطة باللقاح فعلًا، وليس لدينا معرفة بما إذا كانت مخاطر اللقاح، لو وجدت، تنطبق على جميع من يحصلون عليه

وما يزال المجتمع العلمي حتى الآن غير قادر على تحديد ما إذا كانت تلك الاعتلالات التي تصيب الدم مرتبطة باللقاح فعلًا، وليست لدينا معرفة بما إذا كانت مخاطر اللقاح، لو وجدت، تنطبق على جميع من يحصلون عليه، أم على فئات بعينها أكثر عرضة للتأثر من اللقاح مقارنة بغيرها. وفي ضوء هذه الحالة من اللايقين، فإن طريق الموازنة بين المخاطر المحتملة للقاح ومنافعه تبدو واضحة: ففي ظل الحاصل حاليًا من استمرار تفشي الجائحة، وحتى مع افتراض السيناريو الأسوأ بالنسبة للقاح استرازينيكا، فإن الحصول على اللقاح كفيل بإنقاذ عدد أكبر بكثير من الأرواح بين كل مليون نسمة، مقارنة بعدد من يمكن أن يشكّل تهديدًا لحياتهم. وكلّ ما في الأمر هو أن السلطات لا تستطيع ببساطة أن تسقط ما حصل من اعتبارها، وأن الالتزام بالشفافية والوضوح للحديث عن ذلك هو السبيل الأسلم لتعزيز الثقة بالسلطات الصحيّة وإجراءاتها المتبعة لاحتواء الجائحة وتعزيز الإقبال على اللقاحات في الفترة الحساسة المقبلة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"براءة" اللقاح: دراسة جديدة تؤكّد سلامة "أسترازينيكا" وفعاليته بنسبة 100%

منظمة الصحة العالمية: منافع تلقي "أسترازينيكا" تفوق أي أضرار محتملة