"العنف الجنسي".. سلاح فتّاك بين يدي داعش والنظام في سوريا

أصبح العنف الجنسي ظاهرة عشوائية وشائعة كسلاح في الحرب السورية (Getty)

في خضم الحرب الهوجاء في سوريا، والمستعرة منذ ستة سنوات، غطت أخبار القصف اليومي وجولات المحادثات السياسية ساحة الحرب السورية، لكن خلف أصوات المدافع وتصريحات ذوي البدلات الأنيقة من ممثلي أطراف القضية السورية، تقبع ظاهرة مفجعة، قلّما تلتفت إليها وسائل الإعلام والرأي العام الدولي.

تتعلق هذه الظاهرة باستخدام أجساد النساء كساحةٍ للمعركة بين الأطراف المتحاربة، بحيث استُعمل الجنس في هذه الحرب على نحو منهجي وواسع النطاق، كسلاح للتدمير والإذلال من قبل النظام السوري وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع السوري، تصبح هذه الوسيلة الحربية أكثر فتًكا، إذ تُسقط الضحايا في سرداب العزلة الاجتماعية والشعور بالعار ليموتوا في صمت، وقلما يتجرؤون على البوح بالجرائم الجنسية التي تعرضوا إليها.

النظام السوري اغتصب الآلاف في المعتقلات

تَنقل لورين وولف، الناشطة في حملة "نساء تحت الحصار"، لصحيفة "ذي أتلانتيك"، عن فتاة سورية لاجئة مع عائلتها في الأردن، وهي تحكي كيف أن مجموعة من جنود الجيش السوري وصلت إلى منزلهم في حمص، وقيّد الجنود والديها وأخاها، ومن ثم تناوبوا على اغتصابها مع شقيقتيْها. تصف الفتاة وهي تبكي، كيف أقدم الجنود بعد اغتصابهن على إحراق أعضائهن التناسلية بالسجائر، وهم يرددون أثناء التعذيب: "تريدون حرية؟ هذه هي حريتكم".

بمرور الوقت تحول الاغتصاب إلى ظاهرة عشوائية وشائعة في سوريا، على يد جنود قوات النظام السوري

ومنذ اندلاع الثورة السورية في 2011، شن النظام السوري من خلال الميليشيات التابعة له، حملة اغتصاب منظمة لنساء عائلات المعارضين والناشطين، بغرض الترهيب ، ثم تحوّل الاغتصاب بعد اشتعال الحرب بين المعارضة والنظام إلى ظاهرة عشوائية وشائعة في سوريا، فتغتصب النساء في المعتقلات وأماكن الاحتجاز، وقد يُغتصبن في بيوتهن.

اقرأ/ي أيضًا: أعتى 11 كذبة للنظام السوري

وفي هذا الشأن، تُقدّر بعض المراكز الحقوقية أن هناك أكثر من 50 ألف حالة اغتصاب تعرض لها نساء ورجال في المعتقلات السورية التابعة لنظام الأسد، إلا أنه ليس هناك حتى اليوم إحصائيات دقيقة وشاملة توثق الجرائم الجنسية الحاصلة في سوريا.

إيرين غالاغر، وهي محققة سابقة في جرائم العنف الجنسي في لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، تقول بعد أن أمضت أشهرًا في التحدث مع النساء والرجال السوريين في مخيمات في الأردن وتركيا، إنه "من الصعب جدًا الحصول على فكرة دقيقة في هذه المرحلة عن نطاق الجرائم الجنسية بسوريا"، مضيفةً أن حجم المشكلة يستغرق وقتًا طويلًا وبناء ثقة، واتباع نهج شمولي أوسع نطاقًا، للحصول على فكرة واقعية.

لكن على مدى السنوات الماضية، استطاعت هيئات الأمم المتحدة أن توثق بشكل منتظم، أدلة كافية لإدانة النظام السوري في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها العنف الجنسي في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة له، وذلك وفقًا لتصريح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، في مؤتمر صحفي له بنيويورك قبل أيام.

داعش اختطفت آلاف النساء كسبايا

إذا كان النظام السوري ينفي تهم حملات الاغتصاب التي يقوم بها ضد عائلات المعارضين، ويخشى التصريح بها أمام الرأي العام، فإن تنظيم داعش استخدم الجنس بافتخار، كاستراتيجية لجذب المقاتلين إليه من جهة، ومن أخرى استعمله "سلاحًا مقدسًا" لتدمير الأقليات الدينية في سوريا وعموم الأطراف المعادية له.

وعلى مدار السنتين الأخيرتين، اختطف داعش آلاف النساء من اليزيديات والمسيحيات في العراق وسوريا كـ"سبايا". مشاهد السبي، وما يُروى من حفلات اغتصاب، وشهادات من استطعن الفرار، صدمت الرأي العام، وصعّد من الحملة ضد التنظيم. 

واستخدم داعش الاغتصاب والاعتداءات الجنسية والاسترقاق الجنسي والتزويج القسري، كنهجٍ له، بتوصيف منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية. وإلى جانب أن "اغتنام" النساء هو سلاح قهر وذل، فهو أيضًا عامل جذب لعب عليه التنظيم لاجتذاب الآلاف للانضمام إليه من خارج سوريا، من الباحثين عن حلم "العنف/ القوة" والجنس. ولم يقتصر الأمر على الجنس في الدنيا، وإنما وصل للترويج للحور العين بعد الموت من الآن، كرغبة أُخروية تغذي عزيمة مقاتلي التنظيم.

انتهج داعش الاغتصاب والاسترقاق الجنسي، كسلاح في الحرب، وآداة جذب لآلاف العناصر المنضمة إليه

هذا وقد أورد تقرير حديث للأمم المتحدة، تناول قضية العنف الجنسي، أن داعش لا يزال يحتجز ما لا يقل عن 882 امرأة، تعاملن معاملة العبيد، في مقابل 971 امرأة تحررن بالهروب أو بعمليات تحرير، من أسر داعش لهن. واتهم التقرير داعش بارتكاب جرائم اغتصاب جماعي، واسترقاق جنسي، بخاصة ضد نساء اليزيدية.

اقرأ/ي أيضًا: كيف مولت الأمم المتحدة بشار الأسد؟

ومن جانبه دعا أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، جميع الأطراف في سوريا إلى "التوقف فورًا عن استخدام العنف الجنسي كتكتيك حرب أو إرهاب"، متوعدًا بأن هذه الجرائم "ستُؤخذ في الحسبان في اتفاقات وقف إطلاق النار، والمفاوضات السياسية، وعمليات السلام، ومبادرات المساءلة".

هذا وتنشط مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية، بينهم منظمة العفو الدولية، في مساعدة النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب في سوريا، على تجاوز محنتهن عبر المساعدة النفسية، وتعمل على توثيق ضحايا العنف الجنسي، رغم الصعوبات التي تواجه هذه المنظمات في تغطية هذه القضية على نحو شامل، لما يغلف الموضوع من حساسية اجتماعية تمنع الكثير من الضحايا من البوح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثورة السورية العظيمة دائمًا

الأيروتيكيّة السياسية.. عري النظام