القارئ الذي لا يقرأ

القارئ الذي لا يقرأ

كريس فونوفيتش/ أمريكا

أن تقتني كِتابًا لا يعني أنّك قارئ بالضرورة، بل أن تقرأَ كتابًا ليس شرطًا كافيًا لتكون قارئًا. القراءة هي أعقد مما يتخيّلها البعض، لأنّها جهد ذهني ونفسي وجسدي.

القراءةَ ليست فعلَ هرولة، بل هي فعل تأمّل وتدبّر في المعاني والدلالات البارزة منها والخفية

من يقرأ بصدد تفكيك منظومات متشابكة من العلامات اللغوية ومن الأنظمة الدلالية، وتختلف تلك الأنظمة من نص إلى آخر، وتزداد تعقدًا مع ازدياد حجم حضور الرمز فيها (النص الأدبي/ العمل الفني)، أو بكثرة احتشاد المفاهيم المجردة (النص الفلسفي)، وأمام انغلاق هذه المنظومات يحتاج القارئُ إلى طاقة كبيرة لمواجهة أبوابها المغلقة، بحثًا عن مسالك خفية أو منافذ غير مرئية للنفاذ خلالها إلى جوهر النص، هذا طبعًا إذا اتفقنا جدلًا بإمكانية الإمساك بذلك الجوهر.

اقرأ/ي أيضًا: فصل المقال في ما بين القارئ والكاتب من الاتصال

في هذه الحالة، تتحوّل القراءة إلى رياضة ذهنية تفرض شروطًا صارمة على القارئ، فليس هناك ما هو أصعب من البقاء لوقت طويل في حالة تركيز شديدة.

ستغدو القراءة ضربًا من المعركة داخل مجاهيل النصوص، أولًا معركة فهم النص، بما يفرضه الفهم من تحديات معرفية ونصية، وثانيًا معركة الإفهام، لأنّ القارئَ هو وسيط بين النص وقارئ ثان أو ثالث أو رابع.

يجد القارئ نفسه أمام عقبتين: عقبة الفهم "كيف سأفهم النص؟"، ذلك أنّنا نقرأ لأننا بحاجة إلى أن نفهم ما نقرأه. وعقبة الإفهام "كيف أنقل فهمي للنص إلى قارئ آخر؟"، لأنّ القراءة من طبيعة اجتماعية كما قال روبيرت إسكاربيت.

برزت ظاهرة مجموعات القراءة، والتي تدخل فيما يشبه سباقًا ضد الزمن لقراءة أكبر عدد ممكن من الكُتب، خاصة الأدبية منها. الظاهرة صحية من حيث إنها تساهم في خلق مجتمع القرّاء، لكن إذا تأمّلنا جيّدًا في طبيعة القراءة المنتجة، سننتهي إلى الملاحظة التالية أنّ هذه القراءة تخلّ بأحد أهم شروط القراءة، والمتمثلة في الوقت.

القراءة الحقيقية هي قراءة متأنية، تحتاج إلى وقت قد يطول لأجل قراءة كتاب ثم فهمه. أي أنّ القراءةَ ليست فعلَ هرولة، بل هي فعل تأمّل وتدبّر في المعاني والدلالات البارزة منها والخفية.

من هنا، فالمغزى من القراءة ليس قراءة أطنان من الكتب بحيث تكون النتيجة لا شيء، بل هي قراءة كتاب واحد وتكون الفائدة كبيرة. صحيح أنّ القراءة قد تخلق حالة تنافس، وهذا كما قلنا سابقًا، تمثل حالة محمودة، لكن ما الفائدة من قراءة كل تلك الكتب، وبتلك السرعة إذا كان القارئ في آخر المطاف لا يستطيع أن يستفيد مما قرأه، طالما أن همه الكبير هو أن ينهي قراءة الكتاب وليس أن يفهمه؟

القارئ المهرول هو قارئ يفتقد إلى تلك الثقة بنفسه، لأنّه أصلًا لا يقرأ

اقرأ/ي أيضًا: عن القارئ

هناك علاقة وطيدة بين القراءة واكتساب الثقة بالنفس، واكتساب هذه الأخيرة، كما قال هارولد بلوم، يكون بعد تجربة طويلة من القراءة الجادة. القارئ المهرول هو قارئ يفتقد إلى تلك الثقة بنفسه، لأنّه أصلًا لا يقرأ، بل يتزحلق فوق سطوح النصوص دون ملامسة الأعماق. فما الحاجة إلى هذا القارئ الذي يظن أنه يهزم الزمن؟ ما الحاجة إلى أخذ صورة مع برج مرتفع من الكُتب في حين لا تعدو أن تكون أكداسًا من الورق الأصمّ؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

غير دانتي وأمبرتو إيكو.. 5 كتاب إيطاليين يجدر بك القراءة لهم

لماذا يقرأ البريطانيون؟